Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقتل سيف الإسلام القذافي بين نهاية حقبة "الخضر" وبداية صراع جديد

شقيقه الساعدي أعلن أن الدفن في بني وليد وطلب الالتزام بالنظام العام وعدم الخروج عن القانون

سيف الإسلام يظهر أمام الإعلام في مقر إقامة والده في العاصمة الليبية طرابلس، في 23 أغسطس 2011 (أ ف ب)

ملخص

تشمل قائمة المستفيدين من مقتل سيف الإسلام القذافي قائمة طويلة تضم غالبية الفرقاء الفاعلين بالمشهد الليبي لتأثيره في طيف واسع من المكونات القبلية المؤيدة له. وحذر مراقبون من خطورة تشتت الأوساط السياسية والاجتماعية المؤيدة لسيف الإسلام وتنامي شعورهم بالإقصاء والمظلومية بعد اغتياله على مشروع المصالحة الوطنية.

طوى مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس السابق معمر القذافي، صفحة مهمة ومثيرة للجدل في التاريخ السياسي الحديث لليبيا، وأد الرصاص في ختامها طموحاته لخلافة أبيه في حياته وبعد مماته، وفُتحت صفحة أخرى في سيرة زمن فوضوي لا يموت الأشخاص البارزون فيه كما يموتون في الدول المستقرة، بل يتحولون إلى عُقد في شبكة صراعات معقدة أساساً.

الدفن في بني وليد

ونشر الساعدي القذافي، شقيق سيف الإسلام، صباح اليوم الخميس تدوينة على منصة "إكس" نعى فيها شقيقه، وأكد أن مراسم الدفن ستُقام غداً الجمعة في مدينة بني وليد، حيث سيوارى الثرى إلى جوار قبر شقيقه خميس معمر القذافي. ودعا الساعدي المواطنين إلى الالتزام بالنظام العام وعدم الخروج عن القانون.
وكان من المقرر أن يُدفن سيف في مدينة سرت حيث أعلنت "القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية" أمس الأربعاء موافقتها على ذلك باعتبار أن سرت تقع تحت سيطرتها، غير أن قرار الدفن استقر على مدينة بني وليد التي تعد قبيلة ورفلة غطاءها الاجتماعي، وهي موالية لقبيلة القذاذفة التي يتحدر منها معمر القذافي.

بداية فصل جديد من فصول الأزمة

الاغتيال الصادم والمفاجئ لسيف الإسلام، المرشح الرئاسي السابق، بقدر ما يبدو خاتمة درامية لمسيرة رجل مثّل في الأعوام الماضية عقدة بالمشهد السياسي وعقدة لمنافسيه على الحكم، هو في جوهره بداية فصل جديد من فصول الأزمة الليبية المفتوحة باعتباره آخر الرموز الثقيلة للنظام السابق.
الطريقة التي تمت بها تصفية القذافي وتوقيت العملية، لن تجعلها تمر كأي حادثة أمنية عابرة، بل تمثل زلزالاً سياسياً ارتداداته المحتملة كبيرة على المستويين الاجتماعي والسياسي، وعلى طاولات العواصم الأجنبية المتدخلة في الشأن المحلي، وفي وجدان أنصار "الجماهيرية" الذين عادوا بقوة إلى المشهد في الأعوام الخمسة الماضية.

نهاية خصم ثقيل

وعلى رغم أن معظم الأطراف السياسية الليبية تبرأت من التخطيط والتنفيذ لمقتل سيف الإسلام القذافي فإن نهاية حياة شخصية سياسية بحجمه وثقله، مثّلت بلا شك متنفساً للقوى التي قامت على أنقاض نظام والده، سواء تلك المحسوبة على تيار "ثورة فبراير" (شباط) أو النخب التي تشكلت بعد عام 2011، فقد شكل سيف الإسلام تهديداً رمزياً وسياسياً لهذه القوى، لا بوصفه قائداً عسكرياً، بل باعتباره حامل إرث سياسي بديل قادر على استقطاب شريحة واسعة من الليبيين الساخطين على الفوضى والانقسام، وموته يعني إغلاق أحد أهم وربما آخر المسارات التي كانت يمكن أن تعيد إنتاج النظام السابق سياسياً عبر صناديق الاقتراع لا على ظهر الدبابات.
وكان سيف الإسلام القذافي تصدر كل الاستفتاءات التي أجرتها مصادر مختلفة، رسمية وغير رسمية، عندما كانت البلاد متأهبة لإجراء انتخابات رئاسية في نهاية عام 2021، لم يُكتب لها أن تبصر النور بسبب الظروف الأمنية والانقسام السياسي، لكن هذه الأرقام جعلت منافسيه يستشعرون خطر عودته إلى المشهد وقدرته الفعلية على استعادة الحكم في البلاد.

نافذون مستفيدون

ورأى الباحث السياسي الليبي محمد العنيزي أن "قائمة المستفيدين من سقوط الرمز القوي الأخير لنظام القذافي طويلة ومتشابكة، وقد لا يكون هناك ما جمع بين كل فرقاء ليبيا في الأعوام الماضية أكثر من تحسس خطر سيف الإسلام القذافي وتحركاته السياسية وتنامي أعداد مناصريه بصورة مطردة، ولكن الكيفية التي تمت بها عملية تحييده من المشهد كانت حرفية ومحسوبة ومباغتة، مما يجعلني أعتقد شخصياً أن لغز مقتله سيبقى عصياً على الحل بسبب ضعف الأدلة المتوافرة، وربما حتى ضعف الرغبة والقدرة لدى السلطات الليبية على فك شيفرة لغز كبير جداً مثل هذا". وأضاف أن "وجود سيف الإسلام حياً كان يشكل خطراً استراتيجياً على أسماء سياسية كثيرة واقتصاد الحرب ورؤوسه، فشخصية كهذه إذا ما دخلت تسوية سياسية شاملة قادرة على الدفع نحو دولة مركزية قوية تعيد ضبط السلاح وتفكيك المجموعات المسلحة، بغض النظر عن التحولات التي كان مرجحاً أن تطرأ على مشروعه، وتعيد إنتاج نظام شمولي ديكتاتوري كما يرى البعض، فإن مقتله يخدم مصالح الميليشيات التي تزدهر في بيئة الفوضى، حيث يغيب المشروع الوطني الجامع ويستمر منطق القوة".
ولم يستبعد العنيزي إحدى الفرضيات التي طُرحت بقوة على الساحة منذ مقتل سيف الإسلام وهو أن تكون قوى خارجية ضالعة في عملية اغتياله، من بين تلك التي تعاملت مع ليبيا بعد عام 2011 بوصفها ساحة نفوذ، لا دولة ذات سيادة، قائلاً إن تلك القوى "ربما رأت في مقتله ضمانة لعدم عودة نموذج سياسي مستقل قادر على إعادة التفاوض حول النفوذ النفطي والقواعد العسكرية والعلاقات الخارجية من موقع الندية".

وختم قائلاً، "الخلاصة أن كل وجه سياسي بارز في المشهد وطامح لتولي مقاليد الحكم هو مستفيد بصورة أو بأخرى من رحيل سيف الإسلام إلى الأبد وطيّ صفحة مشروعه، فمن غير المرجح أن تظهر شخصية بقوة تأثيره في أنصاره، بين القيادات المتبقية من تيار 'الخضر'" كما يعرف أنصار معمر القذافي في ليبيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تيار بلا قائد

إذا كانت قائمة المستفيدين من مقتل سيف الإسلام طويلة ومن مشارب سياسية متنوعة في ليبيا، فإن طرفاً واحداً سيتأثر بقوة برحيله وهو تيار المناصرين له وللنظام القديم الذي يمثله، وهم فئة اجتماعية ضخمة تتوزع في أنحاء البلاد وتتركز بصورة خاصة في المنطقتين الغربية والجنوبية، فمن المستبعد أن يخرج بديل له من صفوفهم ليكمل ما بدأه، حتى من إخوته المتبقين على قيد الحياة وهم ثلاثة، أكبرهم محمد الذي اختار منذ عام 2011 الابتعاد كلياً عن المشهد في منفاه بسلطنة عمان، والساعدي الذي أُفرج عنه قبل عامين بعد سجنه لـ10 أعوام في طرابلس والمثقل بأمراض كثيرة والمرفوض من مناصري والده لفراره قبل وفاة الأخير إلى النيجر، إضافة إلى هانيبال القذافي الذي اشتهرت قضية سجنه في لبنان قبل الإفراج عنه منذ أشهر قليلة وهو في حالة صحية يرثى لها.

سقوط مشروع المصالحة

الصحافي الليبي، الصديق الورفلي، يعتقد أن "فقدان القيادة التي أجمع عليها والتف حولها أنصار القذافي ستتسبب بتشتتهم وعزلتهم فمقتل سيف الإسلام، باعتباره اغتيالاً سياسياً لا حادثة عارضة، قد يدفع أنصاره نحو مزيد من الراديكالية أو في الأقل إلى الانكفاء ورفض أي مسار سياسي لا يعترف بمظلوميتهم".

وتابع أن "سيف الإسلام كان على رغم الجدل في شأنه أحد المفاتيح الممكنة للمصالحة، لأنه يجسد طرفاً لا يمكن تجاوزه في معادلة المنتصر والمهزوم، وغيابه القسري يعني فقدان أحد الأعمدة التي كان يمكن أن تُبنى عليها تسوية تاريخية تعترف بالجميع، وتغلق صفحة الإقصاء، ومقتله بهذه الطريقة ليس مقتل رجل وحسب، بل يضعف فكرة المصالحة نفسها مع أنصار النظام السابق. وفي مجتمع قبلي مثل ليبيا، لا تنتهي الصراعات بموت الأشخاص، بل قد تبدأ بهم، وقد يؤدي مقتل سيف الإسلام إلى إذكاء نزعات الثأر، أو إلى تصدعات جديدة بين القبائل".

وشدد الورفلي على أنه "بغياب سيف الإسلام، ستتجه الأصوات 'الترحمية' على النظام السابق إلى التشتت، وقد تبحث عن بدائل أقل وزناً وتأثيراً للالتفاف حولها، وهذا قد يمنح القوى الحالية فسحة موقتة لكنها ليست ضمانة للاستقرار، بل هي تأجيل لأزمة التمثيل السياسي الحقيقي، فالتاريخ الليبي الحديث يظهر أن اغتيال الرموز لا ينهي الأزمات، بل يعمقها فالقذافي قُتل لكن 'جماهيرته' كذاكرة وشبكة اجتماعية لم تُقتل، ومقتل سيف الإسلام بهذا السيناريو، قد يحوله من فاعل سياسي مثير للجدل إلى أسطورة مظلومية، وهو تحول غالباً ما يكون أخطر من وجود الرمز حياً".

وبمنأى عن قوائم المستفيدين والمتضررين، تجمع أصوات كثيرة في الساحة الليبية على أن مقتل سيف الإسلام القذافي سيزيد هشاشة المشهد الليبي أكثر مما يقدم حلاً له، فهو حدث لن يحسم الصراع بل سيعيد إنتاجه بصيغ أكثر تعقيداً، وسيطرح سؤالاً جوهرياً هل يمكن بناء المستقبل الواعد بإقصاء الماضي بقوة السلاح؟

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات