Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سجال بين القضاة و"العدل" الموريتانية يفجر سؤال الاستقلال

قاض يرفض تنفيذ أوامر خارج الدوام الرسمي والمفتشية العامة تؤنبه وناديه يطالب الرئيس بالتدخل

حرب البيانات بين وزارة العدل ونادي القضاة أظهرت تبايناً واضحاً في الرؤى حول الشأن القضائي في البلاد (مواقع التواصل)

ملخص

بين سجال البيانات بين الوزارة ونادي القضاة، والاتهامات المتبادلة على رؤوس الأشهاد، وجد القضاة أنفسهم أمام امتحان عسير، فإما الدفاع عن استقلالهم، أو الانزلاق في دوامة التأويلات والتجاذبات والأخذ والرد في إطار مبدأ فصل السلطات الذي ينص عليه الدستور الموريتاني.

في واحدة من أكثر اللحظات توتراً في المشهد القضائي الموريتاني، بدا أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف إداري عابر بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة بين نادي القضاة ووزارة العدل الموريتانية، ممثلة في المفتشية العامة للإدارة القضائية والسجون.

القصة بدأت بضغط وُصف بغير المشروع على قاضٍ جالس (أي الذي لا يخضع في قراره لأية سلطة إدارية وفق النظام القضائي الموريتاني) في محافظة البراكنة وسط موريتانيا، لكنها سرعان ما اتسعت لتصبح سجالاً حول استقلال القضاء، وحدود التفتيش، ومكانة المؤسسات الدستورية في دولة القانون.

وبين سجال البيانات بين الوزارة ونادي القضاة، والاتهامات المتبادلة على رؤوس الأشهاد، وجد القضاة أنفسهم أمام امتحان عسير، فإما الدفاع عن استقلالهم، أو الانزلاق في دوامة التأويلات والتجاذبات والأخذ والرد في إطار مبدأ فصل السلطات الذي ينص عليه الدستور الموريتاني.

جذوة الخلاف

أشعلت إجراءات قضائية روتينية في مدينة الاك عاصمة محافظة الاك الموريتانية، بوادر أزمة مهنية بين وزارة العدل والمفتشية العامة للقضاء من جهة، وقاضي التحقيق بالولاية يعقوب أحمد المصطفى من جهة أخرى، على خلفية رفض الأخير تنفيذ أوامر بالإفراج عن مساجين خارج أوقات الدوام الرسمي، وفق وسائل إعلام محلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعود تفاصيل الملف إلى أواخر الشهر الماضي، حين كان قاضي التحقيق يباشر ملفين قضائيين؛ أحدهما يخص ستة مساجين توصل أطراف النزاع فيه إلى صلح قبيل أيام من تفجر الأزمة. وفي اليوم نفسه، تلقى القاضي ذاته اتصالات هاتفية مكثفة من وكيل الجمهورية، والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف بالمحافظة، والمفتش العام للقضاء، يطالبونه بالتوجه فوراً إلى مكتبه لاتخاذ إجراءات الإفراج الموقت عن المعنيين، مشيرين إلى أن هذه الطلبات تأتي بتنسيق مع وزير العدل.

وتقول المصادر المحلية إن قاضي التحقيق رفض الاستجابة لهذه الطلبات، مؤكداً تمسكه بمزاولة عمله خلال أوقات الدوام الرسمي فقط، ورفضه اتخاذ أي إجراء قضائي خلال عطلة نهاية الأسبوع، على رغم تكرار الطلب عليه بصفة استعجالية.

وفي أول يوم من الدوام، باشر القاضي تصرفه في الملف ومنح السجناء المعنيين إفراجاً موقتاً وفق ما رآه مناسباً للمسطرة القانونية؛ لكن في اليوم الموالي تصاعدت حدة التوتر، إذ وصلت بعثة من المفتشية العامة للقضاء قادمة من العاصمة إلى مكتب القاضي، ونقلت المصادر أن المفتش أبلغ القاضي استياء الوزير من موقفه، معتبراً أنه "من غير المقبول رفض قاضٍ تنفيذ إجراء طلبه منه رؤساؤه"، وهو ما اعتبره القاضي مساساً مباشراً بمبدأ الفصل بين السلطات.

الاعتذار أو التصعيد

في الوقت الذي كان القضاة يتطلعون إلى اعتذار رسمي من وزير العدل الموريتاني محمد اسويدات، بعد ما اعتبروه مساساً باستقلالهم وضماناتهم الدستورية، لم يحدث ذلك، فما كان من نادي القضاة إلا أن أصدر بياناً قال فيه إن "قاضي التحقيق غير ملزم قانوناً بالعمل خارج الدوام الرسمي، كذلك تقدير حالات الاستعجال اختصاص حصري لقاضي الموضوع لا يخضع لرقابة السلطة الإدارية".

وطالب البيان بفصل المفتشية عن تبعية وزير العدل وإلحاقها بالمجلس الأعلى للقضاء، محذراً من أن التدخلات غير المشروعة تشكل خرقاً صريحاً للدستور وتقوض ثقة المواطنين في المنظومة القضائية.

ووجّه نادي القضاة نداءً إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، للتدخل بوصفه الضامن لاستقلال القضاء، وإصدار تعليماته بالكف عن هذه الممارسات، والإسراع بتعديل النظام الأساسي للقضاء الذي لم يعد يحتمل التأخير.

في هذه الأثناء سرعان ما أعلن المكتب التنفيذي للنادي تضامنه مع القاضي يعقوب أحمد المصطفى، ملوّحاً بإجراءات تصعيدية دفاعاً عن استقلال القضاء، في خطوة بدت وكأنها تعكس حجم الاحتقان داخل الجسم القضائي.

مفتشية القضاء ترد

على الجهة الأخرى، خرجت المفتشية العامة عن صمتها في بيان نفت فيه استهداف القضاة، واعتبرت وصف التفتيش بأنه "مساس باستقلال القضاء" مجرد "ادعاء باطل". مؤكدة أن التفتيش إجراء بقوة القانون يهدف إلى ضمان استقلال القضاء وحماية القضاة من أية مساءلة غير مشروعة.

يرى الناشر لصحيفة مهتمة بالشأن القضائي حمادة أحمد إديدبي، أن "حرب البيانات بين وزارة العدل ونادي القضاة الموريتانيين أظهرت تبايناً واضحاً في الرؤى حول الشأن القضائي في البلاد، ذلك أن هناك تدخلاً من السلطة التنفيذية في عمل القضاء عبر آليات إدارية كالمفتشية والتحويلات، مما جعل العاملين في سلك القضاء يُطالبون بتعزيز الضمانات الدستورية لاستقلال القضاة، بينما ترى الوزارة أن إجراءاتها تدخل ضمن مسار إصلاح المنظومة القضائية وتحسين أدائها".

وفي ما يتعلق بالتحويلات التي يقول القضاة إنها تعسفية في كثير من الأحيان، يؤكد إديدبي أنها "أسهمت نسبياً في تهدئة الاحتقان، لكنها لم تنه الخلاف الجوهري بين الطرفين؛ إذ أصدر النادي تقريره السنوي متضمناً انتقادات لسياسة تحويل بعض القضاة، واعتبرها أحياناً عقوبة ضمنية تطاول القاضي الذي لا يحتكم إلا لقناعته ويرفض الخضوع للضغوط الخارجية، بخاصة من الجهاز التنفيذي، وهو ما أبقى العلاقة بين النادي والوزارة في دائرة التوتر على رغم محاولات الاحتواء."

المزيد من تقارير