Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحذير صيني للديون الأميركية: احتراز أم انقلاب استراتيجي؟

متخصصون يستبعدون المساس بمكانة سندات الخزانة للولايات المتحدة ويؤكدون استمرار هيمنة العملة الخضراء على التجارة العالمية

انخفضت حيازات المستثمرين الصينيين من سندات الخزانة الأميركية  إلى 682 مليار دولار في 2025 (اندبندنت عربية)

ملخص

أسهمت الأخطار الجيوسياسية، بما في ذلك تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شأن غرينلاند، في تعميق القلق ودفع المستثمرين نحو أصول بديلة مثل الذهب.

في ظل تصاعد الضبابية الاقتصادية العالمية وتزايد التقلبات في أسواق المال، تعود تحركات كبرى الاقتصادات إلى واجهة النقاش، ولا سيما تلك المتعلقة بإدارة الاحتياطات الأجنبية وتوزيع الأخطار.

فمع تداخل العوامل النقدية والجيوسياسية، باتت قرارات البنوك المركزية والجهات التنظيمية محل متابعة دقيقة من قبل المستثمرين والأسواق العالمية.

وأمس الإثنين، حثت الجهات التنظيمية في الصين المؤسسات المالية على تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بأخطار التركّز وتقلبات السوق، وفقاً لـ"بلومبيرغ".

ودعا المسؤولون البنوك إلى الحد من مشتريات السندات الحكومية الأميركية، وأصدروا تعليمات للبنوك ذات الانكشاف العالي بتقليص مراكزها.

وعلى أثر القرار الصيني ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل على خلفية مخاوف من قيام البنوك الصينية بتقليص حيازاتها من السندات الحكومية الأميركية.

وعلى رغم أن هذه التوصيات قُدمت في إطار تنويع الأخطار، فإنها تعزز اتجاهاً عالمياً حديثاً شهد قيام دول مثل الهند والبرازيل بتقليص انكشافها على أكبر سوق سندات في العالم، وسط تزايد الشكوك في شأن جاذبية الأصول الأميركية.

كذلك أسهمت الأخطار الجيوسياسية، بما في ذلك تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شأن غرينلاند، في تعميق القلق ودفع المستثمرين نحو أصول بديلة مثل الذهب.

وزادت الضغوط على الأصول الأميركية بفعل تداعيات موجة بيع ذات دوافع سياسية في السندات الحكومية البريطانية، إلى جانب إصدار ضخم لسندات مقومة بالدولار والجنيه الاسترليني من شركة "ألفابت"، المالكة لـ"غوغل".

وبحسب بيانات رسمية أميركية، انخفضت حيازات المستثمرين الصينيين من سندات الخزانة إلى 682 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ عام 2008، مقارنة بذروة بلغت 32 تريليون دولار في أواخر عام 2013.

وفي المقابل، ارتفعت حيازات بلجيكا (يُعتقد أنها تشمل حسابات حفظ صينية) إلى 481 مليار دولار، أي أربعة أضعاف مستواها في نهاية 2017.

وعند احتساب استثمارات الصين في سندات الوكالات الأميركية والأسهم، فإن إجمالي استثماراتها في الأوراق المالية الأميركية ظل مستقراً نسبياً منذ أواخر عام 2023.

فهل تعكس الخطوة الصينية مجرد إجراء احترازي لإدارة الأخطار، أم أنها مؤشر أعمق على تحول استراتيجي قد يعيد رسم ملامح الطلب العالمي على الأصول الأميركية ويؤثر في مكانة الدولار على المدى الطويل؟

"القرار الصيني يحمل أبعاداً سياسية"

وقال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات وضاح الطه، إن دعوة الجهات التنظيمية في الصين المؤسسات المالية إلى تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية لا تخلو من بُعد سياسي، على رغم محدودية تأثيرها المالي المباشر. وأوضح الطه، في تصريحات لـ"اندبندنت عربية"، أن الصين، وعلى رغم تقليص حيازاتها خلال السنوات الماضية، لا تزال من بين أكبر حاملي سندات الخزانة الأميركية، مشيراً إلى أن أحدث البيانات تظهر امتلاك بكين أكثر من 765 مليار دولار من هذه السندات. وأضاف أن الأثر المالي لمثل هذه الخطوات يكاد يكون صفرياً، نظراً لأن الدول الحائزة لسندات الخزانة الأميركية تحصل على فوائد مضمونة، مؤكداً أن اليابان لا تزال تحتل المرتبة الأولى عالمياً بحيازات تتجاوز تريليون دولار، تليها الصين، ثم دول أخرى تُعد في معظمها حليفة للولايات المتحدة. واستبعد الطه أي سيناريو يستهدف المساس بقيمة أو مكانة سندات الخزانة الأميركية، معتبراً أنها لا تزال تمثل حجر الأساس للنظام المالي العالمي، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن النقاش الاقتصادي والنقدي الأوسع يتعلق بتأثير هذه التحركات في الدولار الأميركي.

ولفت إلى تجربة روسيا في عام 2014، عندما خرجت من قائمة أكبر 30 دائناً للولايات المتحدة، وقامت بتصفية كامل حيازتها من سندات الخزانة الأميركية، التي كانت تتراوح آنذاك ما بين 112 و114 مليار دولار، واستبدلتها بشراء الذهب. واعتبر الطه أن هذا القرار كان صائباً في ذلك التوقيت، ليس بسبب ضعف الدولار، بل نتيجة مخاوف موسكو من احتمال تجميد أصولها أو فرض عقوبات عليها عقب ضم شبه جزيرة القرم. وأكد أن الخطوة الروسية لم تكن نابعة من انهيار في قيمة الدولار الأميركي، وإنما من اعتبارات سياسية وأمنية تتعلق بحماية الاحتياطات السيادية. وفي ما يخص الصين، شدد الطه على أن التوجه الحالي لا يخلو من أبعاد سياسية تهدف إلى ممارسة نوع من الضغط على الولايات المتحدة، ضمن مساع أوسع من بكين لتعزيز مكانة اليوان الصيني وتدويله، ليقترب من دور اليورو والدولار في التجارة العالميةK غير أنه أشار إلى أن الواقع الحالي لا يزال يميل بقوة لمصلحة الدولار، إذ تتم نحو 80 في المئة من التجارة العالمية، التي تتجاوز قيمتها 30 تريليون دولار، باستخدام العملة الأميركية.

وختم الطه بالإشارة إلى أن التأثير الأبرز في المرحلة المقبلة لن يكون مرتبطاً بحيازات السندات بقدر ما سيكون مرتبطاً بسياسة أسعار الفائدة الأميركية، موضحاً أن الرئيس دونالد ترمب يسعى إلى خفض الفائدة، مما يعني عملياً الضغط على قيمة الدولار، بهدف تعزيز تنافسية الصادرات الأميركية، وهو الهاجس الأساس للسياسة الاقتصادية الحالية.

"خطوة استباقية لتقليل الأخطار"

وقال المحلل الاقتصادي الكويتي محمد رمضان إن حث الجهات التنظيمية في الصين المؤسسات المالية على تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية يمكن وصفه بـ"الخطوة الاحترازية"، في إطار مساعي بكين لتقليل الأخطار المتزايدة في الأسواق العالمية. وأوضح رمضان أن الصين تُعد من أكبر حائزي السندات الأميركية عالمياً، مما يجعل أي تحرك من هذا النوع جزءاً من إدارة الأخطار، لا سيما في ظل تراجع قيمة الدولار الأميركي وارتفاع عوائد السندات، الأمر الذي يؤدي في الوقت نفسه إلى انخفاض قيمتها السوقية. وأشار إلى أن هذه الخطوة جاءت في ظل غياب الوضوح في شأن السياسات الاقتصادية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي قد تدفع بحسب التقديرات إلى مزيد من الضغوط على الدولار الأميركي خلال الفترة المقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أضاف رمضان أن ترمب يكرر في تصريحاته رغبته في رؤية دولار قوي، "لكن على أرض الواقع ما يريده فعلياً هو دولار أضعف لدعم الصادرات الأميركية وتعزيز تنافسيتها"، معتبراً أن هذه النقطة تمثل جوهر السياسة الاقتصادية الحالية. وأكد أن التحرك الصيني يُعد استباقياً، كذلك أنه ينسجم مع التوجه العام للصين ودول مجموعة "بريكس" الرامي إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، وهو توجه قائم منذ سنوات وليس تطوراً جديداً. وشدد رمضان على أن هذه الخطوة لا يمكن اعتبارها "كارثية" للأسواق، إذ من الصعب على الصين أو غيرها التخلص من كامل حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية دفعة واحدة، غير أن تقليص هذه الحيازات يمكن أن يتم بصورة تدرجية وعلى مدى زمني طويل، بما يسمح بخفض التعرض للسندات الأميركية بصورة كبيرة من دون إحداث صدمات حادة للأسواق.

"مخاوف من تراجع استقلالية الاحتياط الفيدرالي الأميركي"

من جهته، قال المحلل المالي حسن الريس، إن عام 2025 شكّل مرحلة مليئة بالتحديات المالية غير المنظمة على مستويات عدة، مشيراً إلى أن عدداً من الدول بدأ بمراجعة متطلبات احتياطاته من العملات الأجنبية، من خلال اعتماد سياسات تنويع أوسع ضمن أنظمته النقدية. وأوضح الريس أن هذا التوجه بات أكثر وضوحاً في الاقتصادات الآسيوية الكبرى، إلا أنه يُلاحظ أيضاً، وإن بدرجة أقل تنظيماً، في بعض الدول الأصغر حجماً. وأضاف أن هذا التحول يترافق مع تقليص حيازة السندات الأميركية وأدوات الخزانة الأميركية، مقابل زيادة الانكشاف على المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الذهب، إضافة إلى اليورو. وأشار إلى أن عدداً من الدول، حتى على نطاق محدود، بدأ باتباع الاستراتيجية نفسها بهدف خفض الاعتماد على الدولار الأميركي ضمن احتياطاتها من العملات الأجنبية، واستبداله جزئياً بالذهب واليورو. ولفت إلى أن هذه السياسة قد تسهم تدريجاً في الضغط على قيمة الدولار، لكنها في المقابل قد تدعم القدرة التنافسية للصادرات الأميركية. وبيّن الريس أن بعض التحليلات تعزو هذه التحركات إلى مخاوف من تراجع استقلالية الاحتياط الفيدرالي الأميركي، إلا أنه شدد على أن هذا الطرح يبقى محل جدل واسع. وتابع، في تحليله الشخصي، أن الدولار الأميركي لا يزال حتى اليوم العملة الأولى عالمياً، ومن المرجح أن يحتفظ بهذا الدور لسنوات طويلة مقبلة، محذراً من أن تقليص التعرض للدولار من دون دراسة معمقة قد ينعكس سلباً على ميزان التجارة واستقرار العملات في أي دولة.

وفي ما يتعلق باستقلالية البنوك المركزية، تساءل الريس: "أي بنك مركزي في العالم يتمتع باستقلالية كاملة بنسبة 100 في المئة؟"، معتبراً أن النظام الاحتياط الفيدرالي الأميركي يظل من بين الأكثر استقلالية عالمياً. وأشار إلى أن قوة الدولار لا تستند فحسب إلى السياسة النقدية، بل أيضاً إلى حرية التجارة، وثقة المستثمرين في أسواق رأس المال الأميركية التي تضم مؤسسات مالية كبرى، إضافة إلى قوة النظام القضائي الأميركي، وهي عناصر يصعب توافرها مجتمعة في أماكن أخرى. كذلك لفت إلى الدور المحوري لمؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية الأميركية، التي توفر حماية للودائع بالدولار تصل إلى 250 ألف دولار، مما يعزز الثقة العالمية بالعملة والنظام المصرفي الأميركي.

اقرأ المزيد