ملخص
مع بداية 2026، دخل الفيلم التونسي "وين ياخذنا الريح" للمخرجة آمال القلاتي القاعات السينمائية التونسية، بعد رحلة دولية لافتة شملت العرض العالمي الأول في مهرجان صندانس السينمائي الدولي، ومشاركات في مهرجانات روتردام وإسطنبول ومالطا والجونة.
يقدم الفيلم رؤية دقيقة لهشاشة الحلم لدى الشباب التونسي ما بعد الثورة، في مجتمع يجد الحرية أحياناً بعيدة المنال، ليصبح الهرب أشبه بالضرورة، بينما يبقى السؤال عن المستقبل متكرّراً في كل خطوة.
منذ مشاهده الأولى يضعنا الفيلم أمام شخصيتين لا تبحثان عن بطولة ولا عن خلاص كبير، بل عن نافذة صغيرة في جدار يومي خانق. عليسة ذات الـ19 سنة، المتمرّدة التي ترفض أن تُختزل في صورة الفتاة المهمّشة، ومهدي ابن الـ23، الشاب الخجول الذي تعلّم أن يخفي أحلامه في زوايا الصمت. صديقان يلتقيان عند النقطة نفسها: الإحساس بأن الواقع أضيق من أن يُحتمل، وأن الخيال ليس ترفاً بل ضرورة للبقاء.
الطريق بيت موقت
يروي "وين ياخذنا الريح" قصة عليسة ومهدي، شابان يلجآن إلى الخيال كوسيلة للهرب من واقع قاس: واقع يتجسّد في البطالة والتهميش، وفي مدن لا تمنح أبناءها سوى الانتظار. حين يكتشفان مسابقة تتيح لهما فرصة لمغادرة البلاد، يقرران خوض مغامرة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تتحول سريعاً إلى رحلة وجودية عبر الجنوب التونسي.
الطريق هنا ليس مجرد انتقال جغرافي، بل مساحة لاختبار الذات. في كل محطة، يواجهان مفاجآت، وعقبات، ووجوهاً تشبههما في الانكسار والأمل. الجنوب يُصوَّر بصفته هامشاً واسعاً يختزن قصصاً غير مرئية: طرقاً طويلة، وقرى منسية، وأصواتاً خافتة تحلم بأن تُسمَع، لا أحداث صاخبة، ولا حبكات معقّدة، بل تراكم بطيء للحظات صغيرة تصنع المعنى.
الفيلم ينجح في جعل المشاهد يشعر بأن هذه الرحلة ليست سوى امتداد داخلي لحال نفسية جماعية: الهرب من مكان لا يشبهنا، والبحث عن فضاء يسمح لنا بأن نكون أنفسنا ولو موقتاً.
هشاشة الحلم
في عمق هذا العمل، يتخفّى سؤال كبير عن تونس ما بعد الثورة. بعد أكثر من عقد على 2011، يبدو أن الحلم الجماعي تفتّت إلى شظايا فردية، لم يعد الشباب ينتظرون تغييراً شاملاً، بل يبحثون عن فرص صغيرة للنجاة: مسابقة، سفر عابر، صدفة قد تغيّر المسار.
تقول المخرجة آمال القلاتي في حديثها عن الفيلم إنه جاء من "الحاجة إلى منح هؤلاء الشباب صوتاً، بفيلم يتحدث عنهم، لكن بلغتهم ونظرتهم وطاقتهم"، هذه الجملة تلخص جوهر العمل، فـ"وين ياخذنا الريح" لا يتحدّث عن الشباب من الخارج، بل من الداخل، من لغتهم اليومية، من إيقاعهم البطيء، ومن صمتهم الذي يقول أكثر مما تقوله الكلمات.
الحرية في الفيلم ليست شعاراً سياسياً، بل تجربة شخصية: أن تختار الطريق، أن تخطئ، أن تحلم. عليسة ومهدي لا يرفعان شعارات، لكن وجودهما نفسه احتجاج ناعم على واقع لا يتيح مساحة للاختلاف. السينما هنا تتحول إلى مساحة بديلة للحرية، وإلى تمرين على تخيل حياة أخرى ممكنة.
مسار فيلم يعبر الحدود
لم يصل "وين ياخذنا الريح" إلى الجمهور التونسي من فراغ، بل عبر مسار مهرجاني كثيف منح الفيلم شرعية دولية قبل عرضه في القاعات المحلية، فقد كان عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات مهرجان صندانس السينمائي الدولي، أحد أهم منصات السينما المستقلة في العالم، ثم شارك في مهرجانات بارزة مثل روتردام السينمائي الدولي وإسطنبول السينمائي الدولي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا المسار تُوِّج بحصول الفيلم على جائزة "النحلة الذهبية" لأفضل فيلم طويل في مهرجان مالطا السينمائي لأفلام البحر المتوسط، الذي أقيم من الـ21 إلى الـ29 من يونيو (حزيران) 2025. تتويج لم يكن احتفاءً بقصة فردية فحسب، بل اعترافاً بقيمة السينما التونسية حين تنحاز إلى الهامش وتحوّل التفاصيل اليومية إلى مادة كونية.
الفيلم من تأليف وإخراج آمال القلاتي، وإنتاج أسما شيبوب، وبطولة سليم بكار، وآية بالأغا، وسندس بالحسن، ولبنى نعمان. أسماء شابة، في معظمها، تنتمي إلى الجيل الذي يتحدث عنه الفيلم، وهو ما يضفي على العمل صدقية إضافية: كأن الحكاية تُروى من داخل التجربة نفسها لا من خارجها.
في النهاية، لا يجيب "وين ياخذنا الريح" عن سؤاله الأساس، لا نعرف حقاً إلى أين تأخذنا الريح، ولا إن كانت الحرية ممكنة في واقع يضيّق يوماً بعد يوم على أحلام شبابه، لكن الفيلم يتركنا أمام حقيقة أكثر عمقاً: أن الريح ليست دائماً خارجنا، بل تسكن في الداخل: ريح القلق، وريح الرغبة في المغادرة، وريح الخيال الذي يرفض أن يموت. عليسة ومهدي لا يصلان إلى وجهة محددة، لكنهما ينتصران على السكون، على الاستسلام، على فكرة أن الحياة قدر مغلق. في زمن تتآكل فيه الأحلام الجماعية يذكّرنا هذا الفيلم بأن أصغر حلم فردي يمكن أن يكون فعل مقاومة، وأن السينما ما زالت قادرة على أن تمنح صوتاً لأولئك الذين يمشون مع الريح… حتى لو لم يعرفوا إلى أين ستأخذهم.