ملخص
في إطار السياق البراغماتي والتوافق الدولي المشروط حول شرعية السلطة السورية، يجد فريق الشرع نفسه أمام اختبارات متعددة ومعقدة للغاية في إطار إحداث توازن داخلي يدعمه مع تأمين غطاء خارجي مستديم، وتلك الأمور المرجوة أول ما اصطدمت بالضغط الإسرائيلي على سوريا، وهي التي نفذت نحو 500 غارة جوية على مواقع الجيش السابق خلال الـ48 ساعة الأولى لسقوط الأسد.
لم يكُن وصول أحمد الشرع إلى سدة الرئاسة في سوريا أواخر عام 2024 حدثاً اعتيادياً أو أمراً متوقعاً قياساً بمجمل التوازنات القائمة في المنطقة والإقليم، داخلياً وخارجياً، وجد الرجل نفسه في غمار خوض تجربة إدارة أزمة متقدمة وعميقة قبل أن تكون رئاسة بلد بمفهومها السياسي المجرد على اعتبار أنه وصل والبلد منهك ومدمر أساساً ترشح فيه بقايا وظائف دولة هيكلية شبه معطلة وكان ذاك الاختبار الأول، التشغيل قبل التموضع والتعريف.
منذ الإطاحة ببشار الأسد وانتصار الشرع وجماعته لم يقدم الأخير نفسه كقائد ثورة بل كرجل دولة آتٍ لانتشال البلد بظروفها الصعبة والمأسوية، مستخدماً مفردات العمل المؤسساتي، ومستنداً في بدء ما قاله بعد وصوله لدمشق إلى أن "الثورة انتهت وحان أوان بناء الدولة" وأنه "نصر بلا ثأر"، وبذلك انتهج سلوكه البراغماتي الذي عرف عنه لاحقاً في إدارة شؤون سوريا، بعيداً من مفردات الترف السياسي والرضوخ الأيديولوجي على رغم سقوطه مراراً في فخاخه بحكم الأمر الواقع للفصائل العسكرية على الأرض.
وبين ذلك سعى بجهد كما يرى مراقبون لئلا يشحن النفوس وألا يمارس التعبئة العقائدية التي نشأ عليها حين أمضى سني عمره متنقلاً بين التنظيمات المتطرفة، ولم يخُض في اختبار النوايا، فيما يرى فريق آخر أنه كان بإمكانه فعل أشياء أكثر من ذلك بكثير، تشمل في الأقل منع حصول مجازر أفضت إلى حصد أرواح آلاف الأقليات، وانتهاكات يومية لم تتوقف حتى اليوم، وهذا الفريق يعيد الأمر في مكان ما لعدم قدرة السلطة نفسها على ضبط شارعها وفصائلها أو حتى تجريب استعدائهم ومحاسبتهم بضراوة خلال هذه المرحلة الدقيقة.
يرى الباحث في الشأن السوري مضر قباني أن "الشرع يدرك تماماً دهاليز السياسة السورية نتيجة مواكبة لحظية ساعدته فيها أجهزة استخبارات ودبلوماسيون غربيون منذ ما قبل السقوط بأعوام، وعليه، فهو يعلم أن وجوده الحالي ليس ثمار توافق داخلي مطلق ممنوح من تفويض شعبي ساحق، إنما نتيجة معادلة توازن دقيقة جداً تفرضها أطراف إقليمية ودولية، تفرض عليه الشيء مقابل الشيء، كما حصل مع الأسد قبل سقوطه حين طُرحت مبادرة خطوة بخطوة. والشرع يعلم تماماً الشروط الدولية المفروضة حوله وما هو المطلوب منه للبقاء، وذلك لم يعُد سراً، فدول عدة سربت تلك المطالب وعلى رأسها تركيا حليفه الرئيس والأساس".
جبهة النار
في إطار السياق البراغماتي والتوافق الدولي المشروط حول شرعية السلطة السورية، يجد فريق الشرع نفسه أمام اختبارات متعددة ومعقدة للغاية في إطار إحداث توازن داخلي يدعمه مع تأمين غطاء خارجي مستديم، وتلك الأمور المرجوة أول ما اصطدمت بالضغط الإسرائيلي على سوريا، وهي التي نفذت نحو 500 غارة جوية على مواقع الجيش السابق خلال الـ48 ساعة الأولى لسقوط الأسد، ودمرت خلالها أكثر من 80 في المئة من ترسانة الجيش السوري المنحل من أسلحة ورادارات ومعدات ثقيلة وآليات وغيرها، وأتبعتها بـ500 غارة عام 2025 حتى قضت تقريباً على كامل الترسانة العسكرية السورية التي جرى جمعها خلال عقود طويلة جداً.
إسرائيل لم تتوقف عند نسف بنية الجيش السوري العسكرية واللوجستية، بل فرضت نفسها كلاعب محوري في الملف السوري، متمسكة بمطالبتها بالسيطرة القسرية على الجنوب السوري من جنوب دمشق وحتى درعا والقنيطرة والسويداء وصولاً إلى حدود فلسطين لضمان منطقة آمنة منزوعة السلاح، تضمن فيها عدم تشكيل خطر متقدم عليها مستقبلاً أو أية ردود فعل عسكرية مستقلة أو منفصلة، منسقة أو منفردة، مقاومة أو جهادية، وراحت إسرائيل أبعد لتتبنى دروز الجنوب علانية خلال هجوم السلطة على السويداء في يوليو (تموز) عام 2025، فتدخلت جواً لتقصف أرتال السلطة، ومن ثم لتقصف مبنى وزارة الدفاع والأركان في دمشق لإيقاف الهجوم، وقبلها وخلالها وبعدها وحتى الآن قامت بمئات التوغلات في الأراضي السورية برّياً، ونشرت حواجز وأقامت نقاط تفتيش وسيطرت على قمم جبل الشيخ الاستراتيجية جنوباً وأرسلت رسائلها إلى دمشق بنسيانه ومعه الجولان المحتل منذ عام 1967.
يقول الضابط السابق في الجيش السوري الذي كان من نخبة القوات الخاصة التي استرجعت مراصد جبل الشيخ في حرب أكتوبر 1973 جميل وسوف "وقتذاك كانت معادلة الردع واضحة، تقدمنا بقوة واستعدنا المراصد ومدينة القنيطرة ولأسباب قاهرة لم نتمكن من استرجاع الجولان، وبدأت الزيارات المكوكية الأميركية الرفيعة بعدها إلى دمشق لإحداث تفاوض وتفاهم وكان حافظ الأسد يرفض التفاوض على أي شبر محتل، كان يريد الأرض المحتلة كاملة، وليس هذا موضوعنا، اليوم اختلف الواقع تماماً، فالشرع لا يلام، هو يقود بلاداً محطمة تماماً، فليست هناك موارد ولا جيش ولا معدات ولا قدرة على المواجهة ولا حتى إمكان رفع سقفها لو خطابياً، وأي تحرك غير مدروس سيترجم إلى كلفة أمنية تعجز سوريا عن تحملها في المدى المنظور والبعيد حتى، واحتمال الاشتباك صفر، مما يدفع دمشق إلى الموافقة على التفاهمات السياسية والتنسيق مع إسرائيل، وهذا أسلم الحلول ولدرء الشرور وخفض نزف الجبهات، للأسف، ليس هناك سقف أمني أو عسكري نملكه، فالتفاوض اليوم ليس بالشروط السورية".
معضلة الرفض
إضافة إلى الضغط المقبل من الجنوب عبر إسرائيل، تعاني سلطة الشرع ضغوطاً داخلية جمة، وهي ضغوط بإمكانها تهديد كيان أية سلطة قائمة، وسبق وهددت الضغوط ذاتها سلطة بشار بما كان يمتلكه من قوة وتوازنات ودعم من قوى دولية بارزة.
والمشكلة الداخلية لا تنحصر بالأقليات، لكنهم على رأسها وأخطر ما فيها، إذ إنهم يرفضون السلطة القائمة بشكلها وموضوعها، معتبرين إياها سلطة أمر واقع متطرفة لا ثقة بعملها ولا نواياها، وإن كان هذا الرفض لم يكُن وليد لحظة ولادة السلطة نفسها، ولا تحصيلاً حاصل في اتحاد الأقليات، لكنه جاء نتيجة سلسلة من الارتكابات المتتابعة بحقهم والتي أفضت إلى مواقف عنيفة ضدهم، من مجازر الساحل في مارس (آذار) عام 2025، إلى تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق في يونيو (حزيران) من العام نفسه، إلى مجازر السويداء في يوليو، وصولاً إلى تفجير مسجد الإمام علي بحمص في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025.
الأكاديمي في العلوم السياسية حيّان الشامي يقول "قوبل الشرع بالرفض من مكونات كثيرة قبل أن يتاح له حتى التعريف بنفسه ومشروعه بالكامل لأن الضمانات وعهود الأمان سقطت قبل ذلك، وتعهد بإغلاق السجون فازدادت، وبدلاً من سجن صيدنايا واحد صارت هناك ’صيدنايات‘، والفجوة القاهرة هي بين الواقع والتطبيق وبين المثالية والتعسف وبين ما يريده الشرع كشخص وبين من هم تحته في مواقع القيادة الذين يريدون أن يحكموا قهراً باسم الشرعية الثورية المنطلقة من جانب طائفي أو مناطقي أو شوفينية، متى كانت سوريا في حياتها دولة شيوخ؟ شيوخ لا يحملون شهادات يديرون القضاء والتعليم والإعلام والوزارات والمؤسسات والاستثمارات، وفضلاً عن ذلك توزع المناصب عائلياً وعشائرياً".
ويتابع "حين انتصرت الثورة قال الثوار لخصومهم ’اذهبوا فأنتم الطلقاء‘، لكنهم سرعان ما عادوا واعتقلوهم، الأقليات الطائفية والعرقية تمثل معاً أكثر من نصف السوريين، هؤلاء تستعديهم السلطة وجمهورها استفزازاً، ماذا لو تظاهروا سلمياً للمطالبة بما يريدونه، هل هذا مبرر لاعتقالهم وإطلاق النار عليهم؟ وفوق كل ذلك فصل آلاف أو عشرات آلاف الموظفين على أسس طائفية ومناطقية، وفي هذا إعادة إنتاج لنموذج حكم بشار، وهو المنطق الذي جعل الشعب في حال عداء معه، فلما لا نتعظ لنبني هذه البلد؟".
الشيخ العلوي محمد سليمان من دمشق يؤكد أنهم لا يسعون إلى مواجهة السلطة بالنار، "نحن لنا مطالب ستتحقق بالصدور العارية، لا مواجهات مباشرة، وفي الوقت نفسه لا اندماج ولا أنصاف حلول، وكما أكد مرجعيتنا الشيخ غزال غزال لن نقبل بالمغريات، ولن نصعد، لكن يجب أن تكون هناك ضمانات تقود إلى دولة قانون يحكمها دستور توافق جامع، حتى الآن نحن وبقية الأقليات ممنوعون من الانضمام إلى الجيش والأمن، ولذلك هم أحرار في رؤيتهم، لكن ليمنحونا حكم مناطقنا وإدارتها فيدرالياً بشرطة محلية في الأقل وجيش مركزي في دمشق، المشكلة ليست في شخص الشرع، الأقليات لا تريد عودة حكم الأقليات نفسهم أساساً، المشكلة ليست في من يحكم، إنما بكيف يحكم".
"هل جفت دماء أهلنا من الطرقات لنبحث إن كنّا سنندمج فعلاً؟"، يقول الشيخ الدرزي يوسف فخري، ويضيف "لم ننسَ رمي أولادنا عن الشرفات، وقص شوارب رجال ديننا الكبار، واغتصاب نسوتنا واختطافهن، الخلاصة في الجنوب، ولا أقول إنها تامة، لكنها طاغية، الناس هنا تريد حق تقرير المصير فقط".
نصر بلا ثأر
حين قال الشرع بعيد وصوله إلى الحكم إن ما حصل هو "نصر بلا ثأر"، كان خطاباً كما قرأه سياسيون سوريون على أنه موجه لمناصريه لا لخصومه السابقين، وفي هذا السياق يقول القاضي المتقاعد شاهر الحسيني "الشرع كان يعلم أن الوافدين معه من إدلب مسقطين نظام الأسد ستغريهم أضواء السلطة والقوة وسينحون إلى تصفية الحسابات والثأر التعسفي وفق منطق غلبة السلاح والقوة الصرفة واستغلال النفوذ، وعلى رغم ذلك، لم ينجح خطابه ذلك وخطاباته المتتالية في امتصاص تلك النشوة، إذ إن شريحة واسعة من مناصريه العسكريين لا يزالون يتمحورون ضمن عقلية الحرب واستباحة استخدام السلاح، وهؤلاء لا يعترفون بمصدر للسلطة والشرعية إلا عبر السلاح وهم أكثر من يؤثر في القيادة الحالية، وحمص نموذج، هل يمر يوم من دون انتهاكات واسعة وعمليات تصفية وخطف وقتل؟ الرئيس اليوم يريد البناء والإصلاح لكن العقبات أمامه كبرى كجبال".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن "الأخطر بين هؤلاء هم من يمكن تسميتهم ’صقور‘ التيارات التي كانت منضوية في ’هيئة تحرير الشام‘ بقيادة الشرع في إدلب، بعضهم اليوم في مناصب سيادية سياسية وعسكرية عليا، وهؤلاء هم الأخطر على الحكم بالإطلاق لأنهم يمتلكون القدرة على تفريغ أي خطاب عقلاني موجه بدبلوماسية من رأس السلطة إلى أفعال عشوائية تنسفه على الأرض، الرئيس اليوم يواجه جبهات مفتوحة من كل اتجاه، وهو في كل ذلك لا يسعى إلى فتح صدام مباشر قد يحمل معه تفككاً كاملاً للسلطة وانقلاباً على التفاهمات الدولية السابقة، وفي كل يوم يمر وحدث يحصل تُسجل نقطة سياسية ضده من دون أن تكون له علاقة في أحيان كثيرة".
لعنة الماضي
تنقل الشرع بين تنظيمات متطرفة متعددة بين العراق وسوريا وما بين "القاعدة" و"داعش" و"جبهة النصرة" ثم "هيئة تحرير الشام" وحمل معه من كل مرحلة رفاق درب لا يزالون ملازمين له، ويعلم جيداً أن تركيبة هذا الجهاز النهائي في حكم سوريا اليوم تحمل في بذورها أسباب زوال الدولة نفسها ما لم يكُن العلاج أسرع من استفحال المرض نفسه.
منذ فترة تتناول تقارير إعلامية وصحافية دولية وتقارير أخرى من منظمات أمنية وحقوقية معلومات عن وجود نسب مرتفعة من "المتطرفين" في صفوف الجيش السوري والقوات الأمنية المستحدثين، وحادثة مقتل الجنود الأميركيين مع المترجم في مدينة تدمر وسط سوريا في وقت سابق على يد عنصر من قوى الأمن السوري دليل حي، وفي ذلك الدليل التماس لدولة تعيد البناء فوق ماضيها من دون إيجاد جسر عبور يتخطى الماضي الذي لا يتلاءم مع الحاضر، فالقطيعة مع الأمس لم تحصل، وبذلك تكون تبدلت المواقع والأدوار فقط.
الخبير الأمني أحمد نجم يرى أن "الشرع أمام خيارين، إما احتواء الأجهزة العسكرية أو تفجيرها من الداخل، والأمران أحدهما أخطر من الآخر، فاستمرار الاحتواء ينذر بتفلت ومشكلات متصاعدة لا يمكن تداركها مع الوقت، ونسف الأجهزة داخلياً يعني ضرب بيئة النظام الحاضنة ودرعه المتين، لذلك أعتقد بأن الرئيس سيختار أو لربما اختار التدرج البطيء في التطهير بهدوء عبر إعادة تهيئة وهيكلة منظمة من دون إحداث صدام قاسٍ وشرخ في الصف الواحد، وعلى رغم ذلك فإن هذه السياسة وإن كانت الأسلم، لكنها تقرأ على أنها تساهل وازدواجية في آن معاً، إلا أنها أفضل المتاح لتحييد من يمكن تحييده، وتأهيل من يمكن تأهيله، وليست هذه المعضلة الوحيدة، فبتجاوز القوى العسكرية يظهر تراكب المشكلة في المستويات السياسية العليا التي لا يمكن أن تحتمل أعباء إضافية في تباعد وجهات النظر الداخلية، وهنا يأتي التعويل على الرئيس بشخصه وهو لا ينقصه الذكاء والفطنة وهذا صار ثابتاً عنه".
شراكة أم اختبار؟
أخيراً انضمت سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب كخطوة متقدمة في السياسة الخارجية وتبعاتها الأمنية والعسكرية، وعلى رغم ذلك يعتقد بعضهم بأن انضمام دمشق ليس صك براءة لها، فوجودها لا يضعها في خانة الشريك الكامل الموثوق للغرب والإقليم، إنما كطرف تحت أعين مراقبة أجهزة الاستخبارات العالمية.
أحد شيوخ "هيئة تحرير الشام" تحدث عن الموضوع رافضاً الكشف عن اسمه، ووصف انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بالحدث الذي أفضى إلى شرخ كبير في صفوف قيادات ومرجعيات وشيوخ الهيئة، ويبين أن "هناك تياراً صلباً داخل الهيئة يرفض هذا الانضمام تماماً، معتبراً إياه انقلاباً من الشرع على ماضيه ورفاق الأمس، بل تحالفاً مع ’الكفرة‘ في مواجهة أبناء ملّته وعقيدته، والأمر بعمومه ينسحب على مآخذ متعددة لهذا التيار على سلوك الشرع عامة في انفتاحه على الغرب وفي عشرات الملفات الأخرى وضمناً روسيا، واليوم الانضمام إلى هذا التحالف، إذ يرون أنه باعهم، وهذا التيار كان يبحث عن انتصار وسيطرة وهيمنة وإكمال لما هو أبعد وليس توقفاً وركوناً في قصر واستقبالات وزيارات ومواكب وتحالف مع الأعداء".
على أيّ جانبيه يميل؟
خلال الآونة الأخيرة سربت دول كثيرة قصصاً عن وصول الشرع إلى السلطة عبر توافق دولي تمّ عبر سلسلة اجتماعات إقليمية شاركت فيها الدول الفاعلة في الملف السوري، وبالنظر إلى حكم السلطة القائمة بعد مضي أكثر من عام على وجودها، تبدو المسألة معقدة بين ضغوط داخلية وخارجية، فروسيا أعلنتها صراحة أنها لن تسلم الأسد إلى المحاسبة وقد تجاوزت هذه النقطة منذ زمن، بل إن سوريا نفسها لم تطالب رسمياً بتسليم الأسد، وكذلك تعهدت سلطة سوريا أن تحفظ لروسيا امتيازاتها التي منحها إياها الأسد سابقاً على الأراضي السورية.
وأكملت تركيا عبر وزير خارجيتها هاكان فيدان حين شرح أخيراً خلال لقاء تلفزيوني قبل نحو أسبوعين طريقة مجيء الشرع إلى الحكم والشروط التي وضعت أمامه بقوله "اجتمعنا كبلدان المنطقة في عمان ثم القاهرة، وبعدها انضم الأوروبيون والأميركيون إلينا، وقلنا دعونا نحدد ماذا نريد من أية حكومة ستحكم دمشق، لنركز على أولوياتنا، وكانت، لا تهديد لدول الجوار، ولا تعاون مع منظمات إرهابية، ولا اضطهاد للأقليات وبقية المجموعات الدينية والعرقية، ووحدة وسلامة الأراضي السورية، وأوصلنا هذا إلى أحمد الشرع، وقلنا له ’هذه مطالبنا التي نريدها منك، فإذا استطعت الإنجاز فالجميع سيدعمك، وإذا لم تنجز فالجميع سيتوقف عن دعمك، وسنبدأ العمل ضدك‘، وهو رجل عقلاني سمع هذه المطالب وقبل بها، وبرأيي الجميع راضٍ إلى حد ما عما أنجزه".
وفي ظل الضغط الخارجي والداخلي، يبدو الرئيس أحمد الشرع أمام مفترق تاريخي يتحمل تأجيل الأسئلة الكبرى إلى مراحل لاحقة، لا يحاكمه التاريخ عليها بشفاعة أنّه جاء رئيساً في أكثر مراحل سوريا الزمنية تعقيداً وسوءاً، محاولاً الإصلاح بالقدر الذي يستطيع فيه، ويُستدل على ذلك من ختام كلام الوزير فيدان حول الرضا المعقول عن إنجاز الشرع حتى الآن.
الآن، يحاول الشرع بوضوح ألا يكون الرئيس الذي مزق سوريا وفككها إلى دويلات، محاولاً إدارة البلاد بالعقلانية المتاحة على رغم كم الضغط الواقع عليه ومسائل العدالة والبناء بين الماضي والحاضر والنصر وشروط استكماله الجامعة حتى تجاوز الفجوة العميقة بين السلطة والشارع وإيجاد مفهوم دائم لتعريف دور السلطة ووظيفتها ضمن عقد اجتماعي ودستور توافقي لا يغبن حق أحد من المكونات.