ملخص
رؤية ترمب الموسعة لمجلس السلام، أثارت مخاوف من أن الرئيس الأميركي يسعى إلى إنشاء جهة منافسة للأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، على رغم أن مجلس السلام أنشئ بقرار من مجلس الأمن للإشراف على وقف إطلاق النار في غزة.
بعد اجتماع ضم 28 دولة في واشنطن، نجح مجلس السلام في إقرار تعهدات بعض الدول بنحو 17 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، وينتظر أن يتحرك بوتيرة أسرع من منظمة الأمم المتحدة القائمة على التوافق، بعدما تمكن من تحقيق تحسينات نسبية في الوضع الإنساني وحرية التنقل في القطاع.
لكن المجلس سيحتاج إلى تجاوز العقبات الشائعة في التحالفات المماثلة التي تقودها الدول المانحة، بخاصة وأن ميثاق المجلس يشير فقط إلى وضعه كمنظمة دولية، ولا يحدد صراحة الوضع القانوني لغزة، كما لا يحدد مواعيد نهائية محددة، أو معايير قابلة لقياس التقدم، أو آليات إنفاذ واضحة.
نفوذ وطموح
بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مثلت أول قمة تعقد لمجلس السلام، نصراً تاريخياً له، فقد استطاع جمع قيادات ومسؤولي 28 دولة من مختلف قارات العالم، في المبني الذي أعادت الخارجية الأميركية تسميته من معهد السلام إلى معهد دونالد ترمب للسلام، كي يبرز نفوذ الولايات المتحدة تحت قيادته، ويثبت قدرته على تنفيذ تعهداته السابقة لتأمين مستقبل أفضل لقطاع غزة.
فمن ناحية، أظهر عدد من الدول المشاركة أنها قادرة على التعاون مع إدارة ترمب التي تظهر تحولاً كبيراً في نهج الولايات المتحدة القديم تجاه النظام العالمي، الذي بدا من خلال نقاشات مؤتمري دافوس وميونيخ أنه يتلاشى بعد ثمانية عقود من الثبات، إذ تعهد تسعة أعضاء في مجلس السلام (السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات والمغرب وكازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان) تقديم 7 مليارات دولار أميركي كحزمة مساعدات لغزة.
ووافقت خمس دول أخرى (إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا) على المشاركة بقواتها في قوة الاستقرار الدولية في غزة، كما التزمت مصر والأردن بتدريب قوات الشرطة لهذه الجهود.
جاذبية سياسية
كل ذلك يظهر مدى جاذبية سياسة ترمب الخارجية للدول الواقعة خارج أوروبا القلقة في شأن التزام الولايات المتحدة بحمايتها أمنياً، إذ تشمل الدول المشاركة في القمة 17 دولة آسيوية من بينها ست دول عربية، ودولتين أفريقيتين عربيتين، ودولتين من أميركا الجنوبية ودولتين من أميركا الشمالية من بينهما الولايات المتحدة، في حين لم يشارك من الدول الأوروبية سوى خمس دول فقط جميعها من خارج الاتحاد الأوروبي عدا المجر، وهو ما يشكل محطة أخرى في تحول الاستراتيجية الأميركية تحت إدارة ترمب.
لكن رؤية ترمب الموسعة لمجلس السلام، أثارت مخاوف من أن الرئيس الأميركي يسعى إلى إنشاء جهة منافسة للأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، على رغم أن مجلس السلام أنشئ بقرار من مجلس الأمن للإشراف على وقف إطلاق النار في غزة، وهو ما أكدته كلمته الافتتاحية حين قال إنه سيكون لمجلس السلام دور أشبه بالإشراف على الأمم المتحدة، لضمان حسن سير عملها وجعلها قادرة على الاستمرار في المستقبل.
ولعل هذا ما يفسر سبب رفض 14 دولة أوروبية، بمن فيهم المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، المشاركة في مجلس السلام، فضلاً عن الفاتيكان، ولم تبد 10 دول أخرى التزاماً بالانضمام من بينها الصين والهند وأستراليا، كما لم تفصح روسيا عن موقفها حتى الآن، وظلت كندا مستبعدة بعدما سحب ترمب دعوته إلى رئيس الوزراء الكندي، عقب خلاف في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي.
طريق وعر
لكن على رغم طموحات ترمب الواسعة وإصراره على النجاح في غزة الذي عكسه عرض رؤيته لإعادة إعمار القطاع، وتعهده بتقديم الولايات المتحدة 10 مليارات دولار لمجلس السلام، وإعلان قائد قوة الاستقرار الدولية الجنرال جاسبر جيفرز خططاً تتضمن نشر 12 ألف شرطي و20 ألف جندي في غزة، من المتوقع أن يكون الطريق أمام غزة وعراً لأسباب عدة أبرزها أن التعهدات المالية المقدمة حتى الآن لا تمثل سوى جزء ضئيل من المبلغ المقدر بنحو 70 مليار دولار اللازم لإعادة إعمار القطاع الذي دمر بعد عامين من الحرب.
أيضاً تتزايد الشكوك حول مدى استمرارية مساهمات الدول المتبرعة التي ينظر إليها غالباً على أنها مشروطة بتحقيق تقدم ملموس في الحياة المعيشية داخل غزة، إذ يحتاج المساهمون إلى توضيح آليات الحوكمة الانتقالية، ووصول المساعدات الإنسانية والخدمات اللوجستية، في حين لا تزال بعض الحكومات حذرة في شأن كيفية ارتباط هذه الآلية بعمليات الأمم المتحدة القائمة.
التعهدات والتنفيذ
لا يزال مجلس السلام يواجه صعوبة في حل المسائل الرئيسة في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني مثل من سيحكم القطاع، ومن سيوفر الأمن على الأرض، وكيفية تلبية الحاجات العاجلة للسكان الفلسطينيين، في وقت لا تتوافر فيه مؤشرات حول كيفية تمكن مجلس السلام من كسر الجمود في المفاوضات بين إسرائيل و"حماس"، بينما تتعثر خطة السلام والتعافي الممتدة لـ100 يوم التي أعلنها جاريد كوشنر صهر الرئيس ترمب في دافوس، إذ لا تزال المساعدات المقدمة إلى غزة شحيحة. وكما يقول الدبلوماسي الأميركي السابق وكبير الباحثين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي آرون ديفيد ميلر، فإن مجلس السلام يحتاج إلى تحركات جادة بدلاً من السعي إلى تحقيق مكاسب سريعة، وإبرام صفقات، لإظهار أن الأمور لم تحسم بعد، لأن التعهدات شيء، والتنفيذ شيء آخر.
كذلك، ينظر إلى عدد من الدول غير المنخرطة تاريخياً في طرح حلول أو مبادرات في شأن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، على أنها تسعى إلى كسب ود إدارة ترمب بالانضمام إلى مجلس السلام الذي يقترح فيه الرئيس الأميركي الحصول على مقعد دائم في مقابل تبرع بقيمة مليار دولار في محاولة لدعم مبادرته للسلام في غزة، مما يطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذا المجلس إذا ظل التقدم يسير فيه ببطء شديد حتى نهاية ولاية ترمب الثانية، التي يعتقد إلى حد بعيد أن ترمب حينها سيفقد نفوذه السياسي كرئيس للولايات المتحدة، وأن احتفاظه بمنصبه رئيساً للمجلس حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية، لن يمثل أية قيمة أو ميزة للأعضاء المساهمين.
مدى تعاون إسرائيل
من المتوقع أن يكون كسب التعاون الإسرائيلي مع خطة السلام أمراً بالغ الصعوبة في عام انتخابي يسعى فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الإبقاء على اليمين المتطرف في ائتلافه الحزبي، ويرغب في تجنب الظهور بمظهر المتعاون مع دول مثل قطر أو تركيا، التي يعتقد الإسرائيليون أن علاقة وثيقة تربطهما بـ"حماس".
وحتى الآن، تواصل إسرائيل عملياتها المستمرة منذ أشهر في التوغل داخل أراضي القطاع، وتتجاوز الخط الأصفر غرباً، وبحسب مكتب غزة في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لا يزال الناس يقتلون، ولا تزال المباني تهدم.
كما تظل المساعدات المقدمة إلى غزة محدودة للغاية، ولم يطرأ أي تغيير على قائمة المواد التي تحظر إسرائيل دخولها إلى القطاع، لأنها تصنفها على أنها "ذات استخدام مزدوج"، التي تشمل تقريباً أي شيء مصنوع من المعدن، بما في ذلك أعمدة الخيام المعدنية، مما يعد عقبة رئيسة أمام أي جهود لإعادة الإعمار في القطاع.
آلية عمل غامضة
تشير التطورات على أرض الواقع إلى أن قلة من المنظمات السياسية والأمنية التي تعمل في إطار خطة السلام المدعومة من ترمب، أحرزت تقدماً ملموساً نحو حل النزاع أو تخفيف الأزمة الإنسانية في غزة، ولا يزال القائمون على تنفيذ خطة السلام والتعافي التي أطلقها كوشنر، غير واضحين في شأن آلية عملها.
وعلى سبيل المثال، لا يزال أعضاء هيئة الخبراء المكونة من 15 عضواً في اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي جرى إنشاؤها بموجب خطة ترمب، ينتظرون بلهفة في القاهرة، إمكان إظهار تحسن سريع في مستويات المعيشة لسكان غزة، لكنهم يفتقرون إلى الأدوات اللازمة لإنجاز أي شيء.
ويبدو أن الغموض كان سمة متبعة منذ البداية، إذ يستخدم ميثاق مجلس السلام لغة عامة نسبياً، إذ يصف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 مجلس السلام بأنه "إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية". ويشير الميثاق نفسه إلى وضعه كمنظمة دولية، ولا يحدد صراحة الوضع القانوني لغزة، كما أنه لا يحدد مواعيد نهائية محددة، أو معايير قابلة لقياس التقدم المحرز، أو آليات إنفاذ واضحة، مما قد يؤدي إلى حالة من عدم اليقين والتأخير لفترات طويلة، على غرار التحديات التي واجهتها الأمم المتحدة في مناطق أخرى حول العالم.
قوة الاستقرار
على رغم ما ظهر من تقدم في شأن تعهد إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا إرسال قوات لقوة تحقيق الاستقرار في غزة ونشرها بالقرب من رفح، وربما إنشاء قاعدة كبيرة لهم هناك، مع التزام مصر والأردن بتدريب الشرطة لهذه الجهود، يخشى بعض الدبلوماسيين من أن خطة قوة الاستقرار الدولية محكوم عليها بالفشل إذا لم تهيأ الظروف المناسبة لنشرها.
تشمل هذه الظروف خطة قابلة للتنفيذ لنزع سلاح "حماس" وانسحاب الجيش الإسرائيلي، إذ يصر المسؤولون الإسرائيليون حتى الآن على عدم انسحاب قواتهم إلا بعد نزع سلاح الحركة وسائر الفصائل المسلحة الأخرى في القطاع، وهو ما قد يعقد جهود الحل.
نزع سلاح "حماس"
كان إنشاء قوة دولية مسلحة لتحقيق الاستقرار، بهدف الحفاظ على الأمن وضمان نزع سلاح "حماس"، هو حجر الزاوية في اتفاق وقف إطلاق النار، ولهذا ظل محوراً أساسياً لمناقشات مؤتمر مجلس السلام، إذ لم تبد الحركة أي استعداد للمضي قدماً في نزع السلاح، وهو أمر يدرك المسؤولون الأميركيون أنه جزء من التحديات التي تواجه عملية نزع السلاح.
ومع ذلك يشعر الأميركيون بالتفاؤل إزاء تحقيق هذا الهدف، كما اعترف وزير الخارجية ماركو روبيو في كلمته أمام المشاركين في المؤتمر بأنه لا يزال هناك طريق طويل وكثير من العمل الذي يتطلب مساهمة كل دولة ممثلة في المجلس.
دروس الماضي
تتشابه فكرة مجلس السلام الذي أنشأه ترمب مع عدد من الإدارات الانتقالية السابقة التي قادتها الأمم المتحدة، مما يجعل استخلاص الدروس المهمة المستفادة من التجارب السابقة أمراً حيوياً، حتى يتمكن المجلس من تجاوز العقبات الشائعة في نموذج التحالفات الذي تقوده الدول المانحة، بخاصة وأن السوابق التاريخية تقدم أمثلة تحذيرية عديدة تظهر أن الرقابة الدولية في بيئات ما بعد النزاعات غالباً ما تواجه صعوبات أو تفشل عندما تكون صلاحياتها غير محددة بدقة، وعندما لا تشرك السكان المحليين بصورة كافية.
وكما يقول كبير الباحثين في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط إريك ألتر، فقد أنشأت الأمم المتحدة إدارات انتقالية في تيمور الشرقية من أواخر عام 1999 حتى استقلال الإقليم عن إندونيسيا عام 2002، كما أنشأت إدارة موقتة في كوسوفو عام 1999. وفي العراق قامت سلطة الائتلاف الموقتة بقيادة الولايات المتحدة عقب غزو عام 2003 بإدارة البلاد، وفي البوسنة والهرسك جرى إرساء هيكل للحكم بعد اتفاق دايتون للسلام عام 1995، وفي جميع هذه الحالات، كان الفاعلون الخارجيون سواء من الأمم المتحدة أم الأطراف الأخرى، يركزون على الحكم المركزي أو الأطر المؤسسية غير المحكمة، وكانوا يميلون إلى إزاحة دور القوى المحلية وتقويض آفاق الحكم الذاتي المستدام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتقدم خريطة طريق السلام لعام 2003، التي طرحتها اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا) لمعالجة الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، مثالاً آخراً مفيداً، فعلى رغم أن الخطة حددت خطوات مرحلية نحو حل الدولتين، بما في ذلك التزامات أمنية وإصلاحات مؤسسية، واجهت انتقادات مستمرة بسبب غموض الجداول الزمنية، وعدم معالجتها للقضايا الجوهرية بصورة حاسمة، وعجزها عن وقف العنف أو التوسع الاستيطاني.
دور فلسطيني
ومع ذلك، يتضمن مجلس السلام سمات عدة مميزة في شأنها أن تحسن الجهود الدولية السابقة لتسوية ما بعد النزاعات المسلحة، فمع تولي ترمب الرئاسة الدائمة لمجلس السلام بموجب الميثاق، سيستفيد المجلس من نهج ترمب القائم على إبرام الصفقات وجلب مزيد من التبرعات الضرورية لإعادة إعمار القطاع، لكن المجلس يفعل ذلك من دون أي تمثيل فلسطيني، كما أن المجلس التنفيذي لغزة، لا يضم أي فلسطينيين.
ومن المفترض أن تدار العمليات اليومية من اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة تكنوقراط فلسطينية مستقلة، منعزلة عن نفوذ "حماس" وقيادة السلطة الفلسطينية الحالية التي ستشرف على الوظائف الإدارية الروتينية، وتستشير الخبراء الدوليين، مما يسمح بتوزيع المساعدات الإنسانية وإصلاح البنية التحتية وبناء المؤسسات، بالتقدم من دون التورط في النزاعات السياسية الفصائلية.
لكن على رغم أن الإشراف على هذه الأمور سيكون تحت إشراف أمني تقوده الولايات المتحدة في المقام الأول، ولا يزال يحمل صفة الأمم المتحدة، يبقي هذا الهيكل السلطة الفلسطينية مهمشة في انتظار إصلاحات لم تحسم تفاصيلها بعد، كما يستثني فصائل "حماس" المتبقية، التي لا تزال تتمتع بنفوذ في أجزاء من شمال قطاع غزة. ويحذر إريك ألتر من أن استبعاد بعض الفاعلين السياسيين قد يؤدي إلى عدم الاستقرار، ويشبه جوانب من سياسات حكومة الائتلاف الموقتة في العراق ضد حزب البعث، وهي قرارات أسهمت في اندلاع التمرد ولاحقاً في حشد الجماعات المتطرفة في البلاد، كما يمكن أن يعزز هذا الاستبعاد تصورات عدم المساواة.
ولهذا، قد يتعين على مجلس السلام الاستفادة من دروس التاريخ كي يضمن نتيجة أفضل عن النتائج السابقة، التي أدت في كثير من الحالات إلى استدامة التوترات وعدم الاستقرار.