ملخص
كشفت عمليات الترحيل القسري من الفضاء الأوروبي التي استهدفت التونسيين عن سياسات الاتحاد الأوروبي في إدارة ملف الهجرة بخاصة مع الدول التي وقع معها اتفاقات تعاون، وبينما تتكتم السلطات رسمياً، ولا تنشر إحصاءات رسمية حول أعداد المرحلين، تتحدث منظمات حقوقية عن ترحيل نحو 160 تونسياً أسبوعياً في رحلات محفوفة بالإكراه والعنف وتقييد اليدين وتقديم مهدئات للسيطرة على المرحلين.
ارتفع نسق الترحيل القسري لعشرات المهاجرين التونسيين من الفضاء الأوروبي إثر توقيع تونس مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي برعاية إيطاليا. وفي ظل غياب أرقام رسمية في شأن عدد التونسيين المرحلين قسراً، تطرح تساؤلات عدة حول ظروف الترحيل وأسبابه، ومدى توفر الضمانات القانونية والحقوقية للمرحلين.
كشفت شهادات المهاجرين التونسيين المرحلين من إيطاليا وفرنسا وألمانيا واقعاً قاسياً عاشه هؤلاء، وكسرت هذه الشهادات حاجز الصمت إزاء السياسات الأوروبية في التعاطي مع المهاجرين التونسيين الواصلين إلى الفضاء الأوروبي بصورة غير نظامية، ويواجه المهاجرون التونسيون المرحلون قسراً محنة مزدوجة عند ترحيلهم، تتمثل بالعودة بيد فارغة، والوصم الاجتماعي وصعوبة إيجاد عمل في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها تونس.
تقييد لليدين والساقين
سليم الشهباني، شاب تونسي، غادر البلاد ووصل إلى إيطاليا في رحلة بحرية غير نظامية عام 2014، ثم استقر، أعواماً، في فرنسا، قال "كان الوضع صعباً جداً، التنقل للبحث عن عمل من دون وثائق رسمية رحلة يومية شاقة، كنت أعمل فقط لأسبوع أو بضعة أيام في الشهر من أجل توفير قوت يومي، كنت أنام في السيارات المهجورة، وفي أفنية البنايات القديمة، والملاحقة الأمنية كانت كابوساً يلاحقني وسائر المهاجرين غير النظاميين، ويرفض أصحاب العمل تشغيلنا لأننا مهاجرون ومن دون وثائق إقامة"، وأضاف سليم "بقيت على هذه الحال ستة أعوام، ثم إثر حملة أمنية كبيرة تم القبض عليَّ وترحيلي إلى تونس، واليوم أنا بصدد البحث عن فرصة ثانية للهجرة السرية".
وتحدث عن ظروف إقامته في مركز الاحتجاز قبل ترحيله "كنت من بين مئات المحتجزين التونسيين ومن جنسيات عدة أخرى، المعاملة كانت قاسية بخاصة تجاه التونسيين، لم أتمكن من التواصل مع عائلتي، كنا نتعرض لممارسات عنصرية، كذلك لم أتمكن من الاتصال بأصدقائي لتوفير بعض المال من أجل السجائر أو توفير ما يلزمني، الأكل الذي يقدمونه لنا ليس حلالاً، كنا نتضور جوعاً". وشدد على أن الأمنيين والمشرفين على مركز الاحتجاز يعاملون التونسيين بازدراء شديد، لافتاً إلى أن "دولتنا لا تعير أي اهتمام لحالنا، بينما تتعاون سفارات وقنصليات جنسيات أخرى بصورة مختلفة مع مهاجريها"، وتابع "قبل الترحيل، جرى تقييد يدي وساقي، ووضعت كمامة على فمي لمنعي من الكلام أو الصراخ، ثم نقلت إلى مؤخرة الطائرة برفقة عوني أمن يحملان الجنسية الفرنسية، وعند وصولي إلى المطار في تونس، تم اقتيادي مباشرة إلى إدارة الحدود والأجانب، حيث أوقفت وخضعت للتحري ساعات طويلة من دون طعام أو شراب، وبعد التثبت من عدم وجود أي تتبعات قضائية في حقي، تم إطلاق سراحي".
سأعود يوماً ما إلى أوروبا
تعتبر الهجرة حلم معظم الشباب في عدد من المناطق في تونس، بخاصة في الأحياء الشعبية، حيث تنتشر البطالة، وعادة ما ينظر إليها باعتبارها المخرج الوحيد من التهميش، بينما ينظر إلى عودة شاب مرحل نظرة لوم وسخرية أحياناً، ويختزل الإخفاق في أنه عجز شخصي يتحمله المهاجر، وليس نتيجة سياسات هجرية صارمة تنهي حلم المهاجر بترحيله قسراً مكبل اليدين والرجلين، لذلك بدأت رحلة سليم الجديدة عند عودته إلى أرض الوطن "المجتمع هنا لا يرحم، ينظرون إليَّ على أساس أنني فوتّ فرصة الإقامة في أوروبا، الترحيل وصم اجتماعي مقيت، والنظرة المريبة أراها يومياً في عيون كل من يحيط بي في الحي ومن الأقارب، وأحياناً يتم رجمي بالغيب (تكهن) على افتراض أنني قد ارتكبت جرماً أو لم أحسن استغلال فرصة وجودي في أوروبا، الناس هنا لا يعرفون حقيقة ما يعانيه المهاجرون التونسيون بطريقة سرية إلى أوروبا، لا أحد يرحمك في هذا المجتمع القاسي"، وتابع "أعود إلى تونس إلى النقطة الصفر، مرحلاً، لكن سأعود يوماً ما إلى أوروبا، أفضل أن أعيش هناك عاطلاً عن العمل ومطارداً، أفضل من أن أشتغل وأستقر في تونس".
ويعاني عدد من المرحلين قسراً من أوروبا إلى تونس حالات اكتئاب وقلق، وفقدان الثقة بالنفس لدى البعض، نتيجة تقاطع صدمة العودة مع الإقصاء الاجتماعي.
انتهاك حقوق وكرامة المهاجرين
حال سليم لا تختلف عن حال عشرات التونسيين الذين تم ترحيلهم منذ أعوام، وتحمل منظمات حقوقية في تونس المسؤولية إلى السياسات الأوروبية التي تنتهك حقوق وكرامة المهاجرين التونسيين، بالتعاون التام من السلطات التونسية استناداً إلى اتفاقات وتفاهمات يصفونها بغير العادلة التي لا تحترم القوانين والاتفاقات الدولية والقوانين الإنسانية.
وتعتمد سياسة الاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة غير النظامية على مقاربات "تصدير الحدود"، و"نظام الصد بالوكالة"، وإلقاء عبء هذه الظاهرة على دول الجوار الأوروبي ودول العبور، وتعتبر اتفاقات إعادة القبول جزءاً من تلك السياسات الأوروبية التي تتيح لأوروبا طرد الزائد على حاجتها من المهاجرين إلى دول المنشأ أو دول العبور.
وقد وقعت تونس أولى الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي، التي تتضمن بنوداً حول ما يسمى إعادة القبول، في السادس من أغسطس (آب) 1998، وهي التي أسست لمرحلة لاحقة من التعاون والتنسيق في مجال الترحيل القسري والجماعي للمهاجرين التونسيين، وبينما لا تعلن السلطات الرسمية أرقاماً دقيقة حول عدد المهاجرين التونسيين الذين تم ترحيلهم فإن المؤشرات تتحدث عن ترحيل 160 مهاجراً أسبوعياً، ويتعرض المهاجرون التونسيون الذين يتم ترحيلهم إلى تحقيقات أمنية عند وصولهم إلى البلاد.
فرز على الهوية
ويدعو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى إيقاف عمليات التهجير القسري للمهاجرين التونسيين، وتقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للمتضررين منها.
ورأى الناطق الرسمي باسم المنتدى رمضان بن عمر أن "اتفاق 2011 بين تونس وإيطاليا فعل آليات الإعادة القسرية للتونسيين عبر رحلات مباشرة بين البلدين، بينما تضاعف عدد المرحلين حسب تطور عدد الواصلين إلى الفضاء الأوروبي"، وأشار بن عمر إلى أن "المهاجرين التونسيين يتعرضون لممارسات خاصة، وكأنه فرز على الهوية، مصحوبة بكثير من الانتهاكات"، ولفت إلى أن "السلطات التونسية تساعد نظيرتها الأوروبية، وتتعهد بالتعرف إلى هويات المهاجرين بطريقة أسرع بمقتضى الاتفاقات الممضاة أخيراً، فبمجرد وضع البصمة لدى السلطات الإيطالية، يتم التعرف إلى هوية المهاجر، بينما كان التونسيون قبل ذلك، يقدمون هويات مزيفة للإفلات من الملاحقات الأمنية، والترحيل القسري، وهو ما بات صعباً اليوم، مما عقد وضعية المهاجرين التونسيين غير النظاميين"، واعتبر بن عمر أن المهاجر التونسي عندما يصل إلى لمبيدوزا (جزيرة إيطالية) "لا يتم تعريفه بحقوقه، بلغة مناسبة ومفهومة، وفق القوانين، كما يتم حجزه في ظروف سيئة جداً، وتقدم إليه أكلات لا تحترم الشروط الصحية"، وأشار إلى "سياسة التعتيم التي تنتهجها أوروبا إزاء عمليات الترحيل التي ترافقها ممارسات عنيفة وإساءة لإجبار المرحلين على الصعود إلى الطائرة، وإعطائهم أكلات فيها نوع من المهدئات تجعلهم في حال خمول من أجل السيطرة عليهم، لتفادي ردود فعل عنيفة من قبلهم، ويتم الترحيل بمرافقة أمنية بمعدل عنصري أمن لكل مرحل، إذ يرافقانه إلى الأراضي التونسية، حيث يتم تسليمه إلى الأمن".
واستحضر بن عمر ما حدث في عدد من مراكز الترحيل في أوروبا من "محاولات انتحار عدد من المهاجرين التونسيين الذين يرفضون العودة، وتقدم عدد منهم إلى القضاء، إلا أنهم لا يتلقون الدعم من السلطات التونسية"، واصفاً ما يحدث بمثابة "عملية مقايضة بين تونس والسلطات الأوروبية: الغطاء السياسي الأوروبي، مقابل تنفيذ سياسات الهجرة الأوروبية، وتقديم الدعم اللوجيستي للحرس البحري التونسي".
يذكر أن الاتحاد الأوروبي أبرم شراكة مع تونس في منتصف عام 2023، تنص على تقديم مساعدات مالية بقيمة 150 مليون يورو (نحو 176733750 دولاراً أميركياً) ومنح بقيمة 105 ملايين يورو (نحو 124662225 دولاراً)، لمساعدة البلاد على مكافحة الهجرة السرية، وأدت هذه المساعدات إلى زيادة عمليات اعتراض قوارب المهاجرين خلال العامين الماضيين، مما أسهم في انخفاض كبير في أعداد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى إيطاليا، إذ تراجع منسوب تدفق الهجرة غير النظامية بنسبة 63 في المئة، وفق بيانات أعلنتها وزارة الداخلية الإيطالية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التونسيون من أكثر الجنسيات عرضة للترحيل
من جهته، اعتبر النائب السابق في مجلس نواب الشعب التونسي مجدي الكرباعي، والناشط المدني المقيم في إيطاليا، والمتابع لملف الهجرة غير النظامية للتونسيين، في تصريح خاص، أن "عمليات الإبعاد تتم عادة في إطار ما يعرف بإجراءات الإعادة القسرية، بعد صدور قرار إداري بالطرد في حق الشخص الذي يعتبر في وضعية إقامة غير نظامية، ويحتجز كثر من التونسيين، فترات، داخل مراكز الاحتجاز الإداري، وهي مراكز مخصصة لاحتجاز الأجانب في انتظار ترحيلهم، إثر ذلك، يتم نقلهم في رحلات جوية خاصة أو تجارية نحو تونس، في إطار اتفاقات ثنائية بين البلدين، وتستند هذه الإجراءات إلى ما ينظمه القانون الإيطالي المنسجم مع توجيهات الاتحاد الأوروبي في شأن العودة، بخاصة ما يعرف بتوجيه العودة الذي يحدد معايير الإبعاد وضماناته القانونية."
أضاف الكرباعي "من الناحية القانونية، يفترض أن تشمل كل من صدرت في حقه قرارات إبعاد، إلا أنه عملياً يعتبر التونسيون من أكثر الجنسيات عرضة للترحيل السريع، مقارنة بجنسيات أخرى، نظراً إلى وجود اتفاق تعاون ثنائي يسهل التعرف إلى الهوية، وإصدار وثائق السفر، لذلك يمكن القول إن التطبيق يحمل طابعاً انتقائياً، حتى وإن لم يعلن كذلك بصورة رسمية".
وبخصوص تعرض عدد من التونسيين المرحلين قسراً إلى العنف في مراكز الاحتجاز، قال النائب السابق "وردت شهادات عدة من مرحلين أفادوا بتعرضهم لضغوط نفسية، واحتجاز مطول في مراكز الاحتجاز، وأحياناً يتم استعمال القوة أثناء التنفيذ، خصوصاً عند رفض الصعود إلى الطائرة"، لافتاً إلى وجود حالات وفاة وتعذيب حسب بعض الشهادات من المرحلين.
يذكر أن تقارير منظمات حقوقية إيطالية ودولية، وثقت في مناسبات مختلفة وضعيات صعبة داخل مراكز الاحتجاز، بما في ذلك الاكتظاظ ونقص الخدمات الأساسية.
وخلص النائب السابق إلى أن "السلطات التونسية تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية في ضمان احترام كرامة مواطنيها أثناء عمليات الترحيل. من حق الدولة أن تتعاون في مسائل الهجرة، لكن ليس على حساب حقوق الأفراد"، داعياً إلى مزيد من الشفافية في الاتفاقات الثنائية، وضمان حضور رقابة قنصلية أو أي جهة حقوقية وقانونية أثناء الإجراءات، للتأكد أن كل عملية ترحيل تحترم الضمانات القانونية والإنسانية، ولفت إلى "اعتبار الترحيل القسري إجراء استثنائياً، يجب أن يمارس في أضيق الحدود، مع احترام حقوق الإنسان التي أكدتها المواثيق الدولية".
نفي تونسي
وعلى رغم الجدل الحقوقي حول ظروف الترحيل القسري للتونسيين، نفى رئيس الجمهورية قيس سعيد أن يكون قد أبرم اتفاقاً مع أوروبا لترحيل المهاجرين التونسيين غير النظاميين خلال توليه الرئاسة، وأشار سعيد، في كلمة له خلال موكب إحياء الذكرى الـ25 لوفاة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، في السادس من أبريل (نيسان) 2025، إلى أنه تم إبرام اتفاقين في عامي 2008 و2011 من قبل من اختار أن يأخذ بإملاءات عدد من الجهات الأجنبية وفق قوله، مضيفاً أن من يتحدثون عن وثيقة تم إبرامها في علاقة بترحيل التونسيين "مرضى" ويعتقدون أنهم سيخدعون التونسيين.