Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القمة الأفريقية وحلم "إسكات البنادق" المؤجل

الهدف المراد تحقيقه بحلول عام 2030 يتطلب إرادة سياسية قوية لكن برامجه لا تزال تراوح مكانها

حفلت القمة الـ39 بطرح كثير من الخطط ضمن الطموح الأفريقي الذي لا يزال يراوح مكانه في أهم القضايا وهي السلام (أ ف ب)

ملخص

جدد القادة الأفارقة التزامهم الكامل مبادرة "إسكات البنادق" باعتبارها أولوية استراتيجية لتحقيق السلام والاستقرار في القارة السمراء لكن نجاحهم مرهون بتحويل الالتزام السياسي إلى آليات تنفيذ ملزمة وممولة ذاتياً.  

بعد أكثر من عقد على إقرارها، تجدد الحديث عن مصير مبادرة "إسكات البنادق" التي أقرها الاتحاد الأفريقي خلال عام 2013، لكن ثبت الإخفاق في تحقيق هدفها الرئيس بإنهاء جميع النزاعات في أفريقيا بحلول عام 2030 بدلاً من عام 2020؟

لكن خلال الدورة الـ39 لقمة الاتحاد الأفريقي، التي ترأستها بوروندي، اعتلت المبادرة مجدداً واجبات الدورة الحالية في إشارة إلى ما يمثله السلام كبناء أساس لأي طموح أفريقي، فهل تفلح القيادة الأفريقية الجديدة للاتحاد في إسكات فعلي للبنادق في القارة وما الأولويات السابقة لتحقيق ذلك؟

حفلت القمة الـ39 بطرح كثير من الخطط والبرامج ضمن الطموح الأفريقي الذي لا يزال يراوح مكانه في أهم القضايا وهي السلام، إذ أورثت دورة المفوضية السابقة كثيراً من البرامج والمخططات لخليفتها الجديدة تحت قيادة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف. وكانت تلك الأجندة شغلت دورات سابقة من دون إنجاز شيء ملموس منها، فمنذ عام 2013 كان تبني مبادرة إسكات البنادق التي جاءت مصاحبة للذكرى الـ50 للاتحاد الأفريقي في مايو (أيار) 2013، بهدف وضع حد للنزاعات المسلحة.

وفي ختام أعمال الدورة العادية الأخيرة لمؤتمر الاتحاد الأفريقي التي عقدت في أديس أبابا يومي الـ14 والـ15 من فبراير (شباط) الجاري، جدد القادة الأفارقة التزامهم الكامل مبادرة "إسكات البنادق" باعتبارها أولوية استراتيجية لتحقيق السلام والاستقرار في القارة.

وأكد البيان الختامي للقمة أن استمرار النزاعات المسلحة في عدد من مناطق أفريقيا يمثل عائقاً رئيساً أمام التنمية والتكامل الإقليمي، مشدداً على ضرورة تكثيف الجهود الجماعية لمنع اندلاع الصراعات وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، كذلك دعا القادة إلى تعزيز آليات الإنذار المبكر، ودعم الوساطات السياسية، وتمكين حلول أفريقية لمشكلات القارة.

إسكات للبنادق ومستجدات نزاعات

يجيء تكرار الحديث عن "مبادرة إسكات البنادق" التي كان الاتحاد الأفريقي حدد إنهاء النزاعات المسلحة خلال عام 2020 بعد مد الفترة إلى عام 2030 في ظل عوائق لا تزال ماثلة، بل مستجدات لنزاعات طرأت في الفترة ذاتها كحرب السودان، مما يؤكد تسابقاً بين تحقيق المبادرة واشتعال مزيد من الصراعات وهو ما يمثل قصوراً في الأدوات المرتبطة بالمبادرة.

وكان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف أشار في ختام القمة إلى أن هدف إسكات البنادق بحلول عام 2030 يتطلب إرادة سياسية قوية، وتعاوناً أوثق بين الدول الأعضاء، إضافة إلى شراكات فعالة مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وجرى تأكيد أهمية معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، بما في ذلك الفقر، وضعف الحكم الرشيد، والتدخلات الخارجية، وانتشار السلاح غير المشروع.

 

وشددت القمة على ضرورة إيلاء اهتمام خاص ببؤر التوتر في القارة، بما في ذلك منطقة الساحل والقرن الأفريقي والسودان وشرق الكونغو الديمقراطية، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار في مناطق النزاع وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

واختتم القادة بتأكيد أن "إسكات البنادق" ليس مجرد شعار سياسي، بل مسار عملي يرتبط مباشرة بتحقيق أجندة التنمية القارية، وترسيخ السلم الدائم، وبناء أفريقيا مستقرة ومزدهرة لشعوبها.

أحد أهداف الخطة العشرية

 يقول الباحث في الشأن الأفريقي عبدالعزيز أبو بكر، إن "مبادرة إسكات البنادق هي أحد أهداف الخطة العشرية لأجندة عام 2063 للاتحاد الأفريقي، وتهدف إلى جعل أفريقيا سالمة آمنة، وذلك من طريق إنهاء جميع الحروب والنزاعات الأهلية، والقضاء على ممارسات العنف القائم بسبب العرق أو الجنس أو اللون، ومنع جرائم الإبادة الجماعية".

ويرى أبو بكر أن "هذه الأهداف تتحقق من خلال تعزيز الحكم الرشيد والمساءلة والشفافية، وتعزيز آليات ضمان السلم والمصالحة على جميع المستويات، فضلاً عن التصدي للتهديدات الناشئة والمحدقة بالسلم والأمن الأفريقيين، ووضع الاستراتيجيات اللازمة لتمكين القارة من تمويل شؤونها الأمنية".

ويشير إلى أن هذه المبادرة تأتي ضمن 15 مشروعاً رئيساً في أجندة عام 2063، التي جرى تحديدها على أنها مفاتيح لتسريع النمو الاقتصادي والتنمية في أفريقيا، وكذلك تعزيز الهوية المشتركة من خلال الاحتفال بالتاريخ والثقافة. وتشمل المشاريع البنية التحتية والتعليم والعلوم والتكنولوجيا والفنون والثقافة، ومبادرات لتأمين السلام في القارة."

إرادة سياسية أفريقية

في الوقت نفسه تشير الأكاديمية المتخصصة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي، إلى دعوة "وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي خلال ترأسه جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي الوزارية في الـ12 من فبراير الجاري، الدول الأعضاء وجميع الشركاء إلى مواصلة دعم جهود (إسكات البنادق) بحلول عام 2030، مما يؤكد ضرورة السلام كأحد الأولويات الملحة، إذ عجزت جهود الاتحاد الأفريقي عن كبح العنف في عدة بؤر توتر بالقارة، من شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية والساحل الغربي والصومال والسودان، إلى فشلها في منع التغييرات غير الدستورية في غرب القارة، مما دفعها مراراً إلى الاستعانة بوساطات إقليمية لمحاولة إحلال السلام."

وتضيف مرعي "الواقع أن تراجع دور الاتحاد الأفريقي في معالجة جذور الأزمات وأبرزها الحرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية أفسح المجال لقوى غربية للاستثمار دبلوماسياً واقتصادياً فيها، إذ على رغم مضي أكثر من عام على بدء الهجوم على جوما من طرف متمردي ’أم 23‘ لم يتواصل القادة الإقليميون إلا أخيراً مع كينشاسا وكيغالي."

 

وتقول أيضاً "يتزامن كل هذا مع ما يواجهه الاتحاد الأفريقي، الذي أنشئ بهدف تعزيز وحدة وتضامن دول القارة، من أزمة شرعية بين شباب القارة بعد فشله في تلبية تطلعاتهم، إذ تواجه الدول انقلابات عسكرية، وانتخابات متنازعاً عليها، واحتجاجات ناجمة عن معاناة تفاقمت بسبب خفض المساعدات الخارجية، إلى جانب محاولات بعض الدول تسخير آلياته لمصالح قاصرة، أو لا تخلو من كيدية".

لكن الأكاديمية المتخصصة في الشؤون الأفريقية ترى في الوقت نفسه "أن هناك إرادة سياسية أفريقية لتحقيق السلام المستدام، وهو ما يتطلب رؤية شاملة تعالج جذور النزاعات من خلال الربط الوثيق بين السلم والأمن والتنمية، عبر الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة وتمكين الشباب والمرأة اقتصادياً واجتماعياً، مع ضرورة معالجة الأسباب الجذرية لظاهرة الهجرة غير الشرعية، وفي مقدمها الفقر والبطالة والنزاعات وتداعيات تغير المناخ، من خلال استثمارات طويلة الأمد في التنمية البشرية وتعزيز صمود المجتمعات المحلية".

صعوبات جوهرية

في المقابل يرجع المتخصص في العلاقات الدولية محمد حسب الرسول، "عدم تحقيق تقدم ملموس في مبادرة ’إسكات البنادق‘ إلى ما واجهه الاتحاد الأفريقي من صعوبات جوهرية في مقدمها تعدد بؤر النزاع وتعقدها وتشابكها مع الإرهاب العابر للحدود والصراعات الأهلية الهشة، إلى جانب ضعف الإرادة السياسية لدى بعض الدول الأعضاء وتباين مصالحها، مما أضعف الالتزام الجماعي بقرارات الاتحاد، خصوصاً في ما يتعلق بالانقلابات والتغييرات غير الدستورية"، ويتابع "كما أسهمت محدودية التمويل الذاتي والاعتماد على الشركاء الخارجيين في تقليص استقلالية القرار وسرعة الاستجابة، في ظل أن هشاشة مؤسسات الدولة في عدد من البلدان وانتشار السلاح غير المشروع، ويضاف إلى ذلك ضعف الإرادة السياسية للاتحاد ذاته وتزايد استجابته للمؤثرات والضغوط الخارجية، إذ إن كثيراً من النزاعات في الأقطار الأفريقية تحركها قوى دولية تمارس نفوذاً مباشراً أو غير مباشر على مساراتها، بما يقيد قدرة الاتحاد على بلورة حلول أفريقية خالصة ومستقلة".

ويرى أن "نجاح القيادة الجديدة في الاتحاد الأفريقي مرهون بتحويل الالتزام السياسي إلى آليات تنفيذ ملزمة وممولة ذاتياً، فالأولويات تبدأ بمعالجة الأسباب الجذرية للنزاعات كشفافية الإرادة ومعالجة الهشاشة والفقر وتهميش الشباب، وتعزيز قدرات مجلس السلم والأمن، وفرض مواقف صارمة من الانقلابات، كذلك يتطلب الأمر تمويلاً مستداماً لعمليات السلام وتنسيقاً فعالاً مع التجمعات الإقليمية والأمم المتحدة".

التدخلات الخارجية

في رؤية الكاتب في شؤون القرن الأفريقي فرحان حرسي لتحقيق سلام شامل يعم أركان القارة، يقول "ظلت مبادرة إسكات البنادق حلماً يتجدد مع انعقاد كل دورة رئاسية للاتحاد الأفريقي، ولتحقيقها لا بد من العمل على محاربة الإرهاب وظاهرته الممثلة في المجموعات المتطرفة المنتشرة في أنحاء القارة من غربها إلى شرقها ووسطها، ولا بد من سعي موحد إلى إنهاء هذه الظاهرة وجعل الأولوية القصوى أفريقيا خالية من الإرهاب".

ويمضي في حديثه "المجموعات الإرهابية التي تنطلق من الدول الهشة تسببت في سقوط ضحايا كثر من المدنيين ورجال الأمن، وتؤدي إلى انهيار اقتصادي ووقف عجلة التنمية وعدم تدفق الاستثمارات الأجنبية بتلك المناطق المنكوبة بالإرهاب، كذلك لإنهاء هذه الظاهرة السالبة لا بد من تكوين قوة استجابة سريعة كالقوات الأفريقية في الصومال بالتعاون مع الدول ذات الشأن في محاربة الإرهاب".

 

ويوضح أنه "على رغم أن الاتحاد الأفريقي اتخذ خطوات ملموسة في عدم شرعنة الوصول إلى السلطة عبر الانقلابات تزداد وتيرة هذه الظاهرة في مناطق في غرب أفريقيا. بات الوصول إلى السلطة عبر فوهة البنادق يغري كثيراً من الضباط العسكريين الشباب في القارة، وأصبحوا خطراً على ترسيخ الديمقراطية، وإجراء الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وتحقيقاً لإسكات البنادق لا بد من إجماع أفريقي على عدم التعامل مع أي مجموعة تعتلي السلطة على ظهر دبابة، وجعلها منبوذة حتى تعيد السلطة التي اغتصبتها إلى الشعب".

ويقول "ينبغي حل النزاعات الأفريقية سواء كانت هذه النزاعات بين دول القارة قائمة على الحدود السياسية أو غير ذلك، ولا بد من حلها عبر مجلس الأمن والسلم الأفريقي أو لجنة الحكماء المنبثقة عن المجلس قبل أن تستفحل وتتطور إلى استخدام البنادق كحل أخير بين الأشقاء الأفارقة. وينبغي العمل على حل النزاعات الإثنية بين شعوب القارة، ودراسة مشكلات الجماعات التي قد تندلع بينها نزاعات ومعالجة مغذيات هذه المشكلات قبل أن تكون باباً للفتنة".

ويختم حديثه بالقول "الموروث الأفريقي غني بحل النزاعات، كذلك فإن الموروث الديني يراعي السلم الاجتماعي، وعلى الاتحاد الأفريقي هنا وضع سياسة فض النزاعات مستعيناً بمتخصصيه وحكمائه وموروثه الشعبي والديني، وهو ما يغنيه عن التدخلات الخارجية التي في غالبها هي من وضع بذرة الخلاف وتسبب في بؤر النزاع".

ما إنجازات الاتحاد؟

يرى الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية يوسف ريحان أن "تحديات جمة تواجه الاتحاد الأفريقي في الصحة والتعليم والبنى التحتية والنظام السياسي، وهي قارة تعد في مقدم القارات التي تشهد هجرة جماعية إلى عوالم أخرى أفضل هرباً من الفقر والمرض وعدم الاستقرار. ومشكلتها الكبرى تتمثل في أنظمتها السياسية غير المستقرة باستثناء حالات قليلة تتمتع فيها بعض الدول باستقرار نسبي، إذ ما زالت الانقلابات العسكرية والاختلافات السياسية العميقة تسيطر علي المشهد"، وتابع "عجزت أنظمة الدول عن معالجة جوهر المشكلات سواء المتعلقة بتداول السلطة أو التنمية المتوازنة أو توزيع الثروة أو مشكلات الهوية في مجتمعات متنوعة ومتعددة تقود كلها بالضرورة إلى نتيجة واحدة وهي تدوير الأزمات والمشكلات والعجز عن إيجاد حلول تنهي كل هذه المشكلات سواء بالحكمة المفترض توفرها أو من خلال التجارب الإنسانية التي أضحى جزء منها نموذجاً يمكن الاقتداء به والبناء عليه"، ويضيف "دورات الاتحاد الأفريقي المتعاقبة حتى الدورة الـ39 الجارية من المفترض أن تكون المرآة التي يجد فيها كل أفريقي نفسه، فهي إلى جانب كونها تناقش مشكلاتنا المتشابهة إلى حد كبير فهي منوط بها أيضاً أن تجد الحلول ولو بصورة تدريجية لكثير من المشكلات التي يمكن أن تكون مفاتيح حلول لأزمات عدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستشهد بالحرب في السودان التي ستدخل عامها الرابع في أبريل (نيسان) المقبل "يبدو الاتحاد الأفريقي في ذيل القائمة التي تشمل منظمات إقليمية ودولية ودول أخرى بغض النظر عن تصنيفنا لشكل مساهمتها إيجاباً أو سلباً في حل تلك الأزمة كالآلية الرباعية (أميركا والسعودية ومصر والإمارات) أو قطر أو تركيا التي نشهد لها تحركات محمومة في الملف السوداني على عكس الاتحاد الأفريقي."

 ويضرب مثالاً آخر "أين الاتحاد الأفريقي من ملف سد النهضة؟ وأين هو من الخلاف الدائر الآن بين إثيوبيا وإريتريا الذي يمكن أن يتحول إلى حرب في أي وقت. نحن لا نريد للاتحاد الأفريقي أن تكون كل قمة سانحة لسياحة الرؤساء والوفود الرسمية وتغيير الأجواء والتقاط الصور ثم ينفضون والبنادق تشعل النيران في كل مكان والنزوح والهجرة تزداد يوماً بعد آخر".

ويختم حديثه بقوله "يستطيع الاتحاد الأفريقي من خلال فعاليات القمة الـ39 والتزامه العمل الجاد وترتيب الأولويات واستقلالية القرار وتوحيد الجهود الأفريقية وتطبيق أسس الحكم الرشيد في وضع السياسات ومتابعة التنفيذ خلال الدورة الحالية، ويمكن أن تكتب في التاريخ بحروف من ذهب إذا نجحت في وقف حرب السودان والتهدئة في إثيوبيا وتقريب وجهات النظر بين إريتريا وإثيوبيا، وبين مصر وإثيوبيا بما يسهم في إحلال السلام ووضع لبنات قوية للاستقرار في المنطقة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير