Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي… تهديد متصاعد للاستقرار الإقليمي

من الموانئ التجارية إلى التحالفات الخفية تتقاطع الاستثمارات العابرة للحدود مع صراعات إقليمية تعيد تشكيل موازين القوى على البحر الأحمر

وقفة احتجاجية في مقديشو في 7 يناير 2025، للتعبير عن دعم وحدة أراضي الصومال (غيتي)
 

ملخص

بعد "الربيع العربي"، ركزت الإمارات بصورة كبيرة على الأمن والمنافسة الإقليمية في سياستها الخارجية، سعياً لتجاوز منافسين مثل قطر وإيران وتركيا في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فأقامت تحالفات مع إثيوبيا والمناطق الانفصالية في "صوماليلاند" لمواجهة الشراكة التركية-الصومالية ودعمت ميليشيات "الدعم السريع"، في الحرب الأهلية الدموية داخل السودان، على رغم نفى أبوظبي ذلك.

في صباح يوم حار من أيام مدينة بربرة التجارية، والواقعة في إقليم "صوماليلاند" الانفصالي، افتتح ميناء حديث يلمع بواجهاته المعدنية على طول الساحل. السفن تفرغ حمولتها من الحاويات الكبيرة بينما كانت المشروعات الإنشائية تلوح في الأفق. بالنسبة إلى السكان المحليين فإن هذه الاستثمارات تبشر بفرص عمل واعدة، لكنها تثير تساؤلات حول التداعيات مع تحول منطقة القرن الأفريقي إلى بؤرة للتنافسات الجيوسياسية سريعة التطور في عالم متعدد الأقطاب.

لم تكن منطقة القرن الأفريقي قط منطقة آمنة بعيدة من الصراعات أو هادئة تنعم بالاستقرار، فكثيراً ما ضجت المنطقة التي تشمل إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، والمجاورة للسودان، بالنزاعات الكبرى بين الدول المتجاورة وبعضها ضمن الدولة الواحدة. ومع ذلك فإن تاريخها الطويل من الصراعات والتوترات الجيوسياسية، لم يمنع القوى الخارجية من السباق نحوها وضخ استثمارات بمليارات الدولارات في نماذج تتعدد بين الرغبة والهيمنة الجيوسياسية والتوسع الاقتصادي في منطقة تطل على البحر الأحمر ذي الأهمية الجيوستراتيجية الخاصة.

توسع هادئ

وخلال الأعوام التي كان يحظى فيها التوسع الصيني في أنحاء أفريقيا عبر "مبادرة الحزام والطريق"، والحضور التركي في منطقة القرن الأفريقي عبر الاتفاقات الدفاعية والعسكرية أو المشروعات التنموية والمساعدات الإنسانية، كانت الإمارات تتحرك بهدوء أكبر وخطى أسرع لتصبح أكبر مستثمر أجنبي في القارة بحلول عام 2023، حيث ضخت الشركات الإماراتية بين عامي 2019 و2023 استثمارات بقيمة 110 مليارات دولار، بينها 72 مليار دولار في مشروعات الطاقة المتجددة، وفق شركة البيانات "فايننشيال تايمز لوكيشن". فتجاوزت التعهدات أكثر من ضعف قيمة تلك التي قدمتها شركات من المملكة المتحدة أو فرنسا أو الصين، التي تراجعت عن مشاريع البنية التحتية الكبرى داخل أفريقيا بعدما فشل عدد منها في تحقيق العوائد المتوقعة.
فمنذ مطلع الألفية اتجهت الإمارات إلى تنويع اقتصادها، وكانت الدول الأفريقية شريكة رئيسة للاستثمارات ضمن قطاعات البنية التحتية والزراعة والأعمال والتعدين، وبخاصة الذهب. وتقود شركتا "موانئ دبي العالمية" و"مجموعة موانئ أبوظبي" الاستثمارات الإماراتية، إذ تدير 13 ميناءً في ثماني دول أفريقية، ووقعت ست اتفاقات جديدة خلال الأعوام الأربع الماضية.

انخراط في الصراعات الداخلية

ويشير مراقبون إلى أنه بعد "الربيع العربي"، ركزت الإمارات بصورة كبيرة على الأمن والمنافسة الإقليمية في سياستها الخارجية، سعياً لتجاوز منافسين مثل قطر وإيران وتركيا داخل منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فأقامت تحالفات مع إثيوبيا والمناطق الانفصالية في "صوماليلاند" لمواجهة الشراكة التركية-الصومالية ودعمت ميليشيات "الدعم السريع"، في الحرب الأهلية الدموية في السودان، على رغم نفى أبوظبي ذلك.

فتحول التوسع الاستثماري تدريجاً إلى انخراط في الديناميات الأمنية في المنطقة الواقعة بين المحيط الهندي وقناة السويس، إحدى أبرز طرق التجارة العالمية وأكثرها ازدحاماً، وهو ما يخشى أن يؤدي إلى زعزعة استقرار بلدان هذه المنطقة. فبدعم من موارد هائلة واستراتيجية واضحة، يحمل انخراط الإمارات في أفريقيا انعكاسات كبيرة على القارة والديناميات الجيوسياسية الأوسع، إذ يحذر المراقبون من أن صراع النفوذ بين القوى الإقليمية في منطقة البحر الأحمر يبقي على عدم الاستقرار في المنطقة.
وتقول مجموعة الأزمات الدولية، إن انتفاضات الربيع العربي عام 2011 أضفت على البحر الأحمر أهمية استراتيجية بالنسبة إلى دولة الإمارات تتجاوز مصالحها الاقتصادية الأساس، ودفعت أبوظبي إلى النظر إلى هذا الممر، وكذلك إلى مناطق تبدو بعيدة ظاهرياً مثل الأردن وليبيا، باعتبارها جزءاً من "حيها الجغرافي". فقد حولت تلك الانتفاضات الشرق الأوسط إلى شبكة من الصراعات، بدا في مراحلها الأولى أن الإسلاميين المرتبطين بجماعة "الإخوان المسلمين"، الذين تنظر إليهم الإمارات والسعودية بوصفهم خصوماً، يحققون فيها تقدماً ملحوظاً. وتنظر أبوظبي على وجه الخصوص إلى الجماعات المرتبطة بـ"الإخوان المسلمين"، والتي لها امتدادات داخل الإمارات، على أنها تهديد وجودي. وأثار صعود "الإخوان" حتى داخل مناطق بعيدة مثل شمال أفريقيا قلق الإمارات، لا سيما مع تزايد الترابط بين الصراعات في مختلف أنحاء العالم العربي، إذ باتت التطورات داخل مكان ما تؤثر مباشرة في أماكن أخرى. وأفضى هذا الإحساس المتنامي بالخطر إلى تبني سياسة خارجية أكثر تدخلاً.

ففي السودان، تتهم الإمارات بتسليح قوات "الدعم السريع" التي تخوض معارك ضد الجيش النظامي منذ عام 2023، لكن أبوظبي تنفي رسمياً دعم هذه القوات التي تنسب إليها مجازر بحق المدنيين. وفي "صوماليلاند"، استثمرت شركة "موانئ دبي العالمية" العملاقة مئات ملايين الدولارات في ميناء بربرة ذي المياه العميقة، ولها سلطة عليه. ويضم هذا الميناء مطاراً تديره أبوظبي بصورة تامة وفق شهود ومصادر محلية، بحسب ما أفاد تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.

ولدى الصومال قناعة بأن الإمارات التي طبعت علاقتها مع إسرائيل، تقف وراء اعتراف الحكومة الإسرائيلية في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 بـ"جمهورية صوماليلاند" المعلنة من جانب واحد، والتي انفصلت عن الصومال خلال عام 1991. وهو ما أثار حالاً من الاضطراب، إذ يتوقع على نطاق واسع أن تكون هذه الخطوة مرتبطة بمنح "صوماليلاند" تفويضاً لوجود عسكري إسرائيلي، أو في الأقل مرافق لجمع المعلومات الاستخباراتية، بهدف مراقبة نشاط جماعة الحوثيين في اليمن.
وتقول الزميلة لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كاميل لونز إن هذه ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها الإمارات مع إسرائيل داخل المنطقة. فخلال عام 2021، شارك البلدان ضمن مناورات بحرية مشتركة في البحر الأحمر، ولعبت الإمارات دور الوسيط المحوري بين السودان وإسرائيل لتسهيل انضمام السودان إلى "اتفاقات أبراهام" خلال العام نفسه.

يثير اعتراف إسرائيل بـ"صوماليلاند" قلقاً بالغاً لدى المسؤولين في مقديشو، ويخشون أن تعيد هذه الصفقة إحياء طموحات أديس أبابا تجاه بربرة، على رغم توصل الصومال وإثيوبيا إلى اتفاق سلام هش خلال أواخر عام 2024. وشهدت التطورات الأخيرة دعوة مقديشو إلى تدخل عسكري سعودي في "صوماليلاند"، والإعلان عن قطع العلاقات مع الإمارات. فمن شأن اعتراف إسرائيل بـ"صوماليلاند" أن يضعف بشدة الدولة الصومالية المنهكة أصلاً من قتالها المستمر منذ عقدين ضد "حركة الشباب" المتشددة التابعة لتنظيم "القاعدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسم النظام الإقليمي

ووفق تعليقات الخبيرة في شؤون الخليج آنا جاكوبس للوكالة الفرنسية، فإن أبوظبي مستعدة "للمخاطرة" من أجل "رسم النظام الإقليمي"، لكن هذا النهج الذي تعتمده في سياستها الخارجية يسهم في إبعادها أكثر فأكثر من السعودية، التي كانت حليفة قوية لها. وواجهت الدولتان الحوثيين متحدتين عام 2014، إلا أن تحالفهما هذا بدأ يتصدع وانهار علناً قبل شهر، بعد قصف الرياض شحنة أسلحة يشتبه في أنها كانت متجهة من الإمارات إلى اليمن.

وعلى رغم الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، تقول الزميلة لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كاميل لونز إن "الرياض باتت تنظر بصورة متزايدة إلى السياسة الخارجية الإماراتية، ولا سيما دعمها لفاعلين من غير الدول وحركات انفصالية في ليبيا والصومال والسودان واليمن، بوصفها مصدراً لعدم الاستقرار. وأن تعمق الشراكة الإماراتية–الإسرائيلية، الممتدة إلى الخاصرة الغربية للسعودية في اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، يثير مخاوف متزايدة في الرياض من تطويق استراتيجي".

خسارة الأشقاء

وتفيد تقارير بأن السعودية تعمل على تأسيس تحالف عسكري جديد يضم مصر والصومال. ووفق مصدر مصري مطلع، فإن هناك انفتاحاً مصرياً على التحالف، فمع تحول البحر الأحمر إلى ساحة لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، بات المشهد محكوماً بمعادلات جديدة تقودها السعودية بالتنسيق مع مصر وتركيا وإريتريا والصومال والسودان، وهو تكتل تبلور عبر شبكة متنامية من الاتفاقات البحرية وآليات التنسيق العسكري، يستهدف تطويق محور إثيوبيا وإسرائيل.
وخلال الأعوام الأخيرة، اتسع نطاق النزاع المصري– الإثيوبي ليتجاوز ملف سد النهضة إلى فضاء القرن الأفريقي الأوسع، خصوصاً مع تحرك إثيوبيا لتعزيز نفوذها البحري عبر دعمها لإقليم "صوماليلاند" الانفصالي وسعيها إلى الحصول على منفذ مباشر على البحر الأحمر مقابل اعتراف سياسي محتمل بالإقليم، وهو ما تنظر إليه مصر باعتباره تهديداً مباشراً لوحدة الصومال ولمعادلات الاستقرار الإقليمي.

ويتقاطع التمدد الإثيوبي مع تشكل محور إثيوبيا–إسرائيل-الإمارات، الذي يثير قلق القاهرة لما يوفره من دعم استخباراتي وتقني وعسكري يعزز قدرة أديس أبابا المتنازعة مع القاهرة حول مياه نهر النيل، على فرض وقائع استراتيجية جديدة، لا سيما بعد اعتراف تل أبيب أخيراً بـ"جمهورية صوماليلاند"، ويتجلى هذا التقارب في صفقات تسليح شملت تزويد إثيوبيا بمسيرات "هيرون"، لتغيير موازين النفوذ في البحر الأحمر وباب المندب. 
فتصاعدت منذ عام 2020 نبرة إثيوبيا وخطواتها الساعية إلى تأمين منفذ على البحر الأحمر، سواء عبر ميناء بربرة في "صوماليلاند" أو ميناء عصب في إريتريا، مما فجر توترات دبلوماسية حادة. وبلغت الأزمة مع الصومال ذروتها في أواخر 2024 قبل أن تستقر بعد اتفاق هش بوساطة تركية، في حين تدهورت العلاقات مع إريتريا بصورة حادة خلال عام 2025، مما غذى المخاوف من توغل عسكري إثيوبي محتمل. ودفع النزاع المزمن بين إثيوبيا ومصر والسودان حول مياه النيل القاهرة إلى توسيع انخراطها الدبلوماسي والعسكري في أنحاء القرن الأفريقي، بما في ذلك مع جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان، والتعهد بنشر قوات في الصومال. وبالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين أبوظبي وأديس أبابا، ترى مصر في التحرك السعودي الحالي المناهض للإمارات فرصة لدفع أجندتها المضادة لإثيوبيا.
وفي مواجهة هذه التحولات، يقول مراقبون إن تطمينات سعودية أعادت تأكيد الشراكات الاستراتيجية، أسهمت في جذب مصر إلى محور إقليمي أوسع، فمن خلال إحكام السيطرة على الممرات الاستراتيجية التي تديرها الدول المطلة على البحر الأحمر، يسعى التحالف الأوسع بتنسيق سعودي إلى كبح سياسات فرض الأمر الواقع التي تقوض السيادة الإقليمية التقليدية وتهدد استقرار المجال البحري. 
وتشير الزميلة لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كاميل لونز إلى أن "أبوظبي أظهرت رغبة واضحة في تجنب مزيد من التصعيد مع الرياض، وبدا ذلك في خفض تصعيدها السريع في اليمن وانسحابها. ومع ذلك، وعلى رغم أن الإمارات مرشحة لاعتماد حضور أقل بروزاً على المدى القصير، فإن طموحاتها الإقليمية قد تعود بصور جديدة. وسيكون من الصعب تحييد الشبكات الإماراتية داخل القرن الأفريقي بالكامل". ومن ثم ترى الباحثة أن موجة الضغط الحالية المناهضة للإمارات تمثل فرصة للأوروبيين لدفع أبوظبي نحو سلوك بناء أكثر في ساحات سبق أن اصطدمت فيها بالمصالح الأوروبية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير