ملخص
سمحت إسرائيل بإدخال القليل من الأصناف إلى غزة بما يساعد في خلق أجواء رمضانية جيدة، ومن ثم أخذت اللقطة الجميلة وروجتها أمام العالم بأن غزة تعافت والمجاعة انتهت وتعيش أجواء جيدة خلال شهر رمضان، بينما الواقع مختلف تماماً.
يتمشى همام في سوق الزاوية الشعبية، إنه واحد من أجمل أسواق قطاع غزة في شهر رمضان، يخطف بصره لمعان فوانيس الزينة المعلقة على أبواب المحال التجارية، وينتبه لرائحة البخور التي تخترق أنفه من دون استئذان، أما بائع الخروب الذي يغني "رمضان جانا وفرحنا معاه" يجعله يقف أمامه يتفقد المشروبات التي يعرضها.
مبهور همام بأجواء رمضان الجميلة في سوق الزاوية العريقة، فكل شيء يبدو طبيعياً هذا العام، زينة وحبال إنارة وفوانيس مضيئة، وبضاعة رمضانية متوافرة في الأسواق، ويقول "العام الماضي كانت الحرب مستعرة في غزة، عشنا رمضان في مجاعة قاسية جداً، هذا العام هناك فرق كبير جداً".
بضائع متوافرة
ويتفقد همام المحال التجارية المشيدة على شكل قباب وأقواس في سوق "الزاوية الهندية" التي يعود تاريخها لآلاف السنين، فقمر الدين متوافر والخروب والكركاديه وحتى عرق السوس، والقطايف والنمورة والبسبوسة وحتى المجففات والمخللات وأصناف متعددة من الشوربات والمكسرات بأنواع مختلفة، أما طعام الوجبة الرمضانية فإن اللحوم الحمراء والدواجن متوافرة.
يمكن لهمام أن يشتري كل ما ينقص في خيمته لمستلزمات رمضان، وعلى عتبة أقدم محل تجاري في سوق الزاوية، وقف يمسك بحبات تمر عنقود يسأل عن سعر الكيلوغرام منها، يجيب البائع الذي لا يبدو مشغولاً بالبيع "10 دولارات، رمضانك خير وبركة".
أسعار مرهقة للجيب
الصورة الجميلة لرمضان هذا العام التي انطبعت في ذهن الرجل بدأت تتغير، فيجيب همام البائع بسؤال آخر "هل يجب أن أدفع 10 دولارات لأطعم صغاري حبات معدودة من التمر، لا أعتقد بأني سأفعل"، وفهم الرجل معنى المثل الشعبي "المظاهر خداعة".
أجرى همام جولة استفسارات عن أسعار السلع في السوق، ويضيف أن "السكر بنحو ثلاثة دولارات، والخروب سعره 10 دولارات، حتى الطحين ارتفع ثمنه لنحو أربعة دولارات، وطبق البيض وصل إلى 30 دولاراً، واللحوم 45 دولاراً، أعتقد بأنني لا أستطيع شراء أي شيء بهذه الأسعار".
ويوضح أن "إسرائيل سمحت بإدخال القليل من الأصناف إلى غزة بما يساعد في خلق أجواء رمضانية جيدة، ومن ثم أخذت اللقطة الجميلة وروجتها أمام العالم بأن غزة تعافت والمجاعة انتهت وتعيش أجواء جيدة خلال شهر رمضان، بينما الواقع مختلف تماماً".
عام أفضل بلا مجاعات
همام موظف سلطة فلسطينية يتقاضى من راتبه ما قيمته 60 في المئة، إذ تخصم وزارة المالية عنهم جزءاً من رواتبهم بسبب الأزمة التي تعانيها الحكومة في رام الله، وعندما تودع أجره في البنك يبقى ما قيمته 1050 دولاراً، وبهذا المبلغ لا يستطيع أن يعيش في غزة إلا 10 أيام فقط.
ويوضح أن المصاريف تزيد كثيراً خلال شهر رمضان، وإذا فكر في مجاراة مستلزمات رمضان فإنه لن يصرف سوى أيام معدودة في الشهر وباقي الوقت سيضطر إلى طلب طعام إفطاره وسحوره، إذ لا تزال الأسعار مرتفعة جداً ولا تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين.
لا ينكر الغزيون أن رمضان هذا العام أفضل بمراحل كبيرة من الموسمين السابقين، فخلال رمضان 2024 عاشوا مجاعة شديدة اضطروا فيها إلى تناول الحشائش الأرضية وطحن علف الحيوانات لصنع الخبز، وفي رمضان 2025 كان القصف وإغلاق المعابر وارتفاع الأسعار ومجاعة مميتة هي ظروفهم.
أما رمضان 2026 فأفضل كثيراً، إذ إن الخبر متوافر إضافة إلى أصناف من الطعام والشراب، وحتى زينة رمضان تلمع في كل منطقة، لكن الأمر الوحيد الذي لم يتغير هو ارتفاع الأسعار بصورة تفوق قدرة الناس على الشراء.
لا مشتريات من الأسواق
تقول صابرين "أدخل السوق وأخرج منها خالية اليدين، بينما ينظر أطفالي إلى ما يعرض من سلع لا أستطيع شراءها، لم تعُد السوق مكاناً للتجهيز لرمضان، بل باتت مكاناً يذكرنا بما لا نستطيع توفيره، الأسواق تعكس بوضوح حجم الأزمة الاقتصادية".
تشتري صابرين أقل الكميات الممكنة من الأساسيات، وتضيف أن "ارتفاع أسعار اللحوم والخضراوات وبعض المواد التموينية، بالتوازي مع انعدام الدخل، أجبرنا على تقليص مشترياتنا إلى الحد الأدنى، فبتنا نستغني عن أصناف اعتدنا عليها في رمضان، مكتفين بما يسد الرمق فقط".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بينما تتحدث صابرين بعيداً من صورة رمضان التي تلتقطها العدسات لأجواء لطيفة، يتدخل عليان رجل نازح متعب يشاركها الحديث، قائلاً "اليوم لا يشغل بالنا سوى متى ستنتهي معاناتنا مع النزوح والعيش داخل المأوى، فهذا ثالث رمضان في الخيمة، نرى زينة في الشوارع لكننا نفتقد جمال طقوس رمضان، قبل الحرب كان قدومه يمنحنا شعوراً بالسعادة".
أزمة غلاء معيشة
علق الأطفال في أحياء غزة فوانيس وزينة رمضان فوق المباني المهدمة والخيام في أول شهر فضيل يحل بعد انتهاء الحرب، وارتفعت فوق الركام الرمادي لوحات كتب عليها "أهلاً وسهلاً" و"شهر رمضان مبارك" وكأنها تعلن بداية فصل مختلف في مدينة أنهكتها الحرب.
وتستعد رنيم لاستقبال شهر رمضان داخل خيمة صغيرة على جانب الطريق وتقول "رمضان قبل الحرب كان جميلاً وكان قدومه يمنحني شعوراً بالسعادة والأمان، مما أفتقده اليوم، العائلة قتلت ولم يعد بإمكانها الاجتماع على مائدة واحدة بسهولة".
وتضيف "يمر شهر رمضان الثالث علينا منذ الحرب ونحن ما زلنا في خضم أزمة قاسية على مستوى المعيشة، صحيح تراجعت حدة القصف وعمليات القتل، لكن الحرب هذه المرة أشد ضراوة اقتصادياً وحياتياً، فجيوب الناس خاوية ولا يجدون ما يسدون به رمق أبنائهم".
ركود تضخمي
بحسب بيانات مركز الإحصاء الفلسطيني فإن 85 في المئة من أسر قطاع غزة تعيش تحت خط الفقر، ونحو 95 في المئة من الأسر تعتمد على المساعدات الغذائية وتقترب من كارثة تجويع في رمضان، وتؤكد رنيم أن ذلك ترجم في الميدان، حيث نشهد غلاء فاحشاً في الأسعار أذهب قدراً غير يسير من فرحة أهل غزة بشهر الصيام.
يقول الباحث الاقتصادي أيمن اصليح "ما تشهده الأسواق في غزة هو نتيجة مباشرة لانهيار المنظومة الاقتصادية بالكامل، الأسواق تعاني حال الركود التضخمي، حيث ترتفع الأسعار نتيجة صعوبة إدخال السلع وارتفاع كلف النقل والإمداد، بالتوازي مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة".
ويضيف اصليح أن "شهر رمضان كان يمثل تقليدياً موسماً يعول عليه التجار لتعويض جزء من خسائرهم خلال العام، إلا أن الواقع الحالي أفرغ الموسم من مضمونه، فالطلب موجود من ناحية الحاجة، لكنه غائب من ناحية القدرة المالية".