ملخص
على رغم نقص الخدمات ونفاد المدخرات المالية، حل الشهر على سكان الخرطوم في أجواء من الفرح، وحفزت الأوضاع المستقرة سكان العاصمة على التلاقي في تجمعات عائلية كبيرة وقت الإفطار، فضلاً عن الأنشطة ذات الطابع الخاص في لياليه.
استقبل السودانيون شهر رمضان هذا العام في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة، وتحول الشهر الفضيل من مناسبة للاحتفال بالعادات والطقوس الاستثنائية، إلى محطة للمعاناة وسط تحديات اقتصادية متفاقمة وأزمات مستمرة، مما جعل المواطنين يعيشون ظروفاً غير مسبوقة في قسوتها، ما بين ارتفاع أسعار السلع الغذائية وانقطاع الكهرباء والماء.
وعلى رغم نقص الخدمات ونفاد المدخرات المالية، حل الشهر على سكان الخرطوم في أجواء من الفرح، وحفزت الأوضاع المستقرة سكان العاصمة على التلاقي في تجمعات عائلية كبيرة وقت الإفطار، فضلاً عن الأنشطة ذات الطابع الخاص في لياليه.
معاناة مستمرة
يأتي رمضان الذي تتضاعف فيه موازنة الأسر، في ظل أوضاع معيشية في غاية السوء والتردي لمعظم السودانيين داخل البلاد وخارجها.
نازك عباس، ربة منزل بمنطقة ود البخيت بأم درمان، تقول إن "غلاء الأسعار دفع عشرات الأسر إلى خيارات شراء مستلزمات محدودة للغاية بسبب نفاد المدخرات المالية وتوقف الأعمال اليومية وعدم صرف الرواتب".
وتضيف أن "استمرار الحرب لفترة طويلة استنزف كل الموارد على قلتها، ومن ثم لا يملك المواطنون أموالاً إضافية لتحضير قوائم شهر رمضان الذي يشهد استهلاكاً متزايداً للسلع الغذائية"، موضحة أن "انقطاعات الكهرباء والماء فرضت واقعاً قاسياً على الأسر في غالبية الأحياء السكنية، وبات المئات يعيشون أزمة معقدة بسبب انعدام الكهرباء والماء".
وتابعت "ليس لدى الصائمين خيار سوى شراء الثلج الذي أصبح سلعة نادرة يصعب الحصول عليها لكثرة الطلب في ظل استمرار هذه الانقطاعات الطويلة، وكذلك فإن توفير كميات كبيرة من الثلج كل يوم عملية مرهقة مادياً في ظل الأزمة الاقتصادية".
غلاء وأزمات
بدوره يشرح محمد الجيلاني، الذي يسكن منطقة شرق النيل في الخرطوم، الوضع قائلاً "لقد تقطعت سبل المواطنين في تأمين الحاجات اليومية من المواد الغذائية بسبب ارتفاع أسعار السلع لأكثر من 300 في المئة، في وقت نفدت المدخرات المالية، فضلاً عن عدم وجود فرص عمل في الوقت الحالي".
وأشار إلى أن "انقطاعات الكهرباء تستمر طوال اليوم، وتعمل لفترة أربع ساعات فقط، وهي لا تكفي لعمل الثلاجات بكفاءة، ومن ثم فإن المعاناة ستكون مضاعفة وبخاصة في بدء ارتفاع درجات الحرارة ومشقة الصيام".
ونوه الجيلاني إلى أن "غالبية أحياء مدينة بحري تعاني موجة من العطش بسبب الشح الحاد في مياه الشرب إثر انقطاع إمدادات المياه عن كثير من المنازل، إضافة إلى محدودية وسائل نقل وتوزيع الماء إلى المناطق التي تعاني الأزمة".
مشكلات معقدة
ويقول عماد زكريا، الذي يسكن مدينة القضارف شرق الخرطوم، إنه "قبل أسبوع من شهر رمضان شهدت أسعار السلع الغذائية موجة جديدة من الارتفاعات الحادة، في ظل تآكل القدرة الشرائية وتواصل الانهيار المتسارع في قيمة الجنيه السوداني، مما فاقم معاناة المواطنين في الحصول على قوائم شهر رمضان".
وأضاف "مع ارتفاع درجات الحرارة لأكثر من 45 درجة، فاجأت شركة توزيع الكهرباء السكان بتطبيق برمجة تمتد من خمس إلى سبع ساعات يومياً، مقسمة على فترتين صباحاً ومساء، مما ضاعف معاناة المواطنين في شهر رمضان".
ولفت زكريا إلى أن "اليوم الأول من رمضان شهد طوابير طويلة للمواطنين أمام نقاط توزيع المياه بسبب تضرر محطات الضخ نتيجة لانقطاع الكهرباء، وجراء هذه الأوضاع اضطرت عشرات الأسر إلى شراء المياه لحل الأزمة".
استعادة الطقوس
على غير العادة خلال الأعوام السابقة حرص معظم سكان العاصمة الخرطوم على الخروج والإفطار في مجموعات بشوارع الأحياء، وكذلك الميادين والساحات تعزيزاً لروح وقيم التراحم والتكافل الاجتماعي، فضلاً عن صلاة التراويح ودروس القرآن الكريم في المساجد، ليستعيد الآلاف موروثاتهم الرمضانية التي افتقدوها منذ سيطرة قوات "الدعم السريع" على الخرطوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي المنحى ذاته، أبدى طارق الريح الذي يسكن منطقة الأزهري في الخرطوم، سعادته بالخروج إلى الشوارع والإفطار في الساحات بعد أكثر من عامين ونصف العام طلباً لأجر إفطار صائم، وتعزيزاً لروح وقيم التراحم والتكافل الاجتماعي".
وبين الريح أن "هذا التقليد الموروث له وقعه الخاص عند سكان العاصمة الخرطوم وولايات البلاد المختلفة، ونحن اليوم خرجنا من المنازل كافة بإفطاراتها التقليدية لتجسيد معاني المساواة والبساطة والعفوية بين المواطنين من دون تكلف، وعلى الطريقة السودانية في (الجود بالموجود)، إذ يخرج كل مواطن بما عنده من إفطار من دون تكليف يزيد على طاقته، وبخاصة في ظل ظروف الحرب الحالية".
استغلال وجشع
على الصعيد نفسه، أشار المواطن السوداني هيثم إدريس، الذي يسكن مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى أن "التجار استغلوا شهر رمضان لرفع الأسعار لأعلى معدل، إلى جانب احتكار البضائع وتخزينها لإحداث ندرة في الأسواق، ومن ثم بيعها بمبالغ خيالية".
وأضاف إدريس "لا ندري ماذا سيحدث في ظل نفاد المدخرات المالية، ومضاعفة الأسعار، خصوصاً البصل والسكر والدقيق والرز والعدس والزيوت، وهي من القوائم الرئيسة في شهر رمضان الذي يشهد استهلاكاً متزايداً للمواد الغذائية".
وتابع "سجلت أسعار السلع الأساسية ارتفاعات لافتة خلال الأيام الماضية، فقد ارتفع سعر جوال السكر إلى ما يعادل نحو 241 دولاراً أميركياً، بينما صعد جوال الدقيق إلى نحو 250 دولاراً، وجوال العدس إلى نحو 116 دولاراً".
أوضاع النازحين
في مراكز الإيواء بولاية النيل الأبيض جنوب الخرطوم استقبل آلاف النازحين الآتين من ولايتي غرب وجنوب كردفان شهر رمضان للمرة الأولى بعيداً من منازلهم، وسط ظروف إنسانية قاسية وغياب للطقوس والتقاليد الرمضانية التي اعتادوا عليها كل عام، فضلاً عن صعوبة تأمين الغذاء والمستلزمات الضرورية.
محمد أحمد بشارة، الذي نزح من مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان، قال إن "النازحين يعتمدون بصورة رئيسة على ما تبقى لهم من مدخرات شحيحة، فضلاً عن السلال الغذائية التي يقوم بتوزيعها المتطوعون والخيرون وسكان مدينة كوستي، علاوة على الإفطارات التي ينظمها المواطنون القاطنون قرب مراكز الإيواء".
ونوه بشارة إلى أن "كثيراً من النازحين يقعون تحت خط الفقر ولا يستطيعون تأمين مستلزمات رمضان، مما فاقم المعاناة بدرجة يصعب تحملها"، موضحاً أنه "يشعر بالوحدة بعيداً من أسرته، بعدما افترقت بهم السبل عقب تمدد رقعة الحرب إلى ولايات كردفان".
تداعيات الحرب
على نحو متصل، أوضح المتخصص في الشأن الاقتصادي محمد سعيد الطاهر أن "الحرب وما سببته من أزمات وأوضاع إنسانية معقدة وارتفاع لأسعار السلع الاستهلاكية، وكذلك مشكلات انقطاع الكهرباء والماء، عوامل تجعل رمضان هذا العام أكثر تعاسة بالنسبة إلى السودانيين داخل البلاد".
ولفت الطاهر إلى أن "كثيراً من الأسر غير قادرة على تلبية حاجات شهر رمضان بفعل التداعيات السلبية للصراع المسلح وتزايد معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي"، مردفاً "استهلاك السودانيين لبعض الأصناف الغذائية يزداد في رمضان، خصوصاً التي ترتبط بالأطباق التقليدية لا سيما الذرة وحبوب الدخن واللحوم التي سجلت ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، في وقت لا يملك الآلاف الأموال لشراء الحاجات اليومية".
ونوه إلى أن "توقف الأعمال اليومية وعدم صرف الرواتب أسهما في تدني مستوى المعيشة، فضلاً عن إفراز مشكلات اقتصادية واجتماعية، وبخاصة في مناطق النزاع المسلح النشطة بكردفان ودارفور".