Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خُطب طه حسين المجهولة تكشف زوايا من معاركه السجالية

سامح الجباس جمعها من دوريات ومناسبات شهدتها القاهرة ومكة وبيروت ودمشق وتونس

طه حسين وخطبه المجهولة (إتحاد الكتاب)

ملخص

يستهل الروائي والباحث المصري سامح الجباس كتاب "خطب طه حسين المجهولة" بالجملة الآتية: "إنَّنا لا نحيا لكي نكون سعداء"، وهي جزء من إحدى رسائل صاحب "الأيام" إلى زوجته سوزان، كتبها عام 1934، ويضم الكتاب خطباً لعميد الأدب العربي جمعت من عدد من الدوريات، ولم تنشر من قبل في كتاب.   

يقول الروائي والباحث المصري سامح الجباس إنه، خلال عمله على كتاب "خُطب طه حسين المجهولة" (دار إشراقة – القاهرة 2025) توقف أمام جملة واحدة من رسالة كتبها طه حسين إلى زوجته سوزان عام 1934: "إننا لا نحيا لكي نكون سعداء"، مشيراً إلى أنها كانت دافعاً له كي يتعمق في تتبع نصوص وخطب ورسائل لعميد الأدب العربي لم تُنشر في كتاب من قبل.

لاقى الجباس في هذا الصدد صعوباتٍ كثيرة، ف"أن تبحث في عام 2025 عن خُطبة ألقاها طه حسين قبل 97 عاماً مثل خطبته في تأبين السياسي عبد الخالق ثروت عام 1928؛ فإنك تقوم بمهمَّة عالم الآثار الذي يبحث عن مقابرَ فرعونية مجهولة المكان وسط صحراءَ لا حدودَ لها".

أزمة "الشعر الجاهلي"

جاء الكتاب في 277 صفحة، ووُزِعت نصوصه التي جمعها الجباس وقام بدراستها، على ثلاثة أقسام، يضم أولها خُطب طه حسين التي ألقاها في مصر، والثاني يضم الخطب التي ألقاها في أكثر من بلد عربي، والثالث، يحوي أسئلة وجهتها إليه مجلات عدة.

يبدأ القسم الأول بخطبة طه حسين في رثاء عبد الخالق ثروت، ونشرت في مجلة "المُقتطَف" في ديسمبر (كانون الأول) 1928. وكتب الجباس لها مقدمة عن علاقة طه حسين بعبدالخالق ثروت، ذكر فيها أن الأول أهدى كتابه "الشعر الجاهلي" الصادر عام 1926، إلى ثروت الذي كان وقتها عضواً في مجلس جامعة فؤاد الأول. الإهداء مؤرخ بـ 22 مارس (أذار) 1926. وعندما أصبح عبد الخالق ثروت وزيراً للخارجية في حكومة عدلي يكن الائتلافية في أبريل (نيسان) 1926 كانت مشكلة هذا الكتاب قد تفاقمَت، فنصح طه حسين بالابتعاد حتى تهدأ الأمور.

وبعدها بأقل من شهرين أصبح ثروت رئيساً للوزراء والأزمةُ في أشدِّها، فخاطب طه حسين: "إن حريَّة الرأي أكرمُ من أن يعبث بها العابثون مهما يكونوا، وثِقْ بأن أول أثرٍ لما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة، وانقطاع الصلة بيني وبينها، وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يُعينون عليك مهما يكونوا، لكني أطلب إليك أن تَثبُت للعاصفة، وألَّا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف؛ فأنت أستاذ، وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات". ويقول طه حسين: "ولولا نصيحة ثروت هذه لكان لي مع المرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر. رحم الله ثروت. لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبداً، وما لن أستطيع أن أتحدَّث عنه الآن".

ترتيب زمني

يكشف الجباس أن هذه الرحلة البحثية مكَّنته من إدراك العمق الفكري لطه حسين، ليس فقط كروائي أو ناقد، بل كمؤسس ثقافي متعدد الجوانب، له تأثير يمتد إلى ما هو أبعد من حدود مصر.

ويقول إن جزءاً من الدافع وراء مشروع كتابه كان محاولة جمع وتصنيف المواد المبعثرة التي كتبها طه حسين، والتي لم تجمع من قبل، أو لم يتم ترتيبها في شكل يسهل على القارئ الوصول إليها. وأضاف أن الاختيار الأهم كان يتعلق بطريقة ترتيب المواد داخل الكتاب، مشيراً إلى أنه فكر في ترتيبها موضوعياً أو زمنياً، لكنه اختار الترتيب الزمني لاعتبارات عدة. ويؤكد الجباس أن الترتيب الموضوعي قد يجعل الخطب التي تناولت قضية معينة، مثل إصلاح اللغة العربية، تظهر جميعها متتالية، تليها خطب عن الشعر ثم عن التعليم، وهو ما قد يصعب على القارئ العادي استيعابه،.

لذلك فضل الترتيب الزمني، بحيث تتوزع المواضيع بشكل متنوع، ليطلع القارئ على تجربة غنية ومتنقلة بين مختلف جوانب الفكر والثقافة التي تناولها طه حسين. في عام 1938 كانت هناك دعوةٌ لتيسير النحو وإصلاح الكتابة مع النَّهضة الحديثة، فقامت وزارة المعارف بتأليف لجنةٍ مشتركة من أساتذة الجامعة والوزارة لتقدم تقريرَها في هذا الشأن. وهنا وجَّه طه حسين خطاباً إلى وزير المعارف وقتذاك محمد حسين هيكل. ويعلق الجباس بالقول إن ما اقترحه طه حسين لحل مشاكل تدريس اللغة العربية، لم يؤخذ به. وأشار إلى أن بعض الخطب الطريفة أو الغريبة، مثل تلك التي ألقاها طه حسين في مجمع اللغة العربية، كانت محطات أثارت اهتمامه ووقوفه أمامها طويلاً، "لما تحمله من روح الدعابة والفكر النقدي"، مضيفاً، أن هذا التنوع "يجعل الكتاب قريباً من القارئ العادي، وفي الوقت نفسه غنياً بالمعرفة للمتخصصين".

تناقضات الحكيم

في هذا السياق تأتي الكلمة التي ألقاها طه حسين في الجلسة العلنية التي عقدها مجمع اللغة العربية في القاهرة في 17 مايو (أيار) 1954؛ لاستقبال توفيق الحكيم بمناسبة تعيينه عضواً عاملاً في المجمع. ولاحظ الجباس أن تلك الكلمة ميَّزتها "لهجة ودودة مغلفة بالسخرية"، ورأى أن ذلك يرجع إلى أنّ كانت هناك أكثر من خصومة سابقة بين الكاتبيْن الكبيرين، منها سجالهما حول الأدب المصري والأدب العربي وأصول كل منهما، وكانت على هيئة رسائل نشرت في مجلة "الرسالة".

وقد بدأها توفيق الحكيم في يونيو (حزيران) 1933. ومنها الخصومة التي نشأت عندما كتب طه حسين نقداً لمسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم. وفي كلمته المخصصة للترحيب بتوفيق الحكيم عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، خاطب طه حسين المحتفى به بالقول: "أنت طائفةٌ من المتناقضات"، وأضاف موضحاً مقصده: "أنت في فنك غير متكلف، ولا متعِمل، كأنما تغرف من بحر كما كان يقول القدماء. ولكنك في حياتك الاجتماعية مصنوع متكلف متعمل، بعيد كل البعد عن الحياة الطبيعية المألوفة. والناس يعرفون منك صورة ليس بينها وبين شخصك الحقيقي صلة من قريب أو بعيد". وأضاف: "جعلتَ نفسك موضوعاً للتندُّر، فالناس إذا ذكروك تندَّروا وضحكوا وسخروا أحيانا. والناس يرونك فيتندَّرون بك، وأنت ترضى عن كلِّ هذا. لماذا؟ أتريد أن أدلَّك على السبب في هذا التكلُّف؟ إنما هو أنك تحبُّ أن يعرفَك الناس، وتحب أن يحبُّوك. والناس يعرفونك بالبخل أكثر ممَّا يعرفونك بالكرم؛ لأن الكرم شيء طبيعي لا تكلُّف فيه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والناس يتحدَّثون عن البخلاء وقلَّما يتحدثون عن الكرماء. والناس يتحدَّثون عن أصحاب السذاجة، وقلَّما يتحدَّثون عن أصحاب التفكير المعيق". وبدأ طه حسين تلك الكلمة بالتعبير عن تشرفه بتقديم توفيق الحكيم إلى جمهور القراء: "حين ظهر أولُ كتاب لك، وأنا أشرُف الآن - بفضل الزملاء - باستقبالك في هذا المجمع. فهذا الشرف المضاعَف هو هذا الدَّين الذي لا أدري كيف أؤدِّيه إليك". وفي ثنايا الكلمة ذاتها رأى طه حسين الناقد أن "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم؛ "هذه القصة التمثيلية إن دلَّت على شيء إنما تدل على أن الله إنما خلقَك لتُدخل فن التمثيل في اللغة العربية، ولتجعله فناً أصيلاً من فنونها الأدبية، بعد أن كان فناً طارئاً عليها، يُنقل إليها من الغرب، أو يتكلَّف فيها تكلُّفاً قوامُه محاكاةُ التمثيل الغربي". ثم حاطبه قائلاً: "أنت في قصصك ممثلٌ أكثر منك قاصاً".

من مكة إلى تونس

أما "عودة الروح"، فرأى طه حسين أنه هي التي حبَّبت الحكيم إلى عامَّة القراء؛ "ذلك لأنك اقتطعت هذه القصة من حياة الشعب اقتطاعاً. لقد اصطنعت فيها لغتين: عربية فصيحة تحتاج مع ذلك إلى شيء من التحرير، وعامية طبيعية، ولكنك آثرت نفسك باللغة الفصحى، فكنتَ إذا تكلَمت أنت أفصحتَ، وإذا أردتَ أشخاصك على أن يتكلموا أرسلتَهم على سجيَّتهم فتكلَّموا في لغتهم العاميَّة كلاماً عذباً حلوا". ومن ضمن محتوى القسم الثاني؛ خطاب طه حسين بوصفه رئيس اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية، في حفلة الأساتذة المصريين في مكة في حضور وزير المعارف السعودي آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز، في 15 يناير (كانون الثاني) 1955.

ويذكر الجباس هنا أن طه حسين قال للأمين العام لجامعة الدول العربية وقتذاك عبد الخالق حسونة: "سأحضر الاجتماع؛ فإن شوقي لزيارة الحرمين كبير، وما زلتُ أعيش في تلك الأماكن المقدَّسة منذ أخذت في إملاء "على هامش السيرة". ومنه أيضاً المحاضرة التي ألقاها طه حسين أمام هيئة المحاضرات العامة في كلية المقاصد الإسلامية في بيروت، ونشرتها مجلة "الآداب" - العدد رقم 5 –أيار (مايو) 1955 وكانت تحت عنوان "لمن يكتب الأديب: للخاصة أم للعامة؟. ومنه كلمة طه حسين في المؤتمر الثاني للأدباء العرب الذي عقد في سبتمبر (أيلول) 1956 في دمشق بعنوان "مكانة الأدب العربي بين الآداب العالمية"، وكذلك خطاب بعنوان "رحلة فنيَّة" ألقاه في قاعة "البالماريوم" في تونس العاصمة في 3 يونيو (جزيران) 1959.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة