ملخص
الشركات الأجنبية تزاحمت على قطاع الطاقة لمكاسبه السريعة والهائلة والمضمونة، فظهر تحالف الشركات الدولية للهيمنة، وفي الدرجة الثانية كان قطاع البنى التحتية الجوية في المطارات والبحرية في الموانئ، ومن ثم الاتصالات، فبقية القطاعات.
مثلت لحظة سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 تغيراً محورياً ليس على المستوى السياسي والعسكري فقط، بل والاقتصادي المباشر الذي كان مكبلاً تماماً طيلة عقد ونصف من عمر حربٍ سابقة، أدخلت النظام وأذرعه في عزلة شبه كاملة عن الأنظمة العالمية المركزية والجانبية. التحول الاقتصادي بعد سقوطه كان قد تغذى مباشرة على تحولات جيوسياسية إقليمية وعالمية، صممت فيها دول العالم وأبدت نواياها المباشرة لرفع العقوبات القاسية عن سوريا، أو على الأقل إعادة تقييم جدواها في المرحلة الأولى. وهي التي بدأت تعاقب سوريا منذ عام 1979، وعززت هذا الإجراء في مرحلة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في عام 2005، وتبلورت بصيغتها النهائية، أي العقوبات الخارجية، وكانت الأقسى والأشمل والأكثر عنفاً بعد عام 2011، ووصلت ذروتها القاهرة أواخر عام 2019 عبر قانون قيصر الأميركي الذي أطبق الحصار النهائي على سوريا بحراً وأرضاً وجواً.
تلك العقوبات المتتالية والتي تخطت الـ2500 عقوبة دولية حتى لحظة سقوط نظام الأسد، كبلت أي قدرة لتدفق استثماري خارجي، ودفعت رأس المال الوطني للهرب خارجاً، وكذلك صار التعامل مع دمشق محظوراً، وأي متعامل معها سيرضخ لعقوبات شديدة. وجاء ذلك واضحاً في عقوبات أميركية لاحقة حملت اسم "مناهضة التطبيع مع نظام الأسد"، كان ذلك بعد قانون قيصر، وبالقرب من فترة إقرار حزمة عقوبات أخرى تتعلق بوضع كسوريا كأكبر مركز تصنيع مخدرات عالمي.
رفع العقوبات كان حلماً، إذ في تلك المرحلة افتقرت سوريا كثيراً واغتنى الأسد وأعوانه ودوائره الضيقة، فيما بات أكثر من 90 في المئة من شعبه تحت خط الفقر، بحسب الأمم المتحدة. وهكذا، حتى جاءت لحظة الخلاص بإزاحة النظام كاملاً، وإعادة صياغة الدول عامةً لشكل علاقتها المقبلة مع سلطات دمشق الجديدة التي حظيت بقبول ورعاية دوليتين.
الشركات المتسارعة
أخيراً، جمدت أميركا عقوبات قيصر تماماً، ثم ألغتها بشروط، ومعها زالت معظم أو كل العقوبات الدولية على سوريا. ومع إسقاط العقوبات، تلك بدأت الشركات الأجنبية تتشجع للاستثمار في سوريا، وسوريا هنا باتت أرضاً خصبة جداً للاستثمار على اعتبار أن أكثر من ثلثها مهدم، وأنها أشبه ببلد بلا مرافق وبنى تحتية، وبأن كل قطاع مهما بدا بسيطاً أو كبيراً فهو بحاجة لاستثمارات كثيرة وكثيرة، ببساطة سوق يتسع للجميع.
في الإطار، سارعت شركات عالمية كثيرة لتوقيع اتفاقيات استثمارية مع السلطات الجديدة، أبرزها كان في قطاع الطاقة، تحديداً مع شركة UCC Holding القطرية بقيمة سبعة مليارات دولار أميركي للاستثمار في مجال بناء شبكة محطات توليد طاقة، بقدرة كلية تصل إلى نحو 5000 ميغاواط من خلال أربع محطات تعمل بالغاز الطبيعي، إلى جانب محطة تعمل بالطاقة الشمسية، وستتمكن من دعم الشبكة بنحو 1000 ميغاواط، وذلك بعد مرور أعوام طويلة على معاناة عاشها السوريون بسبب انهيار قطاع الطاقة.
على خط الاستثمار ذاته، دخلت شركات عالمية أخرى في مجال الطاقة، ليتبلور حلف قطري– تركي– أميركي، ومن بين تلك الشركات International USA LLC الأميركية المتخصصة في استثمارات الطاقة، وKalyon GES Enerji Yatırımları AS وCengiz Enerji San. ve Tic. AS التركيتان المعروفتان بمجال تطوير وتشغيل مشاريع الطاقة.
كذلك وصلت الاستثمارات إلى قطاع البنية التحتية الرئيسة، إذ تقدمت شركة DP World الإماراتية بعقد بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس غرب سوريا، إذ يعتبر هذا الميناء من أهم موانئ المياه الدافئة وواحداً من أكثرها استراتيجيةً في موقعه. وجاء في الاتفاق أنه سيجري تشغيل وتوسعة مرافق الميناء وخلق مناطق صناعية محيطة ومراكز عبور واضحة للشحن.
ومرة أخرى، تقدمت شركة ucc holding القطرية رفقة شركات تركية مثل Kalyon Holding وCengiz Holding وTAV Construction، بعقد بقيمة أربعة مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي، وتعهدت بزيادة استيعابه لنحو 31 مليون مسافر سنوياً.
كانت تلك جملةً من أبرز الاتفاقيات الدولية مع السلطة السورية، والتي جاءت مبكرة نسبياً، واللافت أن كلها تقريباً لم تبدأ التنفيذ حتى الآن. ويشير اقتصاديون هنا لضرورة التفريق بأن معظم ما تم توقيعه مع السلطات هو في الغالب مجرد مذكرات تفاهم غير ملزمة لأي طرف بمعزل عن كمية التغطية الإعلامية التي حظيت بها، وحتى عن النية الصادقة للطرفين، والغاية الاستثمارية الربحية الضرورية لكليهما أيضاً، لكن عوامل إضافية تتدخل هنا، وعلى رأسها استتباب الأمن أولاً على الأرض.
يقول الخبير الاقتصادي منير وسوف: "لنفرض أن الدولة التي أرادت الاستثمار بمرفأ طرطوس ورأت مجازر الساحل في مارس (آذار) الماضي، ماذا سيكون موقفها؟ ستتريث قليلاً وتعيد حساباتها، كذلك لو جاءت شركة لتستثمر في غاز أو بازلت السويداء ورأت ما حصل هناك في يوليو (تموز) الفائت، فحتماً ستعيد حسابها. والأمر نفسه بالنسبة لسلة سوريا الاقتصادية من نفط وغاز وقمح شرق الفرات، وكذلك في أي مدينة أخرى. رأس المال جبان، هذه قاعدة اقتصادية ثابتة، لا يمكن لمستثمر أن يتجرأ على دفع دولار واحد وعمليات القتل والعنف مستمرة، المستثمر يحتاج بيئة آمنة تماماً لا لبس فيها ليضع كل جهوده داخلها. وسوريا اليوم لا توفر هذه الملاءة الآمنة للقادمين من الخارج، ملف الاستثمار لا يزال شائكا جداً. والآن زال اندفاع البدايات ونشوة الجني السريع، وبدأت الحسابات تصير أدق وأكثر استبصاراً".
قطاعات مغرية
بعد رفع العقوبات الدولية وفتح باب الاستثمار رسمياً للخارج في الداخل السوري، بدت قطاعات من دون غيرها كـ "نقاط تماس واشتباك اقتصادي"، وهي تلك التي تتراوح بين تحقيق طموحات وتطلعات السوريين وتلبية حاجاتهم بعد أعوام عجاف، وبين مطالب وتطلعات وقدرات المستثمرين. فالسوريون اليوم لا يرون أن بناء مولات ومجمعات سكنية فخمة وجزر عائمة واستيعاب عشرات ملايين المسافرين سنوياً في المطار وغيرها من مشاريع، هي في صلب اهتمامهم الرئيس، والجانبي حتى، بل يبحثون عن استثمارات في قطاعات حيوية، على رأسها الطاقة والاتصالات والنفط والغاز والفيول عموماً، والنقل والبنى التحتية الأساسية والأولية والخدمات اللوجستية والمشاريع التي تنعكس على حياتهم ويومياتهم مباشرة.
الشركات الأجنبية تزاحمت على قطاع الطاقة لمكاسبه السريعة والهائلة والمضمونة، فظهر تحالف الشركات الدولية للهيمنة، وفي الدرجة الثانية كان قطاع البنى التحتية الجوية في المطارات والبحرية في الموانئ، ومن ثم الاتصالات، فبقية القطاعات.
يرى المحلل الاقتصادي زكي درويش أن "الاستثمار هنا قائم على نقاط ارتكاز راسخة عالمياً حيال أي بلد دمرته حرب طويل، لذا فإن كل مشاريع الإعمار في أي قطاع هي رابحة بأي شكل، لكن مشكلة بعضها في طول مدة تنفيذه الزمنية ما يجعل انعكاسه على حياة الناس بطيئاً وغير ملموس. هذه الاستثمارات تدر إيرادات مليارية متسارعة للمستثمرين، لكنها تكون كعجلة تسير ببطء لا سيما بنظر المواطن الذي يصعب عليه تأمين قوته اليومي".
ويضيف "بغض النظر عن الرؤية العاطفية للمشاريع الكبرى تلك، لكنها نفسها تبدو مكبلةً بكثير من القيود وغير جاهزة للتنفيذ. فسوريا اليوم لا تملك بنية قانونية– تنظيمية– استثمارية واضحة المعالم، فالتحول الفعلي نحو اقتصاد السوق الحر والخروج من القيود الاشتراكية يتطلب تشريعات إصلاحية واضحة وضمانات لحماية رؤوس الأموال واستقراراً اقتصادياً ثابتاً وواضحاً في قيمة العملة نفسها وآلية تدويرها. ببساطة المناخ الاقتصادي حتى اليوم ليس مستقراً أو جاهزاً لمراحل إعادة إعمار فعلية، يمكن تنفيذ مشاريع صغيرة إلى متوسطة، لكن البحث بالمشاريع الكبرى مبكر حتى الآن".
شركات على الطريق
ثمة الكثير من الشركات الأجنبية التي أرسلت مؤشرات إيجابية لاحتمالية دخولها السوق السورية بمشاريع كبيرة، لكنها لم تدخل حتى الآن. تقارير عدة تتحدث عن نية شركات اتصالات ضخمة من بينها شركات خليجية الدخول إلى السوق السورية، ومن بينها من سيتولى عملية تطوير الألياف الضوئية، وهو مشروع يحتاج رأس مال كبيراً، ويتمكن من انتشال سوريا من واقع عتمة الاتصالات الذي تعانيه بعد حربها الطويلة، ولكن حتى الآن لا إعلانات رسمية، وإنما مجرد تسريبات وتوقعات. تلك التسريبات ذكرت على وجه الخصوص اهتماماً نوعياً من قبل شركات مثل "زين" الكويتية و"اتصالات" الإماراتية و"stc" السعودية و"Ooredoo" القطرية.
المعلومات تتحدث أن دمشق فعلياً مهتمة بهذا النوع من التطوير النوعي في مجال الاتصالات، وتبدي تسهيلات ورغبة عالية في التفاوض مع الشركات التي من المحتمل أن تقدم عروضها لاحقاً. ويربط خبراء على اطلاع بين نية تلك الشركات الأولية وربطها التزامها بتوافر عوامل الأمان والضمانات القانونية التي تحميها من التغول الداخلي أولاً، ومنعكسات إعادة العقوبات الدولية ثانياً في ما لو حصل ذلك.
السقوط في الفخ
في غمار حماسة السلطات السورية الجديدة لتوقيع اتفاقيات اقتصادية عالمية، قامت بتوقيع اتفاقيات بعشرات مليارات الدولارات مع شركات متعددة وفي قطاعات حيوية مختلفة، ليتضح سريعاً أنها لم تكن إلا شركات وهمية شاغلت السلطة وتلاعبت بها، وهي مجرد واجهات بلا شركات وأعمال وملاءة مالية وموظفين حتى. وفي تلك التواقيع جرى الاحتفاء والاحتفال بها على شكل نصر غير مسبوق، من دون أن يكون أحد من الفريق الاقتصادي السوري قد كبد نفسه عناء البحث في خلفية تلك الشركات، التي لا تملك مواقع إلكترونية أو عناوين بريد إلكتروني حتى.
إلى جانب ذلك التحايل، برزت شركات كانت عبارة عن واجهة أعمال لشركات أو أشخاص آخرين لا ترغب سوريا بالتعاقد معهم، أو هم لا يرغبون بالتعاقد معها بصورة مباشرة، وإلى جانبها أخذت شركات محسوبة على النظام السابق حصتها من بضعة تعاقدات، وذلك كله جرى أيضاً بعيداً من مراقبة المعنيين بالملف الاقتصادي.
إحدى الشركات أبرمت عقداً لبناء أبراج بدمشق بقيمة ملياري دولار وأخرى في الطاقة، وغيرها من مشاريع المترو، ولكن في النهاية، كانت الصدمة قاسية على الشارع والسلطة معاً.
أستاذ إدارة الأعمال رافي جميل يقول "توقيع اتفاقيات على مستوى دولة – شركة يتطلب أن تتمتع الأولى بالقوة القانونية والدستورية، وأن تتمتع الثانية -أي الشركة- بالقدرة المالية والتنفيذية والتاريخ المعروف، لا أن يكتفى بتصديقها من خلال تسويق نفسها إعلامياً، والأسوأ تصديقها لأنها قالت سأستثمر لديكم بمليارات الدولار، الدولة تفاضل، وبعد بحث موسع، تختار ما يناسبها، لا تختار أول عرض يأتيها. القضية هنا سيادية وتحمل أبعاداً كبيرة للغاية، سوريا سيعاد إعمارها، الفكرة ليست هنا، وإنما في أن يكون الإعمار بالشروط السورية، لا بتحكم رأس المال بها لأهداف قد تكون سياسية أحياناً".
العقبات الواضحة
المشكلة ليست بمن قدم عروضاً حقيقية للاستثمار فقط، ولا بمن ينوي الاستثمار مستقبلاً، ولا بمن مارس الخداع، بل بالعقبات التي تقف في وجه الاستثمار أساساً حين قراءة الملف من منظور أكثر اتساعاً. فهناك عقد بنيوية اصطدمت أو ستصطدم بها الشركات المستثمرة، بعيداً من القوانين والتشريعات، تحديداً تلك المتعلقة ببنية الدولة الهشة ومؤسساتها التي لا تقوى على الوقوف، إلى جانب الفساد المستمر والشفافية الغائبة وإعادة إنتاج التعسف البعثي في مصادرة رأس المال وفرض الشراكة والبنية التحتية المتهالكة أساساً، والتي لن تقوى لتكون داعمة لتفعيل مشاريع استثمارية أخرى هي أساساً خارج نطاق البنية التحتية، إذ إن كل الاستثمارات ستعتمد على البنية التحتية في ملفات كثيرة جداً، وهذه البنية في سوريا متآكلة فوق الحد الطبيعي. عدا عن التعقيدات الإدارية وطبيعة السلطة نفسها والمخاوف من إعادة فرض عقوبات غربية عليها في أي لحظة، وهي لحظات خبرتها شركات عالمية بعد الحرب السورية في عام 2011، حين خسرت كل شيء عندما رمت استثماراتها خلف ظهرها وغادرت سوريا مكرهة.
الأستاذ الجامعي في مادة الإحصاء وسيم عبارة يقول "هناك مشكلات كبيرة تراها الشركات المستثمرة في أي بلد ما بعد الحرب، ومعظمها يتعلق بضعف تشريعات البلد المضيف اقتصادياً وقوانين حماية المستثمرين فيه والتعويضات العادلة ومنع الاحتكار وضمان عدم المشاركة بالقوة أو الانقلاب على العقود، مع ضرورة وجود آلية تسوية نزاع وتحكيم متوافق عليه. ومن دون ذلك، فإن كل استثمار معرض لمواجهة عقبات بيروقراطية ستدفعه للانسحاب الفوري، علاوةً على قيود التحويل وربط النظام المالي السوري بالعالمي من جديد".
ويتابع "أمامنا أيضاً فوضى التراخيص وغياب وجود أهلية اقتصادية تخصصية للتعامل مع حساسية المستثمر، وانعدام البيئة الآمنة ومشكلات مؤسساتية وإدارية وغياب الرقابة وإجراءات بطيئة وتفضيلات سياسية وحسابات معقدة للسلطة نفسها، التعقيد الهائل في تقييم الجدوى الاقتصادية بين مدينة وأخرى تبعاً لنسبة الدمار فيها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المملكة كمستثمر صادق
يرى خبراء الاقتصاد السوري أن السعودية بعد عام من سقوط النظام السابق، تبدو أكثر جهة صادقة لناحية التعاقدات والجدية في دخول السوق السورية، مقارنة بعشرات الشركات الآتية من دول مختلفة، والتي طرحت نفسها كمنقذ، ولكنها لم تتحرك فعلياً على الأرض بشيء يمكن ذكره.
يشير أستاذ مادة الاقتصاد السياسي في كلية الحقوق بشر عزيز أن "السعودية تملك رؤية منهجية واستراتيجية واضحة في وضع واختيار مشاريعها بما يخدم سوريا والسوريين، ليتجاوزوا محنتهم عبر ثلاثة انعكاسات أولها اقتصادي والآخر إنساني والثالث تنموي، فتضمن تمويلاً صادقاً والتزاماً بمواعيد واضحة وخططاً تنفيذية متفق عليها. الرياض لم تبحث عن الظهور الإعلامي، درست الواقع والاحتياجات بدقة وتقدمت بعروضها بصورة شفافة، ما جعلها أكثر مصداقية من شركات أخرى اكتفت بطرح أرقام مليارية من دون ضمانات أو بدء تنفيذ حقيقي".
كل ذلك تمثل العام الفائت بزيارة جدية من وزير الاستثمار السعودي، الذي جاء مع وفد مكون من 150 شخصاً يمثلون القطاع العام والخاص، للبحث في الفرص الاستثمارية في سوريا. وهنا تكمن جدية البحث قبل التنفيذ، لذلك انبثقت من تلك الزيارة تفاهمات عميقة وواضحة.
ماذا بعد عام؟
باختصار، يمكن القول إن سوريا اليوم أكثر بلد جاهز للاستثمار فيه (نظرياً)، وذلك لأنه تلمس طريق الهدوء النسبي بعد حرب طويلة، بخلاف دول هي بذات الحاجة للاستثمار لكن الحرب ما زالت مشتعلة فيها بضراوة كالسودان مثلاً. لكن المشكلة تكمن في أن عاماً كاملاً مر من دون تحرك فعلي شامل على الأرض، قياساً بتعداد شركات كثيرة للغاية وقعت مذكرات تفاهم أو عقوداً للعمل.
والخلاصة: الشركات كثيرة، العقود أكثر، الاندفاع بلغ ذروته قبل منتصف 2025، شركات قالت إنها دخلت، وأخرى تتريث قبل الدخول. كل التقارير الصحافية عناوينها تكاد تنحصر في جملة: "السلطات السورية أعلنت عن استثمارات بقيمة كذا".
ولكن من بدأ بالتنفيذ فعلاً؟ وأمام هذا السؤال يمكن العودة لسؤال آخر: من بين الجميع، من ينوي فعلاً دفع سوريا إلى الأمام ومن تراجع واكتفى بالمهرجانات الإعلامية؟