Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تدرأ دبلوماسية الرياض اشتعالا أفريقيا محتملا؟

زيارتان لوزير الخارجية ونائبه إثيوبيا وإريتريا وسط نذر الحرب بين البلدين ومراقبون: أمن البحر الأحمر أولوية قصوى

وزير الخارجية السعودي أثناء لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي في أديس أبابا (مكتب الاتصال الحكومي الإثيوبي)

ملخص

هل تسعى الرياض إلى طرح مبادرة لإبطال نذر الحرب بين الدولتين الجارتين في القرن الأفريقي، أم أن زيارتي بن فرحان والخريجي ترتبطان بجهود الرياض من أجل إيجاد تسوية سلمية في السودان على خلفية التقارير حول معسكرات إثيوبيا السرية؟

أثارت التحركات السعودية في منطقة القرن الأفريقي اهتماماً سياسياً وإعلامياً لافتاً خلال الأسبوع الماضي، بعدما سجل وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان زيارة رسمية إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في الـ11 من فبراير (شباط) الجاري، التقى خلالها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، لمناقشة مستجدات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين في منطقة القرن الأفريقي، بحسب تغريدته على موقع "إكس". 

كذلك حل نائبه وليد الخريجي بالعاصمة الإريترية أسمرة في الـ12 من فبراير، حيث التقى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، في قصر دندن للنقاش حول بناء رؤية مشتركة تتعلق بالقضايا الإقليمية الملحة، والتباحث بصورة معمقة حول التطورات الإقليمية والعالمية المتسارعة، وبخاصة دراسة الأوضاع في حوض البحر الأحمر وضمان السلام والاستقرار في المنطقة، حسب ما ورد في برقية بوكالة الأنباء الإريترية. 

الزيارتان السعوديتان تزامنتا مع نذر الحرب التي يقال إنها "وشيكة" بين إثيوبيا وإريتريا، سيما في ظل سعي أثيوبيا المحموم إلى امتلاك موانئ في البحر الأحمر، وأتت زيارة بن فرحان بعد يوم واحد على صدور تقارير صحافية تشير إلى وجود معسكرات سرية في إقليم بني شنقول الإثيوبي، ممولة من دولة الإمارات العربية المتحدة لتدريب وتأهيل قوات "الدعم السريع" السودانية التي تحارب الجيش النظامي في السودان.

فهل تسعى الرياض إلى طرح مبادرة لإبطال نذر الحرب بين الدولتين الجارتين في القرن الأفريقي، أم أن زيارتي بن فرحان والخريجي ترتبطان بجهود الرياض من أجل إيجاد تسوية سلمية في السودان على خلفية التقارير حول معسكرات إثيوبيا السرية؟

تحديات أمنية

بدوره يرى المحلل السياسي الإثيوبي محاري سلمون أن السعودية تسعى إلى استتباب الأمن والاستقرار بمنطقة القرن الأفريقي نظراً إلى ارتباطها بالمصالح الكبرى للبحر الأحمر باعتباره ممراً مائياً يعد من أهم ممرات الملاحة الدولية، إذ تمر عبره نحو 18 في المئة من حركة التجارة العالمية، وتتضاعف أهمية هذا الدور نظراً إلى الاضطرابات الأخيرة المتكررة التي تحدث بين الفينة والأخرى في المداخل الجنوبية قرب باب المندب، بما في ذلك عمليات القرصنة واستهداف السفن التجارية من قبل قوات الحوثي، فضلاً عن الخلاف المتصاعد بين كل من إثيوبيا وإريتريا حول رغبة أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر، ومن ثم فإن ثمة تداخلاً بين المصالح الدولية والإقليمية والمحلية في منطقة شديدة الحساسية على المستويين الأمني والجيوبولتيكي. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أن المستجدات الأخيرة في اليمن، سيما بعد انسحاب القوات الإماراتية، من اليمن ومن ثم من البحر الأحمر، طرحت تساؤلات وتحديات أمنية عدة عن نوايا أبوظبي، وبخاصة مع اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند، وإمكانية مضي إثيوبيا في المسار ذاته مما يمثل تحدياً جديداً للرياض، وبخاصة بعد مواقفها المعلنة في رفض الاعتراف الإسرائيلي ودفاعها عن وحدة الأراضي الصومالية، وثني أديس أبابا عن المضي قدماً في اتجاه الاعتراف بالإقليم الشمالي الصومالي.

ويوضح سلمون أن الجهود السعودية الأخيرة في اتجاه كل من أديس أبابا وأسمرة تتداخل فيها عوامل عدة ولا يمكن اختزالها في مبادرة سعودية للتوسط بين العاصمتين، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من الجهود المتعلقة بالتسوية السلمية في السودان فقط، فثمة تحديات كبيرة أخرى ذات طابع جيوسياسي. 

وينوه إلى أن التقارير الأخيرة حول وجود معسكرات لقوات "الدعم السريع" السودانية في الأراضي الإثيوبية تثير اهتمام الرياض أيضاً لجهة ارتباطها بـأبوظبي، وبخاصة أن تقرير "رويترز" أشار بصورة واضحة إلى أن المعسكر ومطار أسوسا المجاور قد تم تجهيزهما بتمويل إماراتي، وأن ثمة منصات لانطلاق المسيرات تم بناؤها في المطار المدني بالإقليم الإثيوبي. ومن ثم فإن زيارة بن فرحان لأديس أبابا جاءت في الغالب ضمن إطار رؤية سعودية شاملة لتلك الملفات، وبخاصة أن الرياض ترتبط بعلاقات تاريخية مع أديس أبابا، إلى جانب توقيعها عدداً كبيراً من الاتفاقات، من بينها اتفاقات للاستثمار.

ويشير المتخصص في الشأن الإثيوبي إلى أن التحرك السعودي نحو أديس أبابا وأسمرة سبقه تنسيق سعودي صومالي، مشيراً إلى تقارير صحافية عدة ذكرت أن ثمة اتفاقاً قيد الإعداد بين الرياض ومقديشو يشمل اتفاق تعاون عسكري لضمان أمن البحر الأحمر، منوهاً إلى تصريحات المتحدث باسم الحكومة الصومالية لموقع "بلومبيرغ"، التي أكدت أن السعودية والصومال يعملان على إنجاز اتفاق مشترك خلال زيارة الرئيس الصومالي المرتقبة للرياض. 

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي إلى أن التنسيق السعودي - الصومالي يأتي في أعقاب إلغاء مقديشو لاتفاقات أمنية وأخرى متعلقة بإدارة الموانئ مع الإمارات، على خلفية اتهامات بانتهاك أبوظبي لسيادة الصومال من خلال نقل زعيم انفصالي يمني عبر الأراضي الصومالية.

محاور استراتيجية 

من جهته يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي عبدالرحمن أبو هاشم أنه على رغم غياب إعلان رسمي عن وجود وساطة سعودية بين أديس أبابا وأسمرة، فإن أي قراءة واقعية للمشهد تشير إلى أن الرياض تراقب التوتر بين البلدين من كثب، ومن غير المستبعد وجود قنوات تواصل للتقريب بين العاصمتين.

ويضيف أن السعودية ليست طرفاً طارئاً في هذا الملف، فقد سبق أن عقدت اتفاقاً للسلام في جدة عام 2018 بين أسمرة وأديس أبابا، مما يمنحها رصيداً سياسياً ورمزياً يسمح لها بلعب دور الضامن الإقليمي إذا تصاعد التوتر بين الطرفين. 

ويوضح "الأهم من فكرة الوساطة هو هل تحتاج الرياض إلى إعلان وساطة بالأصل"، مشيراً إلى أنه في كثير من الحالات تعمل السعودية عبر قنوات دبلوماسية مباشرة، لا عبر مسار تفاوضي معلن، فأي تحرك سعودي حالياً، إن وجد، سيكون أقرب إلى "احتواء الأزمة" منه إلى وساطة تقليدية.

ويقول أبو هاشم إن التحرك السعودي في القرن الأفريقي لا يمكن فصله عن ثلاث دوائر استراتيجية: الأولى أمن البحر الأحمر، إذ لم يعد هذا البحر مجرد ممر ملاحي، بل أصبح ساحة تنافس إقليمي ودولي، وأي اضطراب في إريتريا أو إثيوبيا أو السودان ينعكس مباشرة على الأمن البحري للسعودية، ومن ثم تنظر الرياض إلى الضفة الأفريقية باعتبارها الامتداد الأمني لعمقها الغربي، فأي فراغ هناك قد تملؤه قوى إقليمية أو دولية منافسة أو مناوئة. 

 

الدائرة الثانية، بحسب أبو هاشم، هي ملف إثيوبيا والوصول إلى البحر، إذ كشفت تصريحات القيادة الإثيوبية حاجة البلاد إلى منفذ بحري، إضافة إلى إعلان أديس أبابا أن سعيها نحو المنفذ ليس محض مطلب اقتصادي بل يتعلق بالمشاركة في الديناميات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر، في حين ترى الرياض أن مسؤولية الحفاظ على أمن البحر الأحمر تتعلق فقط بالدول المطلة عليه، وأي تحرك أحادي من دول أخرى قد يعيد المنطقة إلى مربع التوتر، مما يعني أن السعودية معنية بمنع تحول الطموح البحري الإثيوبي إلى أزمة عسكرية قد تُشعل القرن الأفريقي بأكمله.

ويوضح المتخصص في شؤون القرن الأفريقي أن العامل الاستراتيجي الثالث للتحرك السعودي يتعلق بالحرب في السودان وتداعياتها، إذ تدرك الرياض أن وجود قوات "الدعم السريع" كفاعل عابر للحدود يعقّد المشهد، مضيفاً "إذا صحت التقارير الأخيرة حول وجود معسكرات في إثيوبيا لهذه القوات فإن ذلك يعني إمكانية امتداد الحرب السودانية على المستوى الإقليمي من خلال خلق ممرات دعم أو إمداد جديدة، مما قد يؤدي إلى تشكل اصطفافات عسكرية عابرة للحدود، وهذا تحديداً ما تسعى الرياض إلى تخليص المنطقة منه، أي ألا يتحول البحر الأحمر إلى امتداد للحرب السودانية.

تداخل مسارات 

واستطرد المحلل السياسي أنه من المرجح أن التحرك السعودي يعمل على منع تداخل المسارين: تطور التوتر الإثيوبي - الإريتري إلى حرب مباشرة من جهة، واستمرار وجود معسكرات "الدعم السريع" على الحدود الإثيوبية - السودانية من جهة أخرى، إذ إن ذلك من شأنه أن يقود المنطقة نحو سيناريو كارثي على الأمن والاستقرار، مع إمكانية أن تستغل بعض الجهات الإقليمية هذا الوضع لفرض واقع إقليمي جديد في منطقة تعد من أكثر المواقع حساسية للأمن القومي العربي عموماً وللسعودية بصورة خاصة، إذ إن حدوث هذا السيناريو سيحول النزاع من ثنائي (إثيوبيا – إريتريا) إلى نزاع إقليمي مركب.

ويرى أبو هاشم أن الرياض غالباً ما تتحرك بصورة دبلوماسية عند اختلال ميزان القوى الإقليمي، أو في حال بلوغ التوتر درجة قد تمس أمن البحر الأحمر مباشرة، مشيراً إلى أن التحرك السعودي لم يطرح كمبادرة تقليدية للوساطة بين بلدين، وبخاصة في ظل الحال الأمنية الراهنة في القرن الأفريقي عموماً، ومن ثم فهو محكوم بأربعة عوامل رئيسة: منع تفجر جبهة جديدة في القرن الأفريقي، واحتواء امتدادات الحرب السودانية، وحماية أمن البحر الأحمر، ومنع تشكل فراغ تستفيد منه قوى أخرى من خارج المنطقة. مما يعني أن الرياض لا تتحرك لأن الحرب على وشك الحدوث وحسب، بل لأنها تريد منع أي احتمال لانفجارها في منطقة تعد امتداداً استراتيجياً لأمنها القومي.

المزيد من متابعات