Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التونسيون لا يجدون للنقل العمومي "المريح" سبيلا

حافلات متثاقلة ومتهالكة ينبعث منها ضجيج مزعج ومقاعد محدودة وسلامة غائبة

تحتاج تونس استراتيجيات عميقة ودراسات فنية دقيقة لحل أزمة التنقل العمومي (اندبندنت عربية)

ملخص

المشهد نفسه يتكرر كل صباح في مختلف المدن والجهات التونسية، مواطنون ينتظرون، ومحطات مكتظة، وحافلات متهالكة، واقع يجعل المواطن فريسة لمعاناة يومية في التنقل. وبينما تتعاقب الحكومات لم يتغير واقع الحال وبقي حلم التونسيين في نقل عمومي لائق ومريح مطمحاً بعيد المنال.

يكابد المواطن التونسي يومياً عناء النقل العمومي، سواء في العاصمة وتونس الكبرى أو بين المدن والمحافظات، وأصبح التنقل العمومي تجربة محفوفة بالإرهاق والضغط والانتظار وكابوساً يومياً، بسبب نقص الحافلات وعربات المترو وقلة تواتر السفرات علاوة على تهري الأسطول بصورة عامة.

وعلى رغم توريد الدولة لمئات الحافلات من فرنسا ومن الصين، لم يخفف ذلك من وطأة الأزمة بسبب الطلب المتزايد على النقل العمومي، بخاصة في تونس الكبرى التي تضم أربع محافظات، وهي (تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة)، ويقطنها نحو 3 ملايين ساكن، أي ربع سكان البلاد، وهو وضع دفع بعدد من التونسيين إلى الالتجاء للتاكسي بمختلف أنواعه للتنقل اليومي.

معاناة يومية

يتكرر المشهد نفسه كل صباح في مختلف المدن والجهات، مواطنون ينتظرون، محطات مكتظة، وحافلات متهالكة، وقطارات متأخرة، واقع يجعل المواطن فريسة لمعاناة يومية في التنقل.

عند الساعة السابعة تقريباً في كل صباح، يتهافت سكان مرناق جنوب العاصمة تونس من نساء ورجال وطلبة من ساعات الفجر الأولى إلى المحطة، يحصلون على تذاكرهم، يتبادلون التحية الصباحية، ثم يتساءلون فيما بينهم عن موعد إطلالة الحافلة التي ستضع في جوفها أكثر من 200 راكب انطلاقاً من المحطة الأولى، أما عن بقية المحطات فيتكدس الركاب ويكثر التذمر، وأحياناً تتشابك الأيدي.

 

تشرئب الأعناق إلى الطرف المقابل من الطريق في انتظار أن تطل الحافلة الصفراء وهي تطوي طريقها من المستودع إلى أولى محطاتها في مرناق.

صورة الحافلة وهي تتحرك متثاقلة للخروج من المحطة يحيل إلى حال بائسة لقطاع متهالك، يتكون من حافلات ينبعث منها ضجيج مزعج، وبعدد محدود من الكراسي ولا تتوفر فيها شروط السلامة.

محسن الزيدي، أحد سكان مرناق، يعمل في ضيعة فلاحية قريبة، ويتنقل يومياً إلى مقر عمله بالحافلة، يشكو من عدم انتظامها واكتظاظها بالمسافرين، واصفاً التنقل عبر الحافلة بالمعاناة اليومية التي تجاوزت العقدين من الزمن.

ويأمل محسن أن يتنقل بكل أريحية إلى عمله وأن يستقل حافلة غير مكتظة، داعياً إلى إيجاد حلول أخرى مثل برمجة قطار أو مترو. ويلفت الانتباه إلى أن ملامح منطقة مرناق تغيرت من منطقة فلاحية إلى مدينة قائمة بذاتها.

وفي الضفة الأخرى من العاصمة، وعلى رغم الانطلاق في استغلال خط حديدي جديد منذ عام 2023، يعاني سكان مناطق الزهور والسيجومي من أجل الالتحاق بمقار عملهم أو قضاء شؤونهم الخاصة.

 

سلمى العوادي، طالبة قاطنة بحي الزهور تحدثت عن معاناة يومية مع الحافلة، مما يدفعها في عديد المناسباًت إلى استخدام تاكسي، لكنه مكلف، وهي طالبة وغير قادرة على استخدام وسيلة نقل خاصة بصورة يومية.

تقول سلمى، "الحافلة تأتي مكتظة من الأحياء الأخرى وعند وصولها إلى هنا (حي الزهور) لا يمكن استخدامها علاوة على ظاهرة السرقة والمضايقات داخل الحافلة، الوضع سيئ حقيقة، وأفكر جدياً في الانتقال إلى ضاحية أخرى في السنة الجامعية المقبلة أين تتوفر وسائل نقل عمومية أكثر راحة".

ويعد الخط الحديدي في الضاحية الجنوبية للعاصمة أقل اكتظاظاً، فالقطارات مكهربة ومكيفة، وهي أكثر أريحية من بقية الضواحي. ويستخدم كمال الطالبي (ممرض) يومياً هذا القطار ويعده مكسباً حقيقياً للمنطقة داعياً إلى تكثيف السفرات ومضاعفة العربات في أوقات الذروة.

في المقابل، يعاني سكان الضاحية الشمالية للعاصمة صعوبات كبرى في التنقل، ويعود الخط الحديدي المعروف بـ(تي جي أم) الذي يصلها بالعاصمة والممتد على طول نحو 20 كيلومتراً إلى سبعينيات القرن الماضي، ويمر عبر حلق الوادي، وسيدي بوسعيد، وصولاً إلى المرسى.

ودفع تقادم أسطول عربات الضاحية الشمالية سكان المنطقة إلى استخدام التاكسي والحافلة، بينما عطلت الأمطار الطوفانية الأخيرة هذا الخط الحديدي الذي يحتاج إلى إعادة هيكلة وصيانة عميقة علاوة على تغيير العربات التي لم تعد تتماشى وحاجات ساكني هذه الضاحية.

حلول متسرعة

صالح السالمي، مقرر لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية في البرلمان التونسي، أكد في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن "قطاع النقل العمومي يمر بأزمة عميقة، ناتجة من تراكمات عقود مضت"، لافتاً إلى أن "القائمين على قطاع النقل في البلاد لم يضعوا خططاً استراتيجية دقيقة على المدى القريب والمتوسط تستوعب التغيرات الديموغرافية والنمو السكاني". وقال إن "غالب دول العالم تعد النقل قطاعاً حيوياً لذلك استثمرت فيه وعملت على تطويره، بينما لجأت تونس إلى الحلول المتسرعة والترقيعية، والتي لا جدوى منها كاستيراد حافلات مستعملة من فرنسا في مرحلة أولى، ثم حافلات جديدة من الصين، والتي تبين لاحقاً أنها لا تتماشى والبنية التحتية في البلاد، مما دفع بمصالح وزارة التجهيز إلى إزالة عدد من مخفضات السرعة على الطرقات، علاوة على نقص قطع الغيار وغياب الصيانة".

ودعا النائب إلى "ضرورة وضع استراتيجيات عميقة، ودراسات فنية دقيقة، والقطع مع الحلول الظرفية في معالجة مشكلة النقل العمومي"، مؤكداً أن ما هو متوافر اليوم من أسطول النقل في تونس يلائم تعداداً سكانياً لا يتجاوز 5 ملايين نسمة، بينما يبلغ عدد التونسيين اليوم 12 مليوناً من دون احتساب الجالية التونسية والسياح، بخاصة في فصل الصيف.

 

ورأى السالمي أن "الكفاءات موجودة إلا أن الإرادة في التخطيط الاستشرافي الواقعي غائبة تماماً، داعياً إلى تقليص الضغط على المواطن والعمل على تهيئة بنية تحتية لائقة وتوفير أسطول حيوي من الحافلات وتعزيز عربات المترو وتحديث الشبكة الحديدية حتى يعكس النقل العمومي صورة تليق بتونس".

ودعا النائب إلى ضرورة أن "يتحلى المواطن التونسي بروح المواطنة، ويحافظ على الملك العمومي، موضحاً أن استنزاف قطاع النقل العمومي يكلف الدولة موازنة مضاعفة في الطاقة والضغط المروري وما يخلفه من حوادث على الطرقات".

وخلص إلى أن النقل الحديدي هو أساس تطور قطاع النقل، داعياً إلى وضع شبكة نقل حديدية عصرية تحافظ على كرامة المواطن في تنقلاته، وهو حق يكفله الدستور.

النقل الحديدي رافعة تنموية

من جهته، أوضح حسين الرحيلي، أستاذ التنمية والتصرف في الموارد في الجامعة التونسية، أن "الدولة لا تهتم كثيراً بقطاع النقل العمومي، لأنها تشجع على برامج خصوصية كسيارة لكل عائلة، والسيارات الشعبية، بالتالي فهي تدفع التونسيين إلى اقتناء السيارات الخاصة على حساب تطوير قطاع النقل".

ويستحضر الرحيلي أن "تونس كانت تملك 1400 حافلة قبل عام 2012، بينما وصل العدد اليوم إلى 300 حافلة فحسب، مما أدى إلى تأزم قطاع النقل الحضري في العاصمة وفي تونس الكبرى، وذلك على رغم توجهها إلى استيراد مئات الحافلات من فرنسا والصين، فإن ذلك لم يخفف الضغط على القطاع".

يشار إلى أن تونس كانت تتوفر على شبكة مترامية من السكة الحديدية، إلا أنه جرى التخلي على نحو نصفها، مشدداً على أن "الحل يكمن في الاستثمار في السكة الحديد، التي باتت مؤشراً إلى النهوض الاقتصادي". وأشار إلى أن الولايات المتحدة لها 250 ألف كيلومتر من السكك الحديد، وهي الاقتصاد الأول عالمياً، بينما تملك الصين 160 ألف كيلومتر، وهي الاقتصاد الثاني عالمياً.

ودعا الرحيلي إلى "ضرورة الاستثمار في النقل الحديدي السريع الذي يفك عزلة الجهات الداخلية ويحفز النمو، موضحاً أن كلفة التخلي عن النقل العمومي عالية جداً، بخاصة أن العجز الطاقي في تونس بلغ 11 مليار دينار (نحو أربعة مليارات دولار)".

النقل خيار استراتيجي للدولة

في المقابل، تعمل الحكومة على الاستثمار في قطاع النقل باعتباره شرياناً حيوياً للاقتصاد. وأكدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، يناير (كانون الثاني) الماضي، أن "تطوير منظومة النقل العمومي لا يندرج في إطار معالجات ظرفية أو جزئية، بل يمثل خياراً استراتيجياً للدولة، يهدف إلى إجراء إصلاحات هيكلية لمنظومة مهترئة، بسبب سياسات تراكمت طوال العقود الماضية، مما يستوجب إعادة بنائها على أسس صلبة وثابتة، في إطار استراتيجية شاملة ومخطط عمل ينبثق عنها على المدى القصير والمتوسط والطويل، للاستثمار في قطاع النقل العمومي الذي يعد شرياناً حيوياً للاقتصاد التونسي، ويعد تطويره من أولويات الدولة في إطار دورها الاجتماعي والاقتصادي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشددت على أن سياسة الدولة في قطاع النقل ستشهد تحولاً جوهرياً مقارنة بما جرى اعتماده خلال العقود الماضية، وذلك في إطار رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى تحسين جودة النقل العمومي، بما يستجيب لتطلعات المواطنين وانتظاراهم المشروعة.

ومن جهته، بين وزير النقل التونسي رشيد عامري، أن الدولة ستتسلم 461 حافلة جديدة على دفعات خلال الثلث الأول من العام الحالي، وسيجري توزيعها بطريقة عادلة بالجهات، وفق مقاييس موضوعية وشفافة، بجميع مناطق الجمهورية، تراعي الحاجات الفعلية لكل جهة، لفك العزلة عن عديد المناطق في البلاد والتخفيف من معاناة المواطنين. وجرى الترخيص للشركات الجهوية للنقل والشركة الوطنية للنقل بين المدن في اقتناء 621 حافلة جديدة.

الدور الاجتماعي للدولة

وبينما ترفع تونس شعار "الدولة الاجتماعية"، قال شرف الدين اليعقوبي المتخصص في الحوكمة ومكافحة الفساد، في تصريح خاص، إن "تأصيل مفهوم الدولة الاجتماعية على أرض الواقع، يتطلب موارد كبيرة، لأن شركات النقل باتت عاجزة مادياً على توفير نقل عمومي محترم بسبب الصعوبات المالية، بينما ترفض الدولة الترفيع في تذاكر التنقل حفاظاً على القدرة الشرائية للتونسيين". ورأى أن "صور عربات المترو التي تحتاج إلى صيانة وتتنقل بأبواب مفتوحة من دون احترام لمعايير السلامة، تدعو إلى التعجيل بتغيير هذا الواقع"، داعياً إلى مزيد الاستثمار في هذا القطاع من أجل خلق ديناميكية اقتصادية.

لا يحتاج إنقاذ قطاع النقل العمومي فقط إلى الموارد المالية، بل أيضاً إلى الإرادة في تغيير جوهري في برامج التخطيط الاستراتيجي، لإحداث ثورة فعلية في قطاع حيوي يرفع نسق النمو ويحفظ كرامة التونسيين.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير