ملخص
إسرائيل في أفريقيا، هي قصة الجغرافيا والديموغرافيا، الاقتصاد والسياسة، المناورة والمؤامرة، ولعله باختصار غير مخل، يمكننا في مفتتح هذه القراءة الإشارة إلى ما جاء في ورقة بحثية صدرت في نوفمبر الماضي، عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، في إشارة إلى المتمردين اليمنيين المدعومين من إيران، وكيف أن "تل أبيب تحتاج إلى حلفاء في منطقة البحر الأحمر لأسباب استراتيجية عديدة، من بينها إمكانية شن حملة مستقبلية ضد الحوثيين".
في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، قررت إسرائيل الاعتراف بما يسمى دولة أرض الصومال "صوماليلاند"، ذات الطبيعة الانفصالية، كدولة مستقلة، الأمر الذي أثار إدانة من العديد من الدول العربية والإسلامية من جهة، ورفض من الاتحاد الأفريقي من جهة أخرى.
ولعله كان من المثير أن الاتحاد الأوروبي حث إسرائيل على احترام وحدة الصومال، وعدم تشجيع مثل تلك الحركات الانفصالية، فيما انضمت الصين إلى جوقة المعارضة، إذ صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان للصحافيين قائلاً "لا ينبغي لأي دولة أن تشجع أو تدعم القوى الانفصالية الداخلية للدول الأخرى من أجل مصالحها الأنانية".
هل جاء هذا الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال الانفصالية، ليفتح من جديد أبواب الحديث عن العلاقات الإسرائيلية- الأفريقية، إذ إن العديد من الأسئلة المثيرة للقلق من جانب، وللشكوك من جانب آخر، قائمة وقادمة منذ وقت طويل؟
مؤكد أن ذلك كذلك، لا سيما في ضوء مستجدات تجاوزت العلاقات القديمة بين الطرفين الإسرائيلي والأفريقي، إذ كانت تلك القارة ضمن الأماكن المرشحة لقيام دولة إسرائيل على أراضيها قبل إعلان قيامها عام 1948.
أما المستجدات فموصولة بتحول القارة إلى ساحة صراع لحروب أممية، حيث الأقطاب الدولية الكبرى، تسعى إلى العودة من النوافذ، بعد أن خرجت من الأبواب.
وفي هذا السياق، نفهم لماذا دافعت الولايات المتحدة الأميركية عن قرار إسرائيل في جلسة تابعة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمناقشة القضية.
اليوم أضحت أفريقيا موقعاً وموضعاً لصراعات أممية، تسعى إلى استغلال موارد القارة الطبيعية، غير أن إسرائيل لها رؤى وأهداف ربما أبعد كثيراً جداً مما يبدو ظاهراً للعيان.
إسرائيل في أفريقيا، هي قصة الجغرافيا والديموغرافيا، الاقتصاد والسياسة، المناورة والمؤامرة، ولعله باختصار غير مخل، يمكننا في مفتتح هذه القراءة الإشارة إلى ما جاء في ورقة بحثية صدرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، في إشارة إلى المتمردين اليمنيين المدعومين من إيران، وكيف أن "تل أبيب تحتاج إلى حلفاء في منطقة البحر الأحمر لأسباب استراتيجية عديدة، من بينها إمكانية شن حملة مستقبلية ضد الحوثيين".
يعن لنا أن نتساءل: هل ستشهد الأيام المقبلة مرحلة جديدة من التغلغل الإسرائيلي في قلب القارة الأفريقية، مرحلة تشكل الجزء الثاني من الحضور الذي يعود إلى خمسينيات القرن المنصرم بنوع خاص؟ وإذا كان ذلك كذلك، فما هي التداعيات المحتملة على السلم والأمن الدوليين في المنطقة في العقود القريبة؟
خطة أوغندا... أفريقيا كموطن لليهود
تعود العلاقات الأفريقية- اليهودية إلى أكثر من قرن مضى، ففي عام 1903، اقترحت بريطانيا اقتطاع منطقة شاسعة في غرب كينيا، واعتبارها وطناً يهودياً يتمتع بالحكم الذاتي، تتجاوز مساحة المنطقة التي تم تخصيصها لاحقاً في عام 1947 في فلسطين بموجب خطة التقسيم لإنشاء إسرائيل.
المشروع الذي أطلق عليه خطأ اسم " خطة أوغندا"، بسبب الموقع المقترح على طول خط سكة حديد كينيا- أوغندا، كاد أن يعيد كتابة تاريخ قارتين.
تصور جوزيف تشامبرلين، وزير الدولة البريطاني آنذاك لشؤون المستعمرات، ملاذاً لليهود الأوروبيين الفارين من معاداة السامية على أرض تم الاستيلاء عليها من شعب تاندي في عمق هضبة أوستن غيشو الخصبة في شرق أفريقيا.
بعد عودته مباشرة من جولة بالسكك الحديدية في المنطقة في أوائل القرن الـ20، قدم تشامبرلين العرض إلى الصحافي والمحامي النمساوي المجري تيودور هيرتزل، الرجل الذي كان أول من دعا لقيام وطن دولي ليهود العالم، ولاحقاً أشاد المسؤول البريطاني بمنطقة المرتفعات واصفاً إياها بأنها "تتمتع بمناخ ممتاز مناسب للبيض"، مشيراً أيضاً إلى تشابهها مع أجزاء من إنجلترا.
كانت خطة عام 1903 عبارة عن "ملاذ محمي" مقدم من بريطانيا، لكنه لم يكن متسقاً مع فكرة "أرض الميعاد"، بمعنى أنه كان جهداً بريطانياً استراتيجياً لإعادة توجيه الهجرة اليهودية بعيداً من أوروبا.
في هذا السياق، يرى المؤرخ الكيني جوزيف بويت، وهو من أبناء المنطقة، أن الجغرافيا السياسية لأفريقيا والشرق الأوسط كانت ستكون مختلفة تماماً لو نجح تشامبرلين في خطته لإقامة دولة يهودية داخل أفريقيا.
وفي كل الأحوال، لم يكتسب اقتراح شرق أفريقيا زخماً إلا بعد مذبحة كيشينيف في مولدوفا في أبريل (نيسان) 1903، حيث قتل عشرات اليهود، ومع ذلك، حتى هذه المأساة لم تستطع توحيد الحركة الصهيونية خلف العرض البريطاني.
وعلى رغم أن بعضاً من داخل مركز الفكر الصهيوني رأى في شرق أفريقيا ملاذاً موقتاً قابلاً للتطبيق، إلا أن أولئك الذين هم في قلب الحركة رفضوا ذلك، وكانت حجيتهم: كيف يمكنهم قبول قطعة أرض عشوائية في أفريقيا بينما كان حلمهم القديم هو صهيون، وبحلول عام 1905، كانت الخطة قد ماتت، لكن ذلك لم يكن ليعني أن اهتمامات يهود العالم بأفريقيا قد توقفت عند ذلك الحد.
أفريقيا والبحث عن شركاء محتملين
ظلت الأعين بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 تتطلع إلى القارة الأفريقية، الواسعة الشاسعة، انطلاقاً من أمرين، موقعها الاستراتيجي، لا سيما في ما يتعلق بالدول التي تطل على البحر الأحمر من ناحية، ومواردها الطبيعية من جهة ثانية، حيث المواد الأولية في صورتها الخام، والتي يمكن أن تكون مورداً جزيل النفع للدولة الناشئة.
جرى النظر إلى أفريقيا كموقع محتمل للالتفاف على جيرانها العرب المباشرين.
واستند هذا التوجه إلى ما يعرف بمبدأ "الهامش" الذي وجه السياسة الإقليمية الإسرائيلية في عهد ديفيد بن غوريون... ماذا عن هذا المبدأ؟
ينص على أنه نظراً لعداء قلب الشرق الأوسط، أي الدول العربية لإسرائيل، فإن الأخيرة بحاجة إلى الانخراط مع الهامش، وتحديداً مع دول غير عربية مثل تركيا وإيران ودول أفريقية، ويستند هذا النهج إلى فرضية واقعية كلاسيكية تتمثل في المقولة التاريخية "عدو عدوي صديقي".
في السنوات اللاحقة، اقامت إسرائيل علاقات مع العديد من الدول الأفريقية مثل أوغندا وكينيا، وفي أواخر الخمسينيات، أصبحت إثيوبيا أحد الشركاء الرئيسيين لإسرائيل في القارة الأفريقية، حيث تم افتتاح قنصليات في هذه الدول عام 1956، إضافة إلى تمثيل دبلوماسي في غانا عام 1957، وبحلول السبعينيات كانت إسرائيل توطد علاقات سرية مع جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، شملت تعاوناً عسكرياً وربما نووياً.
هل من جوهر بعينه لسياسات إسرائيل في أفريقيا؟
المؤكد أن انخراط إسرائيل الفعال في أفريقيا، هو نتاج أولويات متعددة، أولاً، تتشكل رؤية إسرائيل لأفريقيا من خلال الشعور بمصير مشترك بين الشعب اليهودي والشعوب الأفريقية.
في كتابه "التنولاند"، كتب تيودور هيرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، أنه "بعد أن شهدتُ خلاص اليهود، شعبي، أرغب أيضاً في المساهمة في خلاص الأفارقة".
كذلك برزت الروابط الثقافية بشكل واضح عندما أصبحت إسرائيل وإثيوبيا، في عهد هيلاسيلاسي شريكتين استراتيجيتين، في عام 1970 كتب شيمون بيريز أن "هناك شيئاً رومانسياً في العلاقات بين إسرائيل وإثيوبيا، بدا أن لكل دولة مشاعر خاصة تجاه الأخرى".
وظل مصير الأقليات العرقية في أفريقيا يتردد صداه لدى السياسيين الإسرائيليين، وقد دفعت فكرة وجود رابطة خاصة إسرائيل إلى التخطيط لعملية موسى، وهي عملية تهريب اليهود الإثيوبيين، المعروفين باسم "الفلاشا" من السودان خلال الحرب الأهلية عام 1984، وبالمثل عندما زار بنيامين نتنياهو رواندا عام 2016 صرح قائلاً "شعبي يعرف ألم الإبادة الجماعية أيضاً، وهذه هي الرابطة الفريدة التي لا يرغب أي من شعبينا في وجودها".
هل كانت هذه الرؤى الإسرائيلية للقارة الأفريقية حقيقية أم أبوكريفية؟
مهما يكن من شأن الجواب، فإن الحقيقة المؤكدة هي أن إسرائيل عرفت طوال ثمانية عقود تقريباً، تسخير الكثير جداً من قدراتها وإمكاناتها، العلمية والاقتصادية، العسكرية والأمنية، في نسج شبكة واسعة من العلاقات مع دول القارة السمراء.
وفي غير أدنى شك، كانت هناك تسهيلات أميركية وأوروبية لذلك الحضور، حتى وإن لم يظهر بوضوح على سطح الأحداث أول الأمر.
شراكات استراتيجية وأهداف ماورائية
يتساءل الناظر لقصة اعتراف إسرائيل بأرض الصومال عن الكيفية التي استطاعت بها إسرائيل الدخول إلى عمق القارة الأفريقية ومن ثم إقامة علاقات متينة ومثمرة مع الكاميرون وإثيوبيا، غانا والمغرب، أوغندا وكينيا، جمهورية الكونغو الديمقراطية وتنزانيا.
والجواب يتمثل في أن الستينيات من القرن الماضي، بنوع خاص، مثلت حقبة محورية في العلاقات الإسرائيلية- الأفريقية، ففي عام 1969 رحبت 32 دولة أفريقية حديثة الاستقلال بإسرائيل من خلال إنشاء سفارات لها، مما مهد الطريق لعلاقات اقتصادية ودبلوماسية.
وبين عامي 1958 و1970، استضافت مراكز التدريب الإسرائيلية ما يقارب من 6 آلاف متخصص أفريقي في مجالات متنوعة، بما في ذلك الإدارة العامة والزراعة، وبحلول عام 1972، بلغت صادرات إسرائيل إلى أفريقيا 37.4 مليون دولار، بينما بلغت وارداتها 20.4 مليون دولار.
عرفت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كيف تعزف على أوتار حاجات الدول الأفريقية، لا سيما في مجال الزراعة، حيث الأراضي الفسيحة والأيادي العاملة المتوافرة بكثرة، لكن من غير تكنولوجيا متقدمة، وهو ما كانت برعت إسرائيل فيه.
أحدثت الابتكارات الإسرائيلية في مجال الزراعة تحولاً جذرياً في دول أفريقيا، فقد كانت شركات مثل "نتافيم" رائدة في أنظمة الري بالتنقيط، مما أحدث ثورة في الزراعة الموفرة للمياه.
وبحلول عام 2014، بلغت مبيعات أنظمة "نتافيم" في أفريقيا 100 مليون دولار من إجمالي إيراداتها العالمية البالغة 800 مليون دولار، وأسهمت هذه التقنيات بشكل كبير في المناطق التي تعاني من ندرة المياه، مما ممكن من تطبيق ممارسات زراعية مستدامة في جميع أنحاء أفريقيا.
ومع ازدياد قوة العلاقات الزراعية الإسرائيلية- الأفريقية، أزدهر شكل آخر من أشكال التعاون تمثل في الأمن السيبراني، وأصبحت المغرب الركيزة الأولى لهذه الاستراتيجية، مع تأسيس شركة "تشيك بوينت" لتقنيات البرمجيات CPS في الدار البيضاء، وتقدم هذه الشركة الإسرائيلية، المدرجة في بورصة ناسداك، حلولاً متطورة للحماية الرقمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تسير غانا على نهج مماثل، ففي قمة كبار مسؤولي أمن المعلومات التي عقدت في أكرا في أبريل 2025، دعا السفير الإسرائيلي روي جلعاد إلى تعزيز التعاون بين الحكومات والشركات للحد من التهديدات السيبرانية، وتعود جذور هذه الشراكة إلى اتفاقيات وقعت في وقت مبكر من عام 2020 بين أورسولا - أيكوفول، وزيرة الاتصالات الغانية آنذاك، والسلطات الإسرائيلية.
في الإطار نفسه، تعد الشراكة بين إسرائيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية، من أبرز الشراكات الواعدة، ففي سبتمبر (أيلول) من عام 2023، وخلال الدورة الـ 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن الرئيس فيليكس تشيسكيدي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نقل السفارة الكونغولية إلى القدس، في بادرة دبلوماسية قوية، مقابل افتتاح سفارة إسرائيلية في كينشاسا.
ويمثل هذا التقارب بداية عهد جديد من التعاون الثنائي في قطاعات رئيسية، هي البنية التحتية والزراعة والأمن التقليدي، عطفاً على الأمن السيبراني.
هل من سؤال يطل برأسه من نافذة الرؤية التاريخية هذه؟ قطعاً السؤال هنا عن هذا التعاون وهل الهدف من ورائه مجرد علاقات براغماتية اقتصادية، ذات منفعة قصيرة النظر؟ أم أن هناك رؤية وسياسة تم وضعها للاستفادة الرئيسية من الموقع والموضع الجغرافي في علاقته مع العالم العربي بنوع خاص؟
شد الأطراف وعودة لرؤية بن غوريون
من بين أهم أسماء رؤساء الوزارات الإسرائيلية منذ قيام الدولة العبرية حتى الساعة، يظهر اسم بن غوريون، والذي يكنى بـ "أسد إسرائيل" في إشارة لا تخطئها العين، لسبط يهوذا بن يعقوب.
في مؤلفه المهم المعنون "رسائل بن غوريون" يوضح لنا أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي ميخائيل بارزوهر، فكرة مبدأ شد الأطراف، تلك السياسة التي أرسى بن غوريون دعائمها في وقت مبكر، بهدف تعضيد دولة إسرائيل الناشئة في ذلك الوقت.
يقوم المبدأ على فكرة أنه "لا بد من إقامة تحالفات غير رسمية مع الدول الواقعة على أطراف العالم العربي كإيران وتركيا من أجل صناعة جماعات على تخوم الدول العربية لاستخدامها لمصلحة إسرائيل في الوقت والسياق المناسبين".
كانت رؤية بن غوريون، أن هذا المبدأ أو تلك السياسة، لا يمكن أن تمارس عبر الغزو أو الاحتلال، بل عبر الدبلوماسية والاستخبارات، ومن خلال التنمية التقنية والتعاون الأمني، عطفاً على بناء النخب المحلية.
جاء السياق التأسيس لهذا المبدأ في أوقات حاسمة بالنسبة للدولة العبرية، فقد كانت إسرائيل في حالة أقرب ما تكون إلى العزلة الإقليمية وسط ما كان يعرف بدول الطوق، وفي وقت تصاعد المد القومي العربي، لا سيما بسبب الكاريزما التي كانت للرئيس المصري جمال عبد الناصر في ذلك الوقت، وبات من المؤكد وقتها أنه من غير الممكن اختراق "المركز العربي" في المدى المنظور.
من هنا طرح بن غوريون سؤالاً استراتيجياً: إذا كان المركز العربي معادياً، فلماذا لا نكسر الطوق من عند الأطراف؟
في ذلك الوقت رأى بن غوريون في أفريقيا ثلاث فرص متداخلة:
أولاً: قارة خارجة من الاستعمار، حيث دول فتية تبحث عن الخبرة التقنية، والدعم العسكري، والاعتراف الدولي.
ثانياً: هشاشة بنيوية، كانت وربما لا تزال تتمثل في تعددية إثنية وقبلية، وحدود مصطنعة من جانب الدول الاستعمارية الأوروبية بنوع خاص، بجانب جيوش وليدة ضعيفة، ما يجعل من "الأطراف داخل الأطراف" بنى هيكلية قابلة للاختراق والتمزيق.
ثالثاً: عمق استراتيجي ضد العالم العربي، وقد كان النظر مركزاً على منطقة القرن الأفريقي، وحوض النيل، والساحل الأفريقي، بنوع خاص، وجميعها مناطق متصلة بالأمن القومي العربي، لا سيما بالنسبة لمصر والسودان.
لكن بأي أدوات استطاعت إسرائيل تفعيل سياسة شد الأطراف التي رسمها بن غوريون؟
الواقع أنه برع في رسم خريطة طريق تبدأ بالدبلوماسية التنموية والتي أشرنا إليها سالفاً، ولم تكن تنمية حيادية، بل مدخل لبناء شبكات نفوذ ناعمة من عند الأمن والعسكرة، عبر تدريب جيوش وأجهزة استخبارات، ثم توريد سلاح وخبرات مكافحة التمرد، بجانب أدوار غير معلنة موصولة بنزاعات داخلية.
والأمر الآخر الذي لا يقل أهمية، يتمثل في تقوية العلاقات الخاصة مع الزعماء القبليين، ومع حركات الانفصال، بل والنخب العسكرية، وخلق جماعات صديقة لإسرائيل داخل تلك الدول الأفريقية أو على هوامشها.
هل من أمثلة دالة؟
قطعاً العلاقات الإسرائيلية- الإثيوبية، والتي كان الهدف الرئيس من ورائها الضغط على مصر من خلال شريان الحياة أي نهر النيل، ثم تعزيز المودات مع منطقة جنوب السودان، ودعم حركات التمرد ضد الخرطوم، ثم تدريب وتسليح يقود عبر نموذج تكتيكي كلاسيكي لتفكيك المركز عبر الأطراف، وصولاً إلى إريتريا، والتي وجدت الدعم غير المباشر ضد إثيوبيا حين تحولت الأخيرة إلى اليسار، وتوظيف موقعها الجيوسياسي على البحر الأحمر.
القرن الأفريقي... مدخل البحر الأحمر
هل من منطقة بعينها، ركزت عليها إسرائيل في أفريقيا بنوع خاص خلال العقود الخمسة المنصرمة؟
المؤكد أن منطقة القرن الأفريقي، تأتي في مقدمة تلك المناطق، حيث التركيز على ثلاث نقاط جوهرية ومفصلية بالنسبة للسياسات الإسرائيلية: الموانئ، والأمن البحري، والحركات الانفصالية، ما يعيد إنتاج منطق بن غوريون بأدوات القرن الـ21.
الثابت أنه وفيما كانت إسرائيل تعزز وجودها العسكري في عموم القارة الأفريقية، بدا أنها تولي اهتماماً خاصاً بمنطقة القرن الأفريقي، والتي تحتاج إلى مزيد من إلقاء الضوء جغرافياً على الأقل.
القرن الأفريقي منطقة جغرافية تظهر في شكل جزيرة كبيرة ومنطقة جيوسياسية في شرق أفريقيا تقع في الجزء الشرقي من البر الأفريقي الرئيسي، وتعتبر رابع أكبر شبه جزيرة في العالم، وتتكون من إثيوبيا، وإريتريا، والصومال، وجيبوتي، تشمل التعريفات الأوسع أيضاً أجزاءً من كينيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا أو كلها.
ويمكن أن يشمل مصطلح منطقة القرن الأكبر كلاً من بوروندي ورواندا وتنزانيا، يقع القرن الأفريقي على طول الحدود الجنوبية للبحر الأحمر ويمتد مئات الكيلومترات داخل مضيق غواردافوي وخليج عدن والمحيط الهندي ويشترك في حدود بحرية مع شبه الجزيرة العربية الواقعة في غرب آسيا.
من هنا يمكن القطع بأن القرن الأفريقي هو المدخل الطبيعي إلى البحر الأحمر، والذي تعتبره إسرائيل فضاء جغرافياً مهماً لوجودها، لا على الصعيد العسكري فحسب، بل من الناحية الاقتصادية، لا سيما في ظل طموحاتها بشق ما يعرف بقناة بن غوريون، التي تحلم تل أبيب بأن تكون بديلاً لقناة السويس.
ولعل الحضور الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي بات ينظر إليه أخيراً، كأهمية جيوسياسية فائقة، وذلك بسبب القرب الجغرافي من اليمن، حيث تبدو إشكالية الحوثيين كأدوات مهددة للأمن الملاحي في البحر الأحمر من جهة، وللعمليات البحرية التي تشكل خوفاً كبيراً للحضور الإسرائيلي من جهة أخرى.
في هذا السياق تعود بنا دوائر التحليل مرة جديدة وبصورة معمقة إلى الهدف الأهم والأكبر، من وراء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كدولة مستقلة.
أرض الصومال... أهداف سياسية وعسكرية
مع استمرار التوترات في القرن الأفريقي، تتجه أنظار إسرائيل، المتورطة أصلاً في صراعات الشرق الأوسط، نحو زعزعة استقرار المنطقة، ومن ضمن هذا السعي، إقامة علاقات مع أرض الصومال نظراً لموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي والتطورات الأخيرة في منطقة البحر الأحمر.
لإسرائيل مصلحة مؤكدة في أرض الصومال انطلاقاً من دوافع اقتصادية، ذلك أن اقتصاد أرض الصومال المتنامي يجذب استثمارات من دول عديدة، لا سيما في قطاعات الزراعة والطاقة والبنية التحتية، وتسعى إسرائيل إلى تطوير التعاون مع "صوماليلاند" وبخاصة في مجال الزراعة، وبالتالي تعزيز نفوذها في المنطقة بفضل موقعها الاستراتيجي على طول طرق التجارة الرئيسية في خليج عدن.
هل تعزز إسرائيل الحركات الانفصالية في القارة الأفريقية كما يتبدى من خلال نموذج "صوماليلاند"؟
بحسب الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، فإن إسرائيل تحاول بالفعل زرع الفتنة في القرن الأفريقي، فما يسمى بـ "صوماليلاند" والتي تعتبر إحدى مناطق الصومال الـ 18، ليس سوى حركة انفصالية تقاومها الدولة الأم، وتسعى لإرجاعها في وحدة حقيقية بالوسائل السلمية منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيما إسرائيل تعمق هذا الشرخ في الداخل الصومالي... لماذا تفعل هكذا؟
هناك بحسب الرئيس الصومالي ثلاثة أسباب:
السبب الأول هو "إنشاء قاعدة عسكرية هناك بهدف الاقتراب من الخليج العربي والبحر الأحمر، ذلك الممر المائي الاستراتيجي للغاية للتجارة الدولية وأمن منطقة الخليج".
السبب الثاني، هو التفكير الإسرائيلي الذي لا ينقطع حول إيجاد موطن للشعب الفلسطيني في غزة، وينظر إسرائيلياً إلى "صوماليلاند"، بوصفها الرقعة الجغرافية المرشحة لهذا الدور.
السبب الثالث: هو موافقة أرض الصومال هذه على الانضمام إلى ما يعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية، وهو منطلق مهم للغاية بالنسبة لتل أبيب، لا سيما أنه سيكون بمثابة قدوة للكثير من الجماعات المتمردة والمنشقة في الداخل الأفريقي، ما يعني المزيد من النفوذ لإسرائيل وسط القارة السمراء.
هل يجيء الاعتراف الإسرائيلي بـ "صوماليلاند" كمؤشر خطير بالنسبة للاستقرار السياسي في أفريقيا؟
الشاهد أن الاتحاد الأفريقي استشعر بالفعل قلقاً بالغاً من جراء هذا الإجراء، معتبراً أنه سيقود بالفعل إلى محاكاة مماثلة وسلسلة من ردود الأفعال المشابهة من جراء انفصاليين آخرين في دول نظيرة في القارة، ما يخلق حالة من سعي إلى إقامة تحالفات خارجية من دون موافقة الحكومات المركزية، وبالتالي ظهور المزيد من الانشقاقات في الدول التي تمثل بطوناً رخوة في أفريقيا.
مستقبل العلاقات الأفريقية - الإسرائيلية
ويبقى السؤال المحوري: ما هي غاية إسرائيل في أفريقيا؟ وما هو مستقبل هذه العلاقة؟
الشاهد أنه من جنوب السودان إلى زامبيا، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية تشن حملة دبلوماسية، تعرض من خلالها المساعدات والأسلحة، ويرى العديد من الخبراء أن هذه الحملة قد تكون ناجحة.
في أواخر أغسطس (آب) المنصرم، اجتمع مسؤولون حكوميون من زامبيا وإسرائيل للاحتفال بإعادة افتتاح السفارة الإسرائيلية في لوساكا، كانت هذه هي المرة الأولى منذ 52 عاماً التي يرفع فيها العلم الإسرائيلي في العاصمة الزامبية، بعد فترة طويلة من قطع العلاقات.
هل يعني ذلك أن العلاقات الأفريقية – الإسرائيلية في أحسن أحوالها؟
يشير الخبراء إلى أن صورة إسرائيل في أفريقيا، في المتوسط، سيئة، مع أن ذلك لا يعود إلى تقصير من جانب الحكومة الإسرائيلية، ذلك أنه فيما تستجيب حفنة من الدول لمبادراتها الودية، إلا أن الغالبية العظمى من الدول تبقى على مسافة منها.
أحد الأسباب وراء ذلك هو أن إسرائيل لا تتمتع بنفوذ مثل الصين وروسيا، اللتين تسعيان إلى تعزيز علاقاتهما مع القادة الأفارقة للاستفادة من مواردها المعدنية وأصواتهم في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
السبب الأكبر في واقع الأمر للابتعاد المتجدد للدول الأفريقية لا سيما ذات الأوزان الثقيلة منها عن إسرائيل، يتعلق بالقضية الفلسطينية.
تتصدر جنوب أفريقيا قائمة المنتقدين بسبب تاريخها المؤلم مع نظام الفصل العنصري – الذي كانت إسرائيل من أشد مؤيديه- واستمرار إسرائيل في ممارسة نظام الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعد مقولة نيلسون مانديلا الشهيرة عام 1997، التي قال فيها إن حرية جنوب أفريقيا غير مكتملة من دون حرية فلسطين بمثابة دليل على حرص بريتوريا الشديد على حماية مصالحها.
كذلك تجسد بعض المواقف المحرجة تراجع مكانة إسرائيل، ففي أبريل 2025، طرد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا أبراهام نيغوسي، من فعالية للاتحاد الأفريقي لإحياء الذكرى الـ30 للإبادة الجماعية في رواندا، والتي كانت تقام في مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا.
كذلك رفعت جنوب أفريقيا دعوى تاريخية في الـ 29 من ديسمبر (كانون الأول) 2023 أمام محكمة العدل الدولية، تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة وانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية، تؤكد جنوب أفريقيا استمرار ملاحقتها القضائية، مستندة إلى أعمال عدائية وخطاب تحريضي من قادة إسرائيل، بينما تنفي إسرائيل هذه الاتهامات.
هل يعني ذلك أن العلاقات من تل أبيب إلى عواصم أفريقيا المتباينة ليست مسألة قطعية، وإنما متغيرة ويمكن أن تشهد انتكاسات، كما عرفت انتصارات من قبل؟