ملخص
بدلاً من العلاجات، باتت المسكنات تداوي آلام مرضى غزة، لكن هذا الحل الموقت شارف على النفاد.
يتحسس صهيب عطوة قدميه، يمسك مكان بتر ساقه اليسرى، يزم عينيه ويعض على شفتيه من شدة الألم الذي يعانيه، ولكن ليس هذا العذاب الذي يشكو منه، فالكسور والحروق في فخذه اليمنى تجعله يصرخ من شدة الألم، يرفع طرف فراشه ويسحب شريط دواء يفتح حبة ويبلعها ويتناول الثانية بعدها مباشرة.
الحبوب التي تناولها صهيب هي "التروفين"، أحد أنواع المسكنات البسيطة، والتي تصرف أساساً من الصيدليات حتى من دون وصفة طبية، لكن الرجل يعول عليها كثيراً لتخفف من ألمه. ولأنه يدرك أن مفعولها ضعيف مقارنة بحجم الوجع الذي يشعر به، يضطر لتناول حبيتن معاً.
الإحساس بالطرف المبتور
في الـ15 من مارس (آذار) 2024 تغيرت حياة صهيب جذرياً بعد إصابته بقصف إسرائيلي على قطاع غزة أدى إلى بتر ساقه اليسرى، وكسور وحروق في ساقه اليمنى، ومنذ ذلك الوقت يخوض رحلة علاج شاقة، وعلى رغم مرور عامين على الحادثة، فإنه لم يتماثل للشفاء بعد.
ما زال صهيب يعاني آلاماً مستمرة في موضع البتر، إضافة إلى ما يعرف بالإحساس بالطرف المبتور، حيث يشعر وكأن قدمه لا تزال موجودة، يقول "شعور مؤلم عندما أعزم على تحريك قدمي وهي غير موجودة من الأساس".
الأقسى عليه من ألم هذا الشعور، هي الأوجاع التي يعانيها بسبب تثبيت الكسور التي أصابت عظمة الفخذ بشرائح بلاتين، ولتخفيف هذا الألم يفترض أن يتناول صهيب علاجات أفيونية تحت إشراف طبي تساعده على تخفيف العذاب الذي يعيشه، لكنه بدلاً من ذلك يعتمد على المسكنات.
"في كل مرة أراجع الطبيب في المستشفيات التابعة لوزارة الصحة أو المنظمات الدولية العاملة في المجال، يبلغني المعالج أن الدواء الذي أحتاج إليه غير متوافر"، يتابع صهيب والألم يسيطر على كل جسده.
التسكين هو العلاج
تجربة صهيب فيها تجسد واقعي لأزمة نقص ونفاد الأدوية في غزة، إذ لمرواغة الألم يضطر الرجل لتناول أقراص التروفين، على رغم أنه يؤكد أنها لا تخفف سوى 25 في المئة من ألمه. يضرب كفاً بكف ويستنشق الصعداء ويتمتم "تخفيف جزئي من الألم، فيما يبقى الجزء الأكبر حاضراً في تفاصيل يومي".
منذ عام يعتمد صهيب على التسكين كعلاج لوجعه، وهذا هو الحل الوحيد أمامه الآن. لا رحلة علاج يعيشها المصاب، كل ما في الأمر مسكنات يتناولها إلى حين أن تخفف إسرائيل القيود على المساعدات الطبية وتسمح بدخولها إلى غزة، وعند حدوث ذلك قد يبدأ بالتعافي.
تفتقر المنظومة الصحية في غزة إلى الحد الأدنى من الإمكانات، لدرجة أن الأدوية غير متوافرة، ويضطر جرحى الحرب والمرضى إلى الاعتماد المفرط على المسكنات لتخفيف آلامهم، وهذا الحل الوحيد أمامهم لتحمل أوجاع إصابات مزمنة وجروح تندمل وتنزف إذ لم تعالج بصورة كاملة.
أربع حبات "أكمول"
تتناول غادة أربع حبات من "الأكمول" في كل جرعة علاجية لتشعر أن وجع مرضها بدأ يخف. وتقول "أعاني كيساً مائياً أعلى الغدة النخامية، ويجب أن أجري جراحة، لكن الأطباء أكدوا لي أن الإمكانات في غزة غير متاحة لتلك الجراحة".
قبل 4 أشهر كانت غادة لا تتحمل وجعها، فاضطر الطبيب إلى أن يكتب لها مسكناً قوياً يخفف الألم عنها، وبالفعل اشترته من الصيدليات لمدة 3 أسابيع، وبعدها نفد مخزونه من المستودعات وحتى في السوق السوداء لم يعد متوافراً.
زارت السيدة الطبيب مرة أخرى تشكي من الوجع ونفاد مسكن الترامادول، حينها أجرى لها فحوصات جديدة واضطر إلى أن يغير لها بروتوكول العلاج ونوع الدواء، فكتب لها أدوية طبية مخدرة للأعصاب للتخفيف من حدة ألمها. وقالت "شعرت بتحسن، لكن هناك أخطاراً على صحتي".
تتساءل غادة، "هل يعالج الكيس المائي قرب النخامية من طريق مخدر أعصاب"، لا تعرف السيدة الإجابة، لكنها خائفة من إدمان ذلك العلاج أو حدوث مضاعفات صحية خطرة على حالتها يكون تأثيرها كبيراً ويعقد رحلة تعافيها.
خوف غادة من المسكنات القوية لم يستمر، إذ سرعان ما نفدت من السوق الدوائية، وأضطر إلى النزول إلى أبسط أنواع علاجات التسكين، وتوضح "أتناول الأكمول والبنادول والتروفين ولا أشعر بأي تحسن، وصلت حالتي إلى مرحلة لم تعد تؤثر فيها المسكنات العادية".
لمراوغة الوجع، تضطر غادة لتناول 4 حبات من "الأكمول" في كل جرعة علاجية لتشعر أن وجع مرضها بدأ يخف، ولكن هذا الشعور لا يلبث طويلاً وسرعان ما يتلاشى بعد مرور نصف ساعة من بدء المفعول العلاجي للدواء. وتكرر شرب المسكنات 5 و7 مرات في اليوم لدرجة أنها بدأت تشعر بأوجاع جديدة في الكلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نفاد الأدوية
خلال الأسابيع الأخيرة أصبحت المسكنات شحيحة في غزة، إذ تسبب نقص الدواء بزيادة الطلب على علاجات التسكين، وبما أن أعداد المصابين والمرضى كبير جداً، فإن ذلك أدى إلى شح العلاجات بسرعة من الصيدليات.
وبات الوضع الصحي في غزة في أخطر مراحله منذ 30 عاماً، لا أدوية ولا مستشفيات ولا عمليات جراحية ولا حتى فحوصات مخبرية، الانهيار الكامل وتوقف الخدمات الطبية هو المستقبل الوشيك لمنظومة صحية تواجه إصابات يومية وأمراضاً متراكمة.
ويقول مدير دائرة الصيدلة في وزارة الصحة الفلسطينية علاء حلس، "تعاني المستشفيات والمراكز الصحية شح خطر في الأدوية التخصصية والعلاجات الأساسية، مما يضع الطواقم الطبية أمام خيارات محدودة ويحول تسكين الألم إلى حل اضطراري بدلاً من العلاج الفعلي. لقد أسهم نفاد الأدوية في تحول أبسط المسكنات إلى ترف لا يملكه من يواجهون الموت في كل دقيقة". ويضيف "في بداية وقف إطلاق النار، سمحت إسرائيل بإدخال ما قيمته 5 في المئة من حاجات المستشفيات والمراكز الصحية من الأدوية والمستلزمات الضرورية لضمان استمرار تقديم الخدمات الطبية، لكن بعد 4 أشهر، أي في الفترة الحالية نفد كل شيء".
تفتقد صيدليات غزة اليوم لـ321 صنفاً دوائياً من أصل 600 صنف علاجي، وبلغت عدد الأصناف الصفرية في قائمة المستهلكات الطبية 710 أصناف من أصل 1000. ويعقب حلس أن "الأزمة تجاوزت حدود نقص الأدوية، لتصل إلى انهيار كامل في منظومة الإمدادات الدوائية".
ويشير حلس إلى أن "أهم معدلات العجز الدوائي تقع في خدمات الطوارئ، خصوصاً المحاليل الوريدية المنقذة للحياة والمضادات الحيوية الوريدية والمسكنات وأدوية أمراض القلب والسكري وضغط الدم والغدة الدرقية"، لافتاً إلى أن "الأزمة لم تعد تتعلق بتوفر الدواء من عدمه، بل باضطرار الطواقم الطبية إلى البحث عن بدائل علاجية غير مضمونة، سرعان ما يكتشف المريض أنها غير متوافرة أو نفدت".
حتى المسكنات شحيحة
في الواقع المأساة تتفاقم عند المرضى حين يجبر الأطباء على تغيير الخطة العلاجية للمريض بسبب نفاد الدواء الأساس، وهو ما يتطلب إعادة تقييم شاملة للحالة الصحية، تشمل فحوصات وتحاليل جديدة وتحديد جرعات مختلفة والدخول في بروتوكول علاجي كامل من الصفر.
وهذه المعضلة واجهتها "رحمة" المصابة بسرطان الثدي، وتقول "قبل الحرب كنا ملتزمين بالعلاج، وكانت حالتي مستقرة، لكن بعد فترة غيرت الدواء، واضطر الطبيب لتغيير العلاج إلى نوع قوي من المسكنات وأخيراً لمسكنات بسيطة. أضعف يوماً بعد آخر وأحياناً لا أستطيع النهوض وحدي من السرير".
بدأت رحمة تعاني آلاماً في المعدة نتيجة الإفراط في تناول المسكنات، مما أثار مخاوفها من الإصابة بفشل كلوي أو أمراض أخرى، ولكن هذه المخاوف تغيرت عندما عرفت أن المسكنات البسيطة في غزة باتت في عداد المقطوعة وشارفت على النفاد تماماً.
ويقول الطبيب العام عبدالله شامية "هناك نقص حاد في المسكنات بقطاع غزة ما يمثل أزمة تطاول آلاف الجرحى والمصابين، والسبب وراء أزمة التسكين أن نقص الأدوية أجبر المصابين على تناول مسكنات ضعيفة بصورة متكرر، ما أدى إلى زيادة الطلب عليها". ويضيف أن "بعض المصابين لا تتجاوب معهم المسكنات المتاحة، خصوصاً المصابين بإصابات بليغة أو مشكلات في الأعصاب أو كسور، ما يجعلهم في حاجة إلى مسكنات قوية مثل المورفين أو الترامادول، التي تحتاج إلى وصفة طبية ورعاية متخصصة، لكنها شبه معدومة في القطاع".
بحسب شامية فإن الكمية القليلة المتوافرة من المسكنات حالياً في غزة تشمل الأكمول والإيبوبروفين والتروفين وبعض أنواع الدكلوفينات، مشيراً إلى أن "الشح في المسكنات يشمل علاجات مرضى السرطان والأمراض المزمنة فهذه الفئة لا يوجد لها مسكنات نهائياً من الترامال والمورفين".