Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ذهب للإيجار: حين خرجت الأطقم الفاخرة من متناول الشراء

مع موجات الارتفاع والانخفاض الذي يشهدها هذا المعدن بصورة غير مسبوقة في الأسابيع الماضية، باتت أرقامه الشغل الشاغل للبنانيين

ملخص

أدى الارتفاع الهستيري في سوق الذهب العالمية إلى تغيير جذري في السلوك الاستهلاكي على مستوى لبنان والعالم. وبدأ بعض تجار الذهب بتأجير الأطقم والمصوغات الذهبية لقاء ضمان، فيما تقبل شريحة من الزبائن على شراء مجوهرات "التقليد"

يكاد اللبناني لا يفوت مناسبة أو حادثة أو أي تطور في أي مجال، إلا ويدخل في صلبه، فيصبح المتخصص الأمني الذي يفقه في كل ما يدور في الكوكب، والسياسي الذي يفكك شيفرات الأزمات، وحتى الاقتصادي الذي يمتلك رؤية مستقبلية لما ستؤول إليه أرقام البورصة والنفط وحتى المعادن الثمينة.

ومع موجات الارتفاع والانخفاض التي يشهدها الذهب بصورة غير مسبوقة في الأسابيع الماضية، باتت أرقام هذا المعدن الشغل الشاغل للبنانيين، بعضهم اختار شراء ما أمكنه لربما يبيعه مستقبلاً مع كثير من الربح المادي، البعض الآخر أخافته التقلبات الحادة فقرر البقاء في المربع الآمن وابتعد عن الأخطار، فيما جزء كبير من الشعب الذي لا يمتلك القدرة أصلاً على الشراء، بقي متفرجاً ومترقباً، وربما متحسراً على تجارة مربحة لا ناقة له ولا جمل بدخولها.

وكما أعاد الذهب رسم تفاصيل حياة المواطن اللبناني، فهو أصبح أخيراً سلعة نادرة، لا يحوزها إلا أصحاب الأموال، وقد فطن بعض أصحاب محال الصياغة، وبدأ بـ"تأجير الأطقم الفاخرة" للمناسبات الجميلة، على رأسها الأعراس، فيما توجه أهل الحرفة إلى تصميم وصناعة قطع صغيرة منخفضة الوزن ومعتدلة السعر.

"لم يعد يمتلك العشاق إلا الكلمة الحلوة والمشاعر الصادقة" يقول نقيب تجار الذهب في لبنان نعيم رزق، الذي يؤكد "في السابق، كنا نبيع يومياً علامتين أو أكثر من المصوغات الذهبية (العلامة هي طقم الخطوبة)، أما اليوم فبات مبيعنا يقتصر على محبس وخاتم وزوج حلق في أحسن الأحوال، فيما تقتصر العلامات الكبيرة على المغتربين والمقيمين في خارج لبنان ومن لديه ثروة فوق العادة، لأن غرام الذهب عيار 18 قيراطاً يزيد على 130 دولاراً أميركياً"، لافتاً إلى انقضاء بعض المناسبات التي كان يعتمد عليها التجار، "في السابق كان الصاغة، ينتظرون عيد الأم في الـ21 من مارس (آذار) ويوم العشاق في الـ14 من فبراير (شباط) من كل عام، وموسم الربيع والصيف بسبب كثرة الخطوبات والأعراس والأعياد، وهو ما لم يعد موجوداً حاضراً بسبب غلاء الذهب".

سلعة نادرة

مع تجاوز الذهب عتبة الـ5 آلاف دولار أميركي للأونصة، عاش العالم صدمة نفسية ومالية، وانقسم الناس بين شريحة حسبته ملاذاً آمناً، راحت تكدس الأونصات بحثاً عن المكاسب العالية، فيما تعاطت معه شريحة أخرى بوصفه "عملة نادرة" وبعيدة المنال، ويستذكر كبار السن أياماً خلت، عندما كان الذهب حكراً على فئة معينة من المجتمع.

تقول السيدة الثمانينية جيهان "كان الذهب دليلاً على الثروة والغنى، ولم يمتلكه إلا الأغنياء والطبقة البرجوازية، ولكن تبدلت الأمور نسبياً، وبدأنا ندخر من عملنا ونشتري الذهب للزينة"، في المقابل يخلق اليوم غلاء الذهب "حذراً وقلقاً" لدى المقبلين على الزواج، تشير هناء "مع اقتراب موعد الزواج، يشكل تأمين المصاغ تحدياً كبيراً، لا أعلم ما السبيل إلى تأمينه؟ ولكن لا بأس، لأن العبء يقع على العريس"، تضيف مازحة.

ولكن تبدو الصورة أكثر وضوحاً لدى البعض، كما تتحدث سارة فهي تقع بين "خيار استئجار الذهب الحقيقي والمجوهرات، أو استعارته"، أو "قد تلجأ إلى الذهب البرازيلي، أو الأكسسوارات العالية الجودة التي لن يعلم الضيوف أنها ليست قطع ذهب".

"ذهب للتأجير"

فرض غلاء الذهب نفسه على أجندة الزبون والتاجر، إذ بدأ بعض تجار الذهب بـ"تأجير الأطقم لقاء ضمان مالي"، فيما يقلل تجار الذهب من قيمة هذه الظاهرة، لأنها "ظاهرة عابرة وسلوك يتأثر بمواقع التواصل الاجتماعي.

من جهته، يتحدث نزيه غية، وهو صاحب محل مجوهرات، عن تأجير الذهب، لافتاً "بدأت على سبيل المزحة، ولكنها تحولت إلى واقع، إذ يأتينا الزبائن للسؤال عن تأجير الذهب، لأن الناس لم تعد قادرة على شراء الأطقم بمئات أو آلاف الدولارات، وهي تفضل استئجار طقم لتمضية المناسبة، وإعادته لاحقاً للتاجر، لأن أسعار الذهب مرتفعة بصورة جنونية".

 يرشدنا غية على بعض الأطقم البسيطة في المحل التي كان عليها طلب للخطوبة بوزن يراوح ما بين 45- 55 غراماً، التي تراوح أسعارها بين 7-8 آلاف دولار أميركي، "إذ تفضل بعض السيدات استئجاره لقاء 200 دولار قبل أن تعيده للتاجر"، ويلفت غية إلى شروط التأجير، التي يأتي في مقدمها الثقة، ووضع عربون (ضمانة مالية) وتأمين (أوراق ثبوتية في بعض الأحيان) لضمان إعادته إلى التاجر.

في المقابل، يتحدث عن تصميم المجوهرات بما يتناسب مع الطلب وقدرة المستهلك "العقود التي كان يشتريها الزبون كهدية بسيطة لقاء 100 أو 200 دولار أميركي، أصبحت بمثابة العلامة – أطقم الخطوبة - لدى محدودي الدخل، التي ارتفع ثمنها بسبب الغلاء إلى 500 دولار، وهو يعد فارقاً كبيراً".

السوق السوداء

خلال الأسبوع الماضي تغير المشهد داخل سوق الصياغين وبائعي الذهب في مدينة طرابلس شمال لبنان كما بقية المدن اللبنانية، حيث تحولت إلى سوق سوداء، وإن وجد بعض المشترين أونصة ذهب فإن سعرها سيكون مرتفعاً عن الأسعار العالمية بمئات الدولارات بسبب حال القلق وانعدام اليقين. وكان لافتاً المضاربات على مستوى الذهب والفضة، إضافة إلى زيادة العرض على الفضة، التي تحولت إلى "هدية عيد الحب" المقبل في الـ14 من فبراير الجاري.

 يرى غية أن المشهد الحالي غير مسبوق "عندما دخلت عالم الذهب وصناعة المجوهرات كان ثمن الليرة قرابة 50 دولاراً أميركياً، فيما تجاوزت حالياً مستوى 1000 دولار، وهو فارق كبير، وقد خسرنا شريحة من الناس التي كانت قادرة على الشراء، لأنه بات سلعة غالية جداً، فيما نشهد إقبالاً كبيراً على الذهب والفضة، ممن فقدوا الثقة بالعملات الورقية والودائع بالمصارف".

ويقارن نزيه غية بين زمنين، ففي السابق، "كانت النسوة يأتين لشراء مجموعة أساور للزينة لقاء بعض الآلاف من الدولارات، لكن هذا الأمر بات متعذراً اليوم لأنها باتت بعشرات الآلاف من الدولارات، ناهيك باختلاف القدرة الشرائية لدى الناس، واختفاء القطع التي تزن مئات الغرامات من الذهب لمصلحة القطع الناعمة والبسيطة".     

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"دخلنا في المجهول"

شهد الأسبوع الأخير من يناير (كانون الثاني) الماضي على "جنون الذهب" حسب تعبير التجار والصاغة، إذ بلغ مستوى غير مسبوق عند 5590 دولاراً أميركياً، قبل أن تشهد السوق صدمة بفعل انهيار أسهم التكنولوجيا.

يتحدث نقيب تجار الذهب عن "حقبة التخبط واضطراب السوق، وهو ما لم نشهده منذ نصف قرن من الزمن، إذ بات يرتفع وينخفض مئات الدولارات خلال ساعات"، متحدثاً عن "طلب قوي على أونصات الذهب والسبائك والليرات من قبل المدخرين على رغم توقف التجار والموردين عن البيع بسبب الشح في السوق، وعدم الإقدام على التسعير للبيع في المحال ومؤسسات البيع بالمفرق".

ويؤكد نعيم رزق "أن بعض تجار الجملة امتنع عن بيع الكميات الاحتياطية، لأن من يقوم بالبيع لا يمكنه تعويض تلك الكميات، وهم يعتمدون سياسة التأني والحفاظ على البضاعة، ريثما يعود السوق إلى حقبة الاستقرار، أو يلجأون إلى السوق السوداء وفرض عمولة مرتفعة"، موضحاً "في السابق كان الموزع يتقاضى عمولة 20-30 دولاراً، أما اليوم فنجدهم يطلبون زيادة بين 200-300 دولار أميركي على أونصة الذهب".

يشكو رزق من الجمود في السوق وحال الإقفال القسري، وتأثيره في أصحاب العمل والأجراء، بسبب النفقات العالية للمؤسسات التجارية، ويتطرق إلى زيادة الطلب على "قطع الذهب الخام وعيار 24 قيراطاً، والاستغناء عن تلك الأجرة والصياغة العالية، وهو ما يؤشر إلى إقبال متزايد على الادخار وليس الزينة".

لا بديل عن الذهب

يلجأ المواطنون بصورة متزايدة إلى بدائل الذهب، فبعضهم يتحدث عن "ذهب برازيلي" أو "أونصات صينية" و"الحجارة الشواروفسكي"، ينبه نعيم رزق "لا وجود لما يسمى الذهب البرازيلي، لا بد من مواجهة الزبائن بالحقيقة إنها قطع مجوهرات مزيفة، ناهيك بباقي المعادن المطلية بالألوان"، كما يشير إلى "انتشار التقليد في السوق، حيث نجد نسخاً عن القطع النفيسة بمبالغ زهيدة 10 دولارات لا أكثر"، مطالباً بمعاقبة المحال التي تبيع القطع المقلدة على أنها أصلية، "وإن كان على سبيل الترويج بسبب الشكل الشبيه للذهب".

ويجزم رزق ألا بديل عن الذهب، فمن اشترى قبل ثلاثة أعوام فحسب ضاعف أرباحه، مع ارتفاع الأونصة من مستوى الألفين إلى الـ5 آلاف دولار بسبب الهرب من العملات الورقية وحال عدم اليقين، منوهاً باستمرار كل العوامل الموضوعية المؤدية إلى ارتفاع الذهب عالمياً بسبب إقبال البنوك المركزية على استبدال سندات الديون السيادية بالسبائك الذهبية، إذ تقدم الدول الكبرى على شراء كميات هائلة من المعدن الأصفر، في ظل محدودية الكميات المستخرجة والمتاحة في المناجم.

ويتطرق إلى "طوابير الشراء في مختلف دول العالم من أجل شراء الأونصات على مستوى القارات الخمس على أمل الربح الإضافي"، متوقعاً "طيران الذهب" (ارتفاعاً كبيراً) في ظل الاتجاه نحو خفض الفائدة الأميركية، إضافة إلى استمرار التوترات السياسية الإقليمية والدولية المتوسطة والطويلة الأمد.    

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير