ملخص
فاراج يواجه ارتداداً سياسياً متسارعاً مع تصاعد نفوذ ترمب الدولي، فارتباطه الوثيق بالرئيس الأميركي بات يُنظر إليه في بريطانيا بوصفه مصدر عدم استقرار يهدد مصالحها، مما يضع زعيم "ريفورم" في موقف دفاعي ويقوّض قدرته على إقناع الناخبين بأنه خيار آمن للمستقبل.
ليس خافياً على أحد أن نايجل فاراج بذل جهداً حثيثاً للتقرب من دونالد ترمب. فمن حضور التجمعات الانتخابية إلى الإدلاء بشهادات انتقد فيها المملكة المتحدة أمام الكونغرس، رسخ فاراج ارتباطه بنخبة تيار "ماغا" في واشنطن. غير أن هجمات ترمب على بريطانيا – من التلويح بالرسوم الجمركية إلى التقليل من شأن قدراتها العسكرية – كشفت حجم الكلفة التي قد تترتب على تلك العلاقة. وعندما تعرض لانتقادات وضغوط مباشرة، سارع فاراج إلى النأي بنفسه، لكن الضرر ربما كان قد وقع بالفعل.
لقد لاحظ الرأي العام تقربه الشديد من الأميركيين ولم ينظر إلى الأمر بعين الرضا. ففي العام الماضي، أظهر استطلاع أجرته "مؤسسة النمو الجيد" Good Growth Foundation أن الخيار الأول للناخبين عند سؤالهم عن "أسوأ ما في فاراج" كان قربه من دونالد ترمب. وقد برز هذا الاتجاه لدى مختلف التكتلات الانتخابية، بما في ذلك الذين انتقلوا من التصويت لحزب العمال إلى "ريفورم"، بل وحتى بين ناخبي "ريفورم" أنفسهم. ومع تصاعد سياسات ترمب التي تمس المصالح الاقتصادية والأمنية لبريطانيا، أصبحت هذه النقطة أكثر حساسية.
وعلى رغم تصوير حزب "ريفورم" أحياناً على أنه قائم على شخص واحد، فإن تقدمه في استطلاعات الرأي لا يعكس بالضرورة تأييداً واسعاً لشخص فاراج. فبينما يعلن عدد أكبر من الناخبين نيتهم التصويت للحزب، تبقى معدلات تأييد فاراج بين الأدنى مقارنة بسائر القادة السياسيين. الإقبال على خطابه لا ينبع من إعجاب بشخصه، بل من شعور متنامٍ بانعدام الأمان بات سمة الحياة الحديثة. ومع تصاعد الاضطرابات العالمية – من الحرب الروسية على أوكرانيا إلى النزاعات التجارية التي تخوضها الولايات المتحدة – تبدو بريطانيا كأنها سفينة صغيرة في بحر متلاطم الأمواج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد يفترض المرء أن تلك الفوضى الدولية إذاً، كما تجلت في أزمة غرينلاند، ستعزز موقع فاراج. فكثيراً ما كانت الاضطرابات الكبرى سبيلاً لتعزيز مواقع الشعبويين الذين يتغذون على الغضب وانعدام الثقة مع تلاشي النظام القائم على القواعد. غير أن هذا التصور لا يعكس مزاج الناخب البريطاني، ولا سيما الشريحة التي يسعى حزب "ريفورم" إلى استمالتها.
في مجموعات النقاش [عينة عشوائية من الناخبين]، لم يُنظر إلى ترمب بوصفه قائداً قوياً يعيد الانضباط إلى عالم مضطرب، بل كمصدر إضافي لعدم الاستقرار (حتى قبل قيامه بغزو فنزويلا والتصعيد حول غرينلاند). فقد قال أحد ناخبي "ريفورم" من منطقة إيرواش في داربيشير: "أخشى أنه رجل خطر... أعتقد أنه قد يكون مسؤولاً بطريقة ما عن جرنا إلى حرب جديدة".
وليس هذا رأياً هامشياً. ففي العام الماضي، وجدنا أن البريطانيين كانوا أكثر ميلاً لاعتبار ترمب التهديد الأكبر للمصالح الوطنية البريطانية مقارنة بالتنظيمات الإرهابية، ومن المرجح أن تكون هذه النظرة قد تعززت مع التطورات الأخيرة.
هذا هو جوهر مشكلة فاراج. إن صعود "ريفورم" يرتكز على الشعور بعدم الأمان، لكن عدم الأمان لا يعني بالضرورة توقاً إلى الفوضى. لأعوام، عبر الناس عن تذمرهم من السياسة. فكثيراً ما فشلت السياسة في توفير الاستقرار في حياتهم: فواتير ميسورة، خدمات عامة فعالة، وإحساس بأن الغد سيكون أفضل من اليوم. وحين يشعر الناخبون بأنهم في موقع هش، فإنهم يتطلعون إلى مرجعية مستقرة يستندون إليها وليس إلى زعيم يرتبط أوثق ارتباط بشخص يبدو مستعداً لتفكيك قواعد النظام الدولي.
وعلى عكس ترمب، لا يمتلك فاراج سلطة تنفيذية. لا يستطيع أن يستخدم المنبر الذي يمتلكه الرئيس الأميركي. وبدلاً من ذلك، يبدو أقرب إلى شريك ثانوي لشخصية يراها كثيرون رمزاً لعدم الاستقرار، مما يتركه في موقع من الضياع. فلا هو قادر على الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه، ولا هو قادر على قطع العلاقة مع شخصية أمضى أعواماً في تمجيدها.
ويتجه الناخبون على نحو متزايد نحو البحث عن الاستقرار، ويربط كثير منهم ذلك بتعاون أوثق مع أوروبا. لذلك تعالت الدعوات إلى توسيع العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وكان لإعادة ضبط العلاقة في العام الماضي، على رغم تواضعها، دلالة سياسية مهمة، إذ أظهرت إمكان انتقاء صيغ تعاون تحقق قدراً من الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة.
ومع ذلك، يبقى مصدر عدم الاستقرار الأكبر هو الحرب في أوكرانيا، تسويتها تتطلب دوراً أميركياً فاعلاً. وعلى رغم الاضطرابات، سيظل حفاظ بريطانيا على دعم الولايات المتحدة عاملاً محورياً في إيجاد حل لهذا الصراع. ويخلق ذلك للحكومة مزيجاً من الفرص والأخطار. فالنجاح في إدارة هذا التوازن – من خلال العمل الوثيق مع أوروبا، والتعامل بحذر مع الصين، وإبقاء واشنطن منخرطة – قد يكون أساساً ليس فقط لأمن بريطانيا، بل أيضاً لاستعادة الثقة وتحقيق النمو محلياً.
بالنسبة إلى فاراج، فإن عودة ترمب إلى سياسات القوة التقليدية تمثل عبئاً متزايداً. فكل تصعيد، وكل تجاوز للأعراف الدولية، وكل تذكير بمدى هشاشة بريطانيا من دون حلفاء موثوقين، يضعف جاذبيته. وكلما طغى حضور ترمب على المشهد العالمي، بدا الخيار الأوروبي أكثر اتزاناً، وازدادت صعوبة إقناع الناخبين بأن نهج فاراج سيجعل بريطانيا أكثر أمناً أو ازدهاراً أو استقراراً.
في نهاية المطاف، قد لا يكون ترمب الريح التي تدفع أشرعة فاراج، بل الثقل الذي يشده إلى القاع. ففي لحظة سياسية يطغى عليها عدم الاستقرار، يواجه السياسي الأكثر ارتباطاً بصورة الفوضى [التي يبثها ترمب] على الساحة الدولية احتمال دفع ثمن باهظ في الداخل.
برافول نارغوند هو مدير عام مؤسسة "النمو الجيد"
© The Independent