ملخص
أدى القصف الأميركي واعتقال نيكولاس مادورو إلى صدمة جماعية في كراكاس، خلّفت خوفاً وقلقاً اقتصادياً وأمنياً، وشللاً مؤقتاً في الحياة اليومية، وسط انقسام حاد بين الداخل والخارج حول ما جرى. وبينما يرى بعض الفنزويليين في التدخل كارثة وانتهاكاً للسيادة، وآخرون خلاصاً متأخراً، يبقى الغموض والهشاشة الإنسانية السمة الأبرز، مع تمسّك واسع بالأمل في حل دبلوماسي.
في الساعات الأولى من فجر الثالث من يناير (كانون الثاني) الماضي، استيقظ سادر غيرا وعائلته مذعورين عندما بدأ القصف الذي أمر به دونالد ترمب يستهدف كراكاس. ويستذكر ما حدث "اتصلت بي ابنتي وقالت: ’الأميركيون يقصفوننا يا أبي، نحن نتعرض لهجوم’".
سكان كراكاس، شأنهم شأن غيرا، اعتادوا أصوات العروض العسكرية والطائرات المنخفضة التحليق التي تزعج نومهم، ولا سيما المقيمين على مسافة قريبة من قاعدة "فورت تيونا" العسكرية. يهز غيرا كتفيه ويوضح: "رأيت الطائرات، لكنني اعتقدت بأنها فنزويلية".
قبيل الفجر بقليل، أرسلت له ابنته مقطع فيديو يظهر فيه نيكولاس مادورو مكبل اليدين، ويقتاده جنود أميركيون. لكن سادر ظل متشككاً. وقال: "ظننت أن الفيديو مولد بالذكاء الاصطناعي. ولم ندرك حقيقة الخبر إلا عندما أشرقت الشمس ورأينا الدمار من حولنا - الخراب والقتلى - عندها فقط أصبح الأمر واقعاً".
وفي الأيام التالية، دخلت كراكاس حالاً وصفها السكان بأنها "هدوء متوتر". وروت ماريا أوفالي بارو، وهي مسؤولة حملات تسويقية في شركة ترفيه: "كان هناك خوف كبير بين الناس من الخروج خشية وقوع هجوم آخر".
وسرعان ما تحول الخوف إلى قلق. وشرحت أوفالي بارو أن ذلك نابع من "عدم معرفة ما سيحدث، وكيف ستتصرف الحكومة الفنزويلية، وما الذي ستقدم عليه الحكومة الأميركية". وأضافت أن الخطابات السياسية لم تسهم في توضيح النوايا. وتضيف: "كما نقول في فنزويلا: ’aquí huele a gato encerrado‘ - هناك أمر مريب".
وظهرت في أنحاء من المدينة نقاط تفتيش للشرطة، المعروفة محلياً باسم "ألكابالاس"، إضافة إلى إشاعات عن حواجز تديرها مجموعات مسلحة موالية للحكومة تفتش المواطنين بحثاً عن أية مؤشرات على المعارضة. وأكدت أوفالي بارو: "شخصياً لم أرَ شيئاً من ذلك. اكتفيت بتجنب المناطق التي قيل إنها موجودة فيها".
وفي الأيام الأولى بعد القصف، لم يفتح سوى نحو 20 في المئة من المتاجر، معظمها من محال السوبرماركت الكبيرة والصيدليات ومحطات الوقود. واصطف الناس في طوابير طويلة لتخزين الطعام والأدوية والوقود. وانتشرت الشرطة لمنع أعمال النهب. وسرعان ما أعيد فتح نحو 70 في المئة من المؤسسات، وإن كان كثير منها يغلق أبوابه باكراً كإجراء احترازي.
وبعد مرور شهر، تشير تقارير من العاصمة إلى أن الحياة اليومية عادت إلى حد كبير لطبيعتها. لكن في كل يوم، تخرج مجموعات من مئات الفنزويليين إلى الشوارع احتجاجاً، مطالبين بالإفراج عن مادورو.
ومنذ اعتقال رئيسهم، شارك آلاف المواطنين في تظاهرات نظمها "الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي" PSUV. ويحمل بعضهم صور مادورو، بينما يرفع بعضهم الآخر لافتات كتب عليها "الحرية لمادورو" و"نريدك بيننا من جديد".
وخلال تجمع الشهر الماضي، قال نائب رئيس الحزب لشؤون التعبئة، نعوم فيرنانديز، لأنصاره: "الوحدة غير قابلة للمساومة… ومن يتآمر عليها يتآمر على فنزويلا".
أما خارج فنزويلا، ولا سيما في أوساط الجاليات المغتربة في كولومبيا وأوروبا والولايات المتحدة، فتسود رواية مختلفة، تصوّر إزاحة مادورو على أنها متأخرة وحتمية. ويتحدث مغتربون عن شعورهم بالارتياح والفرح لاعتقاله.
ويقول خوسيه أنطونيو مارتن، وهو عالم طيور يعيش في شمال كولومبيا: "قفزت من الفرح وبكيت. كان هذا الخبر الذي كنت أنتظره لأنني لم أرَ عائلتي منذ 10 أعوام، بمن فيهم ابنتي الصغرى... كل فنزويلي داخل البلاد وخارجها فقد شيئاً أو شخصاً هناك".
ويؤكد المغتربون أن المواطنين يعيشون في خوف من التعبير عن آرائهم. ويضيف مارتن: "الناس خائفون من الكلام. ابنتي في فنزويلا لم تجِب عن أسئلتي بعد الهجمات خشية أن يكون أحد يتنصت. نحن مصابون بجنون الارتياب من اعتراض المكالمات، ومن البحث عن جواسيس، أو قطع الخطوط. الجميع يشعر بأنه في خطر الآن، والمرحلة مربكة".
ويردف: "الطعام متوافر، لكن المشكلة هي كيفية الحصول عليه - لا يوجد مال. الناس ينفقون الآن آخر ما لديهم من نقود على الطعام تحسباً لوقوع شيء أكبر. أمي تتصل بي لتسأل إن كنت أستطيع إرسال المال، وكذلك أصدقائي. كثرٌ عالقون في منازلهم بلا عمل، ويخشون ألا يتمكنوا من إطعام أسرهم إذا اندلعت حرب".
وتزداد هذه الهشاشة بسبب الأزمة الإنسانية المزمنة في فنزويلا. فقد أدت أعوام من الانهيار الاقتصادي والتضخم المفرط والعقوبات والكوارث المرتبطة بالمناخ إلى جعل الملايين عرضة للخطر. ووفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، فإن 7.9 مليون شخص - أكثر من ربع السكان - بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
لكن بعض من هم على الأرض يروون قصة مختلفة تماماً. فتقول روزيتا بارو، وهي مترجمة متقاعدة تعيش في جزيرة مارغريتا قبالة الساحل الشمالي لفنزويلا: "عندما سمعت أن مادورو اختطف ولا يعرف مكانه، كنت في حال صدمة".
وتضيف: "شعرت بقلق شديد على ابنتي في كراكاس، وعلى الناس الذين يعانون في المدينة. ثم شعرت بالغضب والاشمئزاز من العنف غير المبرر، والانتهاك الصارخ لكل القوانين، والعودة لشريعة الغاب".
وتتابع بارو: "أعتقد بأن لدى الناس في الغرب تصوراً خاطئاً عما يحدث في فنزويلا. بعيداً من الانتماءات السياسية، نحن جميعاً نحب هذا البلد. وأمام التهديدات المستمرة - من الأساطيل الأميركية التي تستهدف القوارب، إلى إطلاق الصواريخ، ثم القصف الوحشي - نشأت حال من الوحدة والشعور بالوطنية".
ويرفض غيرا أيضاً فكرة أن فنزويلا دولة فاشلة بحاجة إلى إنقاذ. فمستوى معيشته مريح: يدير عملاً خاصاً وعاد أخيراً من رحلة بحرية في البحر المتوسط.
ويقول: "فنزويلا لم تكُن يوماً مدمرة. لقد تحملنا كثيراً من الإحباط... لكننا سنبقى قادرين على الصمود بصورة مستقلة بفضل ثرواتنا النفطية الغنية".
وعن الفقر، يصر على أن الحاجات الأساسية كانت متوافرة. ويؤكد: "الجميع لديه أساسيات الحياة: طعام ومأوى. هناك برامج اجتماعية". ويعرب عن اعتقاده بأن الظروف كانت ستواصل التحسن لولا التدخل الأميركي.
أما رافاييل ريزيندي، الباحث في مركز دراسات النظرية الاجتماعية وأميركا اللاتينية (NETSAL) في جامعة ولاية ريو دي جانيرو، فيرى أن هذه الآراء المتناقضة بشدة - بين المغتربين والمقيمين، وبين الأغنياء والفقراء - تعكس واقعاً أكثر تعقيداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول ريزيندي: "غالباً ما يعتقد الناس بأن الأنظمة غير الديمقراطية لا تبقى إلا بالقوة، لكن هذا غير صحيح ... أي نظام يحتاج إلى حد من الدعم الشعبي وجهاز إداري ومساندة من الجيش".
ويوضح أن "التشافيزية"، وهي الحركة السياسية التي أسسها هوغو تشافيز، مرشد مادورو، لا تزال تحظى بولاء شرائح من السكان، عبر السياسات الاجتماعية والتوظيف الحكومي، وفي بعض الحالات الفساد. ويضيف: "تحسنت ظروف معيشة كثرٍ خلال حكومات تشافيز".
وفي الوقت نفسه، يشير ريزيندي إلى أن المعارضة شرسة ومتجذرة في التجربة المعيشية، بسبب "الفساد والانغلاق التدريجي للنظام وفقدان كثرٍ نفوذهم السياسي والاقتصادي".
ويؤكد أن معارضة التدخل العسكري الأميركي تتجاوز هذه الانقسامات. ويقول: "كثرٌ في فنزويلا قد لا يكونون ’تشافيزيين‘، ومع ذلك يعارضون التحركات الأميركية. بالنسبة إلى أميركا اللاتينية، يبقى التدخل العسكري الأميركي قضية شديدة الحساسية".
وفي يناير الماضي، حذرت الأمم المتحدة من أن احتجاز الولايات المتحدة لمادورو "أضفى مزيداً من الغموض على وضع متقلب أصلاً".
وبالنسبة إلى فنزويليين كثر، بات الغموض اليوم السمة الفاصلة للحياة اليومية. وتقول أوفالي بارو إن الناس يواصلون الذهاب إلى أعمالهم لا بدافع الثقة، بل بدافع الضرورة. وتضيف: "يخرجون وهم خائفون وقلقون، لكنهم يواصلون حياتهم". ثم تردف: "وكما نقول هنا: ’ hay que seguir echándole bola para vivir ’ - عليك أن تواصل الكفاح لتعيش".
والقاسم المشترك الوحيد الذي يجمع الفنزويليين، على اختلاف مواقعهم على الطيف السياسي وحول العالم، هو الأمل في أن تحدد الدبلوماسية، لا القوة، ما الذي سيأتي لاحقاً.
تقرير إضافي من غراسييلا ليلي بارباران
أُعدت هذه المقالة ضمن مشروع "إعادة التفكير في المساعدات العالمية" لصحيفة "اندبندنت".
© The Independent