Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مجلس ترمب للسلام يضع توني بلير على مسار تصادمي مع ستارمر

الاحتمال غير المريح المتمثل في أن توني بلير - مرشد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرجل الذي يثق به - بات يتمتع بنفوذ لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما يفتح تهديداً جديداً لسلطة مكتب رئاسة الوزراء

دونالد ترمب وتوني بلير يلتقطان صورة تذكارية خلال قمة لقادة العالم لبحث إنهاء الحرب في غزة، شرم الشيخ، مصر، 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2025. (رويترز)

ملخص

عودة توني بلير إلى قلب اللعبة الدولية عبر انضمامه إلى "مجلس السلام" الذي أطلقه دونالد ترمب تفتح قناة غير رسمية بين لندن وواشنطن، لكنها في الوقت نفسه تضع كير ستارمر أمام معادلة سياسية ودبلوماسية شديدة الحساسية. المبادرة الأميركية، ذات الطموحات العابرة لغزة، تثير قلقاً أوروبياً واسعاً وتكشف عن تصدع متزايد في النظام الدولي القائم على القواعد.

كثيراً ما كان مألوفاً أن ينصرف رؤساء الوزراء السابقون في المملكة المتحدة بهدوء إلى كتابة مذكراتهم وإلقاء المحاضرات في محافل ما بعد العشاء. لكن ذلك العصر ولى، فبعضهم - مثل رئيسي الوزراء السابقين جون ميجور وغوردون براون - باتوا يختارون بعناية توقيت تدخلهم في قضايا استراتيجية يعتقدون أن بإمكانهم التأثير فيها: مثل أوروبا بالنسبة إلى ميجور، ومكافحة فقر الأطفال والموت بمساعدة طبية بالنسبة إلى براون. وعلى نحو فاجأ الجميع، انتهى المطاف برئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون إلى العودة إلى صفوف الحكومة، متولياً منصب وزير الخارجية في حكومة رئيس الوزراء آنذاك ريشي سوناك.

أما رئيس الوزراء السابق توني بلير فشق لنفسه مساراً مختلفاً تماماً، بدأه مبعوثاً إلى منطقة الشرق الأوسط، ثم أطلق سلسلة من المبادرات العالمية، قبل أن يتحول إلى مستشار يحقق أرباحاً طائلة من تقديم المشورة للحكومات حول العالم، بما فيها تلك التي لديها سجلات مقلقة في مجال حقوق الإنسان.

وخلال عام 2016، جمع معظم أنشطته ضمن "معهد توني بلير"، الذي وصف بأنه "ماكينزي لقادة العالم" [تشبيهاً بشركة الاستشارات العالمية الشهيرة]. وتضطلع مؤسسته بدور ملحوظ في صياغة السياسات الداخلية داخل المملكة المتحدة، وتبدو بصمته واضحة على حكومة رئيس الوزراء الراهن كير ستارمر، التي لا تُعرف أصلاً بثراء الأفكار، إذ كان من بين ما روج له معهد بلير على سبيل المثال، اعتماد بطاقات هوية رقمية للبريطانيين.

فوق كل ذلك، يقول توني بلير إنه "يتشرف" بالانضمام إلى المجلس التنفيذي لـ"مجلس السلام" التابع للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو مبادرة ذات صلاحيات واسعة النطاق تبدو وكأنها صممت خصيصاً لتقويض دور الأمم المتحدة.

في هذا العالم الجديد الذي يتفكك فيه النظام الدولي القائم على القواعد بوتيرة متسارعة، يدرك بعض المقربين من كير ستارمر قيمة وجود مثل هذه القناة غير الرسمية في صلب مشروع ترمب. غير أن هذا المسار قد يبدو، خلال أسبوع اتخذ فيه رئيس الوزراء البريطاني موقفه الأكثر تشدداً حتى الآن في مواجهة تهديدات رئيس الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية معلناً أنه "لن يتراجع" عن دعمه لغرينلاند وحلفاء بريطانيا الأوروبيين، وكأنه يجر السياسة الخارجية البريطانية في اتجاه معاكس لاتجاه الحكومة على نحو غير مفيد.

بعد إطلاق البيت الأبيض رسمياً "مجلس السلام"، اتضح أمران: الأول، أن توني بلير سيضطلع بالفعل بدور رئيس فيه، إذ سيصبح - إلى جانب جاريد كوشنر صهر ترمب، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف - عضواً في "المجلس التنفيذي التأسيسي" للمبادرة، الذي سيكون بمثابة ذراعها التنفيذية. أما الأمر الثاني، فهو أن المسألة لم تعد تقتصر على قطاع غزة، إذ إن الميثاق المقترح لا يأتي على ذكر غزة إطلاقاً، بل يدعي اختصاصاً أوسع بكثير يمتد إلى السلام على مستوى العالم.

أوروبا من جانبها تتعامل بحذر - وهي محقة في ذلك - مع الاحتمال المثير للقلق لقيام "منظمة ظل" للأمم المتحدة بقيادة دونالد ترمب. فالفرنسيون والهولنديون رفضوا الانضمام إلى "مجلس السلام" بصورة قاطعة، ولم تدع الدنمارك حتى إلى المشاركة فيه. حتى جورجيا ميلوني رئيس وزراء إيطاليا، وهي بين القادة الأوروبيين الأكثر وداً تجاه ترمب، قالت إنها في حاجة إلى وقت للتفكير. وفيما أكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن المملكة المتحدة تدعم بقوة خطة الرئيس الأميركي لإحلال السلام في غزة، إلا أنها أشارت إلى أنها لن توقع على ما تعدها معاهدة قانونية ذات صلاحيات واسعة النطاق، خصوصاً في ظل مخاوف تتعلق باحتمال انضمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إليها.

لكن السؤال المطروح: هل سيضع ذلك رئيس الوزراء البريطاني على مسار تصادمي مع توني بلير؟ أصبح ستارمر مضطراً الآن للتعامل مع سلفه - الزعيم الأكثر نجاحاً في حزب "العمال" خلال الأجيال الأخيرة، وصاحب أجندة وأفكار مستقلة - الذي بات يمتلك قناة اتصال مباشرة مع دونالد ترمب وقاعدة نفوذ بديلة يديرها. هذا الوضع قد يجعل الأمور في الواقع أكثر تعقيداً بالنسبة إلى السير كير.

وجه ترمب دعوات إلى نحو 60 دولة للانضمام إلى المجلس العام للمبادرة، ومن المثير للذهول أنه أرسل دعوة حتى إلى فلاديمير بوتين. ووقع عدد من تلك الدول بالفعل على الميثاق، وانضم قادتها إلى الرئيس الأميركي على منصة "المنتدى الاقتصادي العالمي" في دافوس خلال حفل الإطلاق، منهم فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر.

حدد ترمب مبلغاً مقداره مليار دولار لكل دولة ترغب في الحصول على مقعد دائم في المجلس، وعين نفسه رئيساً له مع سلطة أحادية الجانب في تعيين أعضاء المجلس التنفيذي وإنشاء هيئات فرعية أو حلها. ويبدو أن كل ذلك يتماشى مع أسلوب ترمب المعتاد: فبعد الجدل الذي أثاره بتدخل الولايات المتحدة في فنزويلا وتهديداته بغزو غرينلاند، ما الذي يمنع توسيع طموحاته من السلام في قطاع غزة أو أوكرانيا، إلى ما هو أبعد؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليس من الواضح ما هو رأي توني بلير في ما يتعلق بالتوسيع الجذري لاختصاصات "مجلس السلام". فعندما سُئل المتحدث باسمه عن الموضوع خلال عطلة نهاية الأسبوع، امتنع عن الإفصاح عما إذا كان رئيس الوزراء البريطاني السابق يؤيد رسوم العضوية الدائمة البالغة مليار دولار. إلا أن وجود علاقة غير رسمية مع أحد أعضاء المجلس التنفيذي، قد لا يكون أمراً سيئاً بالنسبة إلى كير ستارمر. فهذا الأسبوع شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة توتراً خرج إلى العلن، بعدما أيد رئيس الوزراء البريطاني موقف الدنمارك في شأن غرينلاند، وانتقد ترمب الاتفاق الذي أبرمته المملكة المتحدة مع دولة موريشيوس في شأن جزر تشاغوس (أرخبيل تسيطر عليه بريطانيا بعد انفصاله عن موريشيوس، استخدمت بعض جزره قاعدة عسكرية أميركية، مما أثار نزاعاً سيادياً بين لندن وموريشيوس).

يمكن أن تكون سياسة كير ستارمر المتمثلة في محاولة الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل من أوروبا والولايات المتحدة، شارفت على نهايتها، ولا شك في أن المسار الصحيح في هذه الحالة يمر عبر حلفائنا الأوروبيين. لكن خلف الكواليس، لا يزال جوناثان باول مستشار رئيس الوزراء البريطاني للأمن القومي والرئيس السابق لأركان توني بلير - الرجل الذي يصفه بعض موظفي الخدمة المدنية بأنه "وزير الخارجية الحقيقي" للمملكة المتحدة - يحظى بتقدير كبير لدى شخصيات مثل موفد الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف. كما أن مستشار رئيس الوزراء البريطاني للأعمال التجارية فارون تشاندرا، نجح في نسج علاقات جيدة مع عدد من الحلفاء المحليين للرئيس الأميركي. قد يكون دونالد ترمب شخصاً مهووساً بأنانيته، لكنه لا يزال أحد أقوى القادة في العالم، ويجب على المملكة المتحدة أن تواصل التعامل معه، على رغم قيامه بتمزيق القواعد الدولية وقيادة حلفائه المفترضين مراراً وتكراراً إلى حافة الهاوية.

في المقابل، يظل بلير سياسياً غير محبوب لدى الرأي العام البريطاني. ففي نهاية العام الماضي، بلغت معدلات شعبيته -43 نقطة. لكن هذا الواقع من غير المرجح أن يكون له تأثير كبير في آفاق كير ستارمر، إذ إن معدلات تقييم شعبية رئيس الوزراء هي أسوأ من ذلك، ومر وقت كاف منذ أعوام "حزب العمال الجديد" New Labour إذ لم يعد بلير مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذه الحكومة، أقله في ذهن الرأي العام البريطاني.

في النهاية، قد تمنح مشاركة توني بلير في مجلس ترمب رئيس الوزراء ستارمر هامش حركة أوسع على الجبهتين. فمن جهة تؤمن له قناة اتصال غير رسمية مع إدارة ترمب غير التقليدية، تكمل العلاقات التي بناها مستشارون مثل باول وتشاندرا، ومن جهة أخرى تمكن رئيس الوزراء ستارمر ووزيرة خارجيته كوبر من التمسك بالخطوط الحمراء للمملكة المتحدة، وتقديم جبهة موحدة مع الحلفاء الأوروبيين عبر القنوات الرسمية. لقد تغيرت قواعد اللعبة، ويجب أن تتغير معها الدبلوماسية البريطانية.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير