Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 استعادة مارون عبود الأديب اللبناني الموسوعي الرائد

جمع بين فن السرد والنقد الادبي والاجتماعي التنويري في مرحلتي النهضة والحداثة

الأديب اللبناني مارون عبود (مؤسسة الكاتب)

ملخص

يحتفل الوسط الأدبي في لبنان بالأديب مارون عبود في مناسبة الذكرى الـ140 لرحيله، وعبود الذي يسمى "شيخ الأدباء"، هو من أبرز الأدباء اللبنانيين ورائد من رواد القصة القصيرة والرواية والنقد الأدبي، وأثره تجاوز لبنان إلى بلاد العرب، وكانت مقالاته المنشورة في درويات عربية تسهم في إحياء سجال نقدي شامل.

 في مناسبة الذكرى الـ140 لولادة الأديب اللبناني مارون عبود (1886-1962)، والـ64 لوفاته، نستحضر قامة أحدثت أثراً عميقاً في السياق الأدبي العام للأدب العربي في لبنان، والبلاد العربية. ونعيد التذكير، بما بات معروفاً ومتداولاً، بولادة الكاتب في قرية من بلاد جبيل، تسمى عين كفاع، ووسط عائلة ذات كفاف وسمعة حسنة، ذاك أن أباه كان كاهناً خادماً لرعيته، يدعى حنا عبود.

ولد مارون عبود أواخر القرن الـ19، في زمن ضاقت الدنيا بسكان جبل لبنان، فراحوا يهاجرون إلى بقاع الأرض، ولا سيما إلى الأميركتين، طلباً للرزق، وهرباً من القلاقل والتعسف، وكساد المواسم، وفشل نظام المتصرفيات والقائمقاميات في توفير الاستقرار لجبل لبنان المضطرب، هذا كله قبيل المجاعة الكبرى التي أهلكت أكثر من ثلث السكان.  

على أن تربية مارون عبود الدينية المحافظة، وإقامته أربع سنوات في التعليم الداخلي، في مدرسة كفرحي لإعداد الكهنة، ما كانت لتجعله متزمتاً، ولا حالت دون تشربه روح النهضة العربية الحاملة في طياتها كل ميل إلى الجمال والحق والحرية والخير والالتزام في خدمة الأجيال. وقد سمى وليده الأول باسم محمد، إيماناً منه بالعلمانية والفكر التنويري. مارس عبود تعليم اللغة العربية 36 عاماً في مدرسة عاليه الوطنية التي أنشأها المعلم بطرس البستاني لكل فئات الشعب اللبناني، وأرسى نهج الأدب الشاهد على عصره وزمانه وبيئته، المتمثل في المروحة الواسعة من الميادين التي كتب فيها، التي تثبت موسوعيته التي يحتفي بها النقاد.

تحديات الكاتب

إذ نستذكر، اليوم، مارون عبود، تحضرنا أعماله التي تجاوزت 60 مؤلفاً مطبوعاً، ما عدا أكثر من 15 مخطوطة لم تطبع بعد، ولا حظيت ببعض الدرس لدى الباحثين. ولعل هذا الإرث ما يطرح على متتبعيه معاودة النظر لمجمل نتاجه، من حيث البيئة والإطار الزمني الذي أحاطه، أو حفزه على ذلك. ومن ثم، يتوجب على الناظرين في أعماله أن يتبصروا في الآفاق التي بلغها أديبهم، وفي التحديات التي طرحها على الأجيال اللاحقة، من الكتاب والقراء، سواء على صعيد الجمع بين المحكية والفصحى، الإشكالية الكبرى في أدبنا العربي من المحيط إلى الخليج، والعناية باللغة العربية السردية، اقتصاداً، وتركيزاً بلاغياً، وتموسقاً، وتناغماً مع أصيل الأصيل فيها، على أن تكون حديثة، وعصرية لا لبس فيها. ومن تحديات مارون عبود أن تنسج الصلة الفريدة، في الأدب، بين المحلية والعالمية، وبين الخصوصية اللبنانية وبين الأفق العربي الأوسع، وأن يخوض الأديب في الأنواع كافة (القصة، والمقالة، والمسرح، والرواية، والتأريخ، والشعر، ...)، ويكون مبدعاً في كل منها. والتحدي الأخير، لا النهائي، هو أن يحمل الأديب، في قلبه أولاً، وعبر قلمه ثانيا، أفكاراً جليلة جديرة بالجدال في متون أعماله، وأن يتبنى آلام الناس البسطاء الذين عايشهم، وأحبهم، وأحبوه، وقاسمهم المصير والأمل والرجاء، في سبيل تجسيدها، وبناء نماذج.

بين الواقعية والفكر المطلق

لقد شاعت، في بعض الأعمال النقدية، عن أدب مارون عبود، ولا سيما في أعماله القصصية ("وجوه وحكايات"، و"مغاور الجن"، و"أقزام جبابرة"، وغيرها) أوصاف، أخطرها أنها اختصت بواقع الريف اللبناني ذي الطابع المحدد بانتماء صاحبه، فأنكرت عليها طابع الواقعية العام، وشمول تمثيلها فئات الشعب اللبناني بتنوع فئاته وانتماءاته. ولئن صح بناء الكاتب إطار قصصه المكاني على صورة واقعه الريفي، الذي عاش فيه وأحبه، وشاء تجسيد شخوصه في نماذج لا تنسى، نظير ما في قصص (معاز الضيعة، وجان أفندي، وأم لطوف، وصلاة نائب)، فإنه أخرجها، بنهجه الانتقائي الفريد، وأساليبه المختلطة والمدروسة بعناية، على صورة واقعية تكاد تكون ملموسة، فإنه بث هؤلاء الشخوص ما يجعلهم ناطقين بلسان الإنسان في كل زمان ومكان، فربط مصائرهم بمصائر إخوانهم البشر، أياً كانوا وأينما وجدوا.

وفي مقابل الطابع المحلي في قصص عبود، وصورتها الإنسانية المتعاكسة، يجهد الكاتب في قصص أخرى، من المجموعة القصصية نفسها، بفتح أفق للمطلق، ولما بعد الوجود، وللخارق، في قصص، مثل "دايم دايم"، على سبيل المثال، إذ يعالج الكاتب الحدود الملتبسة بين التقليد والمعتقد، وبين الإيمان والواقع، وبين المحدود والمطلق. وفي قصة "وجه غريب" ينطلق الكاتب من واقع مكاني، هو مدرسة عاليه حيث كان يدرس، ليدخل عليه شخص، من فلسطين، كان يبحث عن ابنه بين الجموع، وقد تبين له من الحوار بينهما أن هذا الشخص إن هو إلا القديس يوسف، وأنه يبحث عن المسيح فلا يجده. وفيها يتأمل القاص في مكانة المربي المهملة، يقول على لسان يوسف: "ما عرفتني، ولا عرفت ابني، حططتم من قدري جداً لتعظموا ابني وأمه، ونسيتم فضل المربي".

وما القول في قصة "نفخ نفخ" التي يجعل فيها الحيوانات أرأف من البشر، وأقل عدواناً وفتكاً منهم، إذ تتحاور في ما بينها، وهي حول مذود الطفل يسوع، يوم ميلاده، وتدعو بعضها بعضاً إلى الزيادة في النفخ على المولود ليدفأ.

لن نستعيد القصص في كتبه الأخرى، من مثل "أقزام جبابرة"، و"مغاور الجن"، وغيرهما، حسبنا أن نضيء على توقعات القراء منها، والإلماح إلى لغتها القصصية الفريدة التي قال عنها الياس أبي شبكة "بدعة له"، لاستحقاقها مزيداً من النظر والاعتبار.

يمكن قول كثير عن عالم مارون عبود القصصي الذي بات سجلاً للواقع الريفي، وللإنسان في تطلعاته وقضاياه وآرائه ومخاوفه ومعتقداته، وخيباته من المدينة والمدنية، وفي تعبيره الأولي عن "وجدانه التعيس" لما أصاب المصير الإنساني من تدمير وشرور بفعل الحروب والانقسامات المهلكة. ولا شك أن أجيال القصاصين اللاحقين، من أمثال توفيق يوسف عواد وميخائيل نعيمة، وغيرهما سيكون لهم الحظ في الانطلاق من النقطة التي بلغها مارون عبود في تثبيت رؤيته وعالمه وقضاياه.

بين الانتماء اللبناني والعروبة

قد يغيب عن ذهن كثيرين أن مارون عبود، وإن يكن مولوداً على الطائفة المارونية المسيحية، وابناً للخوري حنا عبود أواخر القرن الـ19، أنه سليل رجالات النهضة الأوائل، الذين رفعوا رايات الوطنية والقومية أعلى بكثير من انتماءاتهم الدينية التي نزلت عليهم كالأقدار التي لا شأن لهم بها. وأنه، على غرار رعيل رجال النهضة الأوائل، كان دأبه إصلاح الإنسان العربي، وتقويم فكره، ونظرته إلى العالم، وتنبيهه إلى ذاته، وإيقاظ قدراته، ربطاً بنهضة الجماعة، والأمة، والوطن، على نهج العلامة النهضوي الأول بطرس البستاني. وكان الرائد البستاني لم يكتف بتلبية دعوة من سبقه من رجال النهضة (إبراهيم اليازجي) إلى إحياء الفكر العربي وتأسيس حلقات من الوعي العلمي، عبر إنشاء المجلات، والجرائد (نفير سورية)، ودوائر المعارف، بل تجاوزها أيضاً إلى تأسيس المدارس الوطنية (في عاليه) المختلطة بين الطوائف، رداً على الانقسامات الأهلية الحاصلة، في جبل لبنان أواسط القرن الـ19.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا ما قام به سليل النهضة مارون عبود، إذ يتولى تدريس كل فئات الوطن اللغة العربية، في مدرسة عاليه الوطنية، على امتداد 36 سنة متواصلة، حاملاً في خلالها لواء الوطنية الحقة، وكاتباً في شؤون الشعب وشجونه، وفي تواريخ بيروت، وبعض رجال الإصلاح فيه (كتاب الشعب، وزوابع، وبيروت ولبنان منذ قرن ونصف القرن، ونقدات عابر، وفارس آغا، وغيره)، طامحاً في أن يجمع بنفسه بين السيرة النهضوية، وبين العقل النهضوي الراسم بالأدب صوراً واقعية عن الذات والآخر، يتفاوت افتراقها عن المثال المرتجى، من دون أن يغيب هذا الأخير عن النظر والاعتبار. وإلا يسارع إلى تحويل وجهة الأدب إلى الانتقاد الصارخ واللاذع والمتهكم، على كل ما يبقي على الفساد، ويديم ظواهره، ويبطل التمييز بين صالح الموظفين وطالحهم.

وماذا ترانا نقول عن بدعة مارون عبود في تسمية ابنه البكر "محمداً"؟ أتدخل في باب التدين، وهو مؤمن صادق بالمسيح؟ وهو الذي أنشد في المناسبة قصيدة عصماء نقتطف بعضا منها. يقول فيها: "عشت يا ابني عشت يا خير صبي/ ولدته أمه في رجب/ فهتفنا واسمه محمد/ أيها التاريخ لا تستغرب/ خفف الدهشة واخشع إن/ رأيت ابن مارون سمياً للنبي".

بين الموسوعية والالتزام

ماذا يمكن أن يقال عن أعمال منشورة لمارون عبود، قد تثير نقاشاً آخر مستفيضاً، مثل رواية "الأمير الأحمر" التي يعرض فيها المؤلف رؤيته لآلية التسلط في الحكم، عبر إطار تاريخي مختلق، وربما يكون مستمداً من أخبار صراع الأميرين الشهابيين (بشير، وجنبلاط) في جبل لبنان، في القرن الـ19، أواسطه لما اشتد الخناق على الفلاحين، في جبل لبنان، إثر عاميتين (ثورتين) قمعتا بالقوة من المير بشير الشهابي، موكلاً من العثمانيين، في حينه؟

وماذا أيضاً في آرائه التربوية واستشرافه أزماتها، والحلول، برؤية المربي القادر والعالم والمتبصر في نفسية المتعلم، والمحب لغته العربية الأم، التي ضمها كتابان وهما "سبل ومناهج" و"آخر حجر"، والتزم فيها جانب الطالب وشخصيته، والمربي، والشجرة، وجانب الفقير، ومارون الواحد لا الـ67؟ وماذا عن فن المقالة الذي وشحه بالسرد والحوار والتعليق، والتفنن البلاغي، في كثير من كتبه، من مثل مجددون ومجترون، وعلى الطائر، وفي المختبر، وجدد وقدماء، ورسائل وأحاديث، وغيرها؟ وعلى ظني فإن لعبود نهجاً في كتابة المقالة فريداً، يستوجب مزيداً من النظر والبحث والاستخلاص.

ثم ماذا عن التاريخ الذي عاشه، وذويه، قبل أن يسطره في كتب، مثل: بيروت و لبنان منذ قرن ونصف قرن، وعن وفائه لرواد النهضة الأوائل، في كتابين: رواد النهضة الحديثة، وأمين الريحاني، وقد خص الأخير بقسط أكبر من التقدير لاتفاق في الرؤية إلى العالم وقضايا الشرق؟

يمكن الكلام الكثير على إرث مارون عبود الذي لم يعد نسياً منسياً، والحمد لله، بدليل توالي طباعة أعماله إلى يومنا هذا. ولكن قد يكون مستحسناً انصراف الدارسين إلى التعمق في ما يتسنى للأجيال العربية الإفادة منه، والاستزادة حباً باللغة العربية، وضناً بالإبداع فيها، وتجويداً للتعبير عن قضايا إنساننا العربي غير السعيد ليسعد.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة