Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدواء في غزة على "البسطات" بأسعار مضاعفة

تفرض إسرائيل قيوداً على المساعدات الطبية مما أسهم بطريقة ما في انتشار بيع العلاجات خارج الصيدليات

ظروف التخزين غير مناسبة وآلية البيع لا تتطابق مع المعايير (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة)

ملخص

تعاني غزة نقصاً في الدواء، نتج منه بيع العلاجات القليلة المتوافرة إما في السوق السوداء بأسعار مرتفعة أو تداوله على بسطات عشوائية.

من أسفل فراشها، تسحب المسنة ياسمين كيساً صغيراً فيه أدوية لأمراضها المزمنة، تتفقد العقاقير العلاجية لمرض ضغط الدم المصاحب لها منذ أعوام، تعد بأصبعها عدد الحبوب الباقية "ثلاث حبات فقط، اليوم يجب تجديد علاجي".

همت العمة ياسمين وتوجهت نحو الصيدلية القريبة منها تسأل عامل صرف الأدوية عن دواء محدد لتثبيت حالها الصحية، وتبدأ بسرعة كلاماً توضيحياً "كل حياتي مرتبطة بهذه الحبوب الصغيرة، أتناولها يومياً لأتمكن من النوم والأكل والعيش بسلام".

يعتذر الصيدلي من توافر الدواء، فتقول العمة "منذ أسابيع وأنا أراوغ الأزمة، أحياناً أقطع جرعة وأتناول التالية، وفي بعض الأوقات أتناول نصف الحبة حتى أؤخر نفاد ما بقي عندي"، فصحة ياسمين تتدهور وتشعر بالدوار والصداع بصورة دائمة، لهذا قررت الاستمرار في البحث عن علاجها.

على بسطة صغيرة مصنوعة من الخشب والنايلون لمحت ياسمين علبة العلاج الذي تتناوله، بسرعة توجهت للبائع الذي يعرض أصنافاً دوائية على الرصيف في زاوية شارع وتحيط به خيام النازحين، وسألته إذا كان صيدلانياً.

وكان الشخص الذي يقف أمام أصناف الدواء المعروضة على البسطة شاباً يبدو أنه صغير وربما في الجامعة أو لم يكمل تعليمه الجامعي، لكن على رغم ذلك أجابها "لدي خبرة في الأدوية، ما هو طلبك؟".

 

حملت ياسمين علبة العلاج واشترته منه، على رغم أن ظروف التخزين غير مناسبة وآلية البيع لا تتطابق مع بروتوكولات منظمة الصحة العالمية، وتوضح العمة أن غياب الدواء جعلها تعيش في قلق دائم، إذ باتت تخشى من مضاعفات خطرة قد تودي بحياتها، لذلك اشترته من السوق السوداء.

وهذا ليس النموذج الوحيد للسوق السوداء للأدوية في غزة، وهناك صورة أخرى في قصة عطا الذي توجه إلى صيدلية لشراء نوع معين من الأدوية الخاصة بأمراض الأعصاب وسأل عامل صرف العلاج عنه، فأجابه أن هذا الصنف مفقود منذ شهرين.

وقف عطا أمام الصيدلي وبدت عليه علامات التوتر والقلق، وتمتم "أتمنى لو أجد هذا النوع من الدواء، ابنتي مريضة وتحتاج إلى الجرعات فوراً"، حينها أبلغه الصيدلي بإمكان توفيره لكن بسعر مضاعف ثلاث مرات عن ثمنه الطبيعي، ليوافق عطا على الفور.

يعيش قطاع غزة أزمة غير مفهومة ولا مسبوقة في الأدوية، تنقسم إلى ثلاثة أجزاء، أولاً عدم توافر أصناف علاجية طائلة ومهمة في السوق الدوائية، وثانياً الارتفاع الكبير في أسعار الأصناف الدوائية المتوافرة بطريقة غير منطقية كشكل من السوق السوداء، وثالثاً انتشار بيع الأدوية خارج النظام المعتمد لتداولها في الصيدليات والمستشفيات والنقاط الطبية والمراكز الصحية وبيعها على بسطات عشوائية.

ويقول مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش "هذه الأزمة تعمقت نتيجة الاجتياح الإسرائيلي وتشديد الحصار وإغلاق المعابر وما رافق ذلك من انهيار اقتصادي، مما أدى إلى فقدان أنواع أساسية وحيوية يحتاج إليها المرضى، فنفد نحو 70 في المئة من الأدوية الأساسية، إضافة إلى 59 في المئة من المستلزمات الطبية، بواقع 597 صنفاً، وهذا النقص الحاد يعزى بصورة رئيسة إلى إغلاق المعابر ومنع دخول الإمدادات الطبية الحيوية إلى القطاع".

وندرة الدواء بسبب القيود الإسرائيلية على المعابر أمر خارج عن نطاق قدرة المنظمات الدولية، لكن الأمر المثير والمعقد أن هناك أدوية في السوق السوداء يتلاعب فيها بعض المحتكرين، ويقول الصيدلي طارق مسلم "تشهد سوق الأدوية حالاً شديدة التعقيد، والسبب الرئيس منع إدخال كميات كافية من العلاجات إلى غزة".

ويضيف أن "المشكلة لا تتوقف عند الأسعار المرتفعة فقط، بل إن كثيراً من الأصناف الحيوية مفقودة تماماً مثل المسكنات والمضادات الحيوية التي يزداد الطلب عليها بسبب الإصابات المتكررة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعن السوق السوداء، يوضح مسلم أن من يبيع الأدوية فيها غالباً أشخاص غير حاصلين على تراخيص، يشترون كميات كبيرة ويخزنونها ثم يعيدون بيعها بأسعار أعلى وأحياناً بعض الصيدليات أو الوسطاء يشاركون في هذه الممارسات أو يسربون بعض التبرعات والمعونات الطبية بعيداً من مسارها الطبيعي.

منذ أشهر تطلق منظمات الإغاثة الطبية تحذيرات عن نفاد كثير من الأدوية المهمة، من ضمنها 100 صنف دواء لأمراض الكلى والقلب والسرطان وغيرها من المستلزمات الطبية، ويشهد القطاع نقصاً في أدوية حيوية مثل الإنسولين لمرضى السكر والبنسيلين للحمى الروماتيزمية ومخدر البنج، لكن الغريب أن بعض الأصناف العلاجية غير المتوافرة في وزارة الصحة أو في الصيدليات يجدها الغزيون على البسطات في الأسواق بأسعار مرتفعة عن سعرها الطبيعي.

حالياً تدخل منظمة الصحة العالمية وبعض المؤسسات الدولية الطبية الأدوية إلى غزة كتبرعات أو مساعدات طارئة، لكن من غير المصرح لهؤلاء إدخال جميع الأصناف العلاجية، لذلك تستورد شركات طبية أدوية معينة لكنها تدفع لإسرائيل مبالغ كبيرة حتى تسمح بدخولها إلى غزة، مما يسهم أيضاً في انتشار السوق السوداء.

ويقول المدير المالي لشركة غزة للأدوية محمود العجل "لقد تضررنا من فوضى السوق السوداء، يخسر المواطنون الثقة نتيجة اختلاف الأسعار وتنخفض المبيعات الرسمية، لقد أدت تلك الفوضى إلى انتشار الغش الدوائي".

 

أما بخصوص انتشار البسطات التي تبيع الأدوية، فإن وزارة الصحة حذرت من شراء العلاجات منها ومن الأكشاك العشوائية المنتشرة في الأسواق والطرقات، وأوضحت للغزيين أن معظم الباعة في هذه المواقع غير حاصلين على تراخيص من الجهات المختصة، مما يؤدي إلى تداول أدوية بوصفات خاطئة، كذلك حركت المؤسسة الحكومية في غزة فريقاً لإزالة تلك البسطات من الشوارع ومنعها، ومصادرة الأدوية وإعادتها للمؤسسات الطبية الفاعلة.

وفي إسرائيل، يؤكد منسق أنشطة الحكومة غسان عليان أنهم يسمحون بدخول العلاجات إلى غزة بحسب ما تطلبه منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الطبية الأخرى. وعلى رغم ذلك، فإن الأمم المتحدة تؤكد وجود عراقيل وقيود تفرضها تل أبيب على المعونات والمساعدات بما فيها الطبية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير