ملخص
امتثالاً لقانونين صادق عليهما الكنيست، يحظر الأول نشاط الوكالة داخل "المناطق الخاضعة للسيادة الإسرائيلية"، ويحظر الثاني أي اتصال مع الوكالة، أقدمت إسرائيل على إغلاق ست مدارس، ومركزين صحيين، وحرمت نحو 60000 مريض من تلقي الخدمات الصحية، وأصبح تقديم رعاية صحية أولية للأطفال حتى سنّ ثلاث سنوات، وللنساء الحوامل أمراً مستحيلاً مع تواجد عناصر الشرطة الإسرائيلية.
بعد أن رفعت إسرائيل علمها داخل مجمع وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" في حي الشيخ جراح بالقدس صباح 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، وفرضت سيطرتها بالقوة على مؤسسة أممية، تيقّن اللاجئون الفلسطينيون أنهم أمام المعركة الأصعب على الإطلاق منذ تهجيرهم عام 1948، كيف لا وهم يرون "الأونروا" التي تأسست عام 1949 بهدف إغاثتهم وحمايتهم، بعد أن أجبروا على مغادرة منازلهم أو الفرار منها، تستغيث من دون مجيب. ففي الوقت الذي تعيش فيه أزمة وجودية في غزة ومناطق عملياتها الأخرى، تطرد الوكالة برمزيتها وجغرافيتها ومكانتها من القدس من دون عودة. ولم يكن أمام عماد منصور (17 سنة) من سكان مخيم شعفاط شرق القدس ونحو 100 ألف لاجئ مقدسي، سوى الوقوف متفرجين بمرارة وحسرة أثناء عملية هدم مقر "الأونروا" التاريخي في القدس الشرقية.
ومن خلال اتفاقية "كوماي - ماكليمور" اللازمة التي وقعت بين إسرائيل و"الأونروا" عام 1967 حُدد دور ومهام الوكالة ورُسِخت امتيازاتها وحصانتها الدبلوماسية، وألزمت الاتفاقية الموقعة عام 1946، عدم جواز فرض ضرائب من قبل الدول المضيفة على الأمم المتحدة أو ممتلكاتها. وما إن بدأت "الأونروا" بتقديم الرعاية لـ 750 ألف فلسطيني، بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، حتى أصبحت لاحقاً أكبر وكالة إغاثة في الأراضي الفلسطينية، تتكفل بنحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مسجّل في أنحاء المنطقة، بما في ذلك الأردن ولبنان وسوريا. وإلى جانب تقديم الغذاء والسلع الأساسية الأخرى، تقدم "الأونروا" عبر السلطات الحاكمة، التعليم والرعاية الصحية وأعمال البنى التحتية للاجئين الفلسطينيين، في وقت تتزايد فيه أعداد المستفيدين من خدماتها نتيجة ظروف النزوح الأخيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتفاقم التحديات الإنسانية في مناطق تواجدها.
المعهد الوحيد
امتثالاً لقانونين صادق عليهما الكنيست الإسرائيلي أواخر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، يحظر الأول نشاط الوكالة داخل "المناطق الخاضعة للسيادة الإسرائيلية" بما يشمل تشغيل المكاتب التمثيلية وتقديم الخدمات، ويحظر الثاني أي اتصال مع هذه الوكالة الدولية، أقدمت إسرائيل على إغلاق ست مدارس تخدم نحو 800 طالب وطالبة في القدس الشرقية، ومركزين صحيين، أحدهما في البلدة القديمة والآخر في مخيم شعفاط للاجئين، وحرمت نحو 60000 مريض من تلقي الخدمات الصحية على رغم صعوبة الوصول بشكل كافٍ إلى المرافق الصحية الأخرى، وأصبح تقديم رعاية صحية أولية للأطفال حتى سنّ ثلاث سنوات، وللنساء الحوامل أمراً مستحيلاً مع تواجد عناصر الشرطة الإسرائيلية. ووفقاً لبيان وزارة الخارجية الإسرائيلية، فإن المواقع لا تتمتع بأي حصانة دبلوماسية، وقد وضعت السلطات الإسرائيلية اليد عليها وفقاً لكل من القانون الإسرائيلي والقانون الدولي.
في غضون ذلك، يعيش منصور إلى جانب 350 طالباً فلسطينياً، في حال من عدم اليقين حول من أين ستأتي المساعدة بعد توقف "الأونروا"، فالتهديد الإسرائيلي لمؤسساتها طال معهد "قلنديا" الذي يعتبر المؤسسة الوحيدة التي تطرح التعليم المهني للاجئين الفلسطينيين الشباب في كل من الضفة الغربية والقدس. وأصدرت السلطات الإسرائيلية، قبل أيام، أمراً يقضي بمصادرة المعهد ووقف العمل فيه وقطع التيار الكهربائي عنه، وذلك بعد أن الحق قانون حظر مؤسسات الوكالة بقرارٍ جديد يلزم الشركات الإسرائيلية بوقف تقديم الخدمات الأساسية من الماء والكهرباء لهذه المؤسسات. وحذّرت "الأونروا" من أن أي إغلاقٍ أو استيلاءٍ غير قانوني على المركز سيؤدي إلى فقدان خدمات التعليم المهني الأساسية"، في انتهاك مباشر لولاية الوكالة الممنوحة لها من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وللحق في التعليم الذي تكفله القوانين والمواثيق الدولية.
ترقب وقلق
في حال إتمام قرار المصادرة والإغلاق ولربما الهدم، سيُحرم طلاب المعهد، الذي أُنشئ عام 1953، من 16 تخصصاً مهنياً وتقنياً تقدم لهم مجاناً، في ظل ضعف المقدرة الاقتصادية لعائلاتهم لتغطية تكاليف التعليم المهني الخاص. وعلى مدار عقود عمل فيها معهد "قلنديا" ضمن مساحة تبلغ 86 ألف متر مربع بين القدس ورام لله على تخرّج أكثر من 20 ألف طالب من اللاجئين الفلسطينيين، وتلقى آخرون، معظمهم دون سن الـ 18، عشرات البرامج التدريبية ضمن تخصص الكهربائيات والاتصالات، وقطاع الميكانيكا، والبناء، والحدادة، ما مكّنهم وعزز فرصهم في الانضمام لسوق العمل مباشرة. ووفقاً لـ "هيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين" فإن استهداف المعهد "يندرج ضمن مساعٍ لإنهاء وجود الأونروا في القدس الشرقية"، لما تمثله من "أهمية سياسية وقانونية وإنسانية في ما يتعلق بقضية اللاجئين"، معتبرة أن ادعاء إسرائيل ملكية الأرض المقام عليها المعهد "يتعارض مع القوانين الدولية". وأكد مسؤولون في "الأونروا" أن أرض المعهد منحت لهم من الحكومة الأردنية منذ أكثر من 70 عاماً. واعتبر مدير معهد "قلنديا" بهاء عواد أن "خطر الاستيلاء وإغلاق المعهد سيطال هوية الكلية ووجودها ولن يقتصر على الطلبة فقط"، معتبراً أن فقدان المعهد سيكون "خسارة كبيرة على أونروا وبقدر أكبر على اللاجئين الفلسطينيين الذين يسعون لعيش حياة كريمة".
حي استيطاني
وبذريعة أن الأرض المقام عليها المعهد لا تتبع لـ"الأونروا" وإنما لما تسمى بـ "دائرة أراضي إسرائيل"، طلب نائب رئيس بلدية القدس آريه كينغ من السلطات الاسرائيلية إخلاء المعهد فوراً، ودفع رسوم إشغال بأثر رجعي بقيمة 17 مليون شيكل (5.5 مليون دولار). تزامناً، ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن إسرائيل تخطط لبناء حي استيطاني على أرض المطار التاريخي ثم التوسع على أرض المعهد المهني بعد طرد الوكالة من المكان، مشيرة إلى أن مخططاً قيد الإعداد يرسم على أن تكون منطقة مقر "الأونروا" في القدس، التي تمت مصادرتها وهدمها لاحقاً، مكاناً لبناء 1440 وحدة سكنية استيطانية.
وأرجأت اللجنة اللوائية الإسرائيلية للتخطيط والبناء في القدس، الشهر الماضي، المصادقةَ على مشروع استيطاني يستهدف أراضي مطار قلنديا الدولي سابقاً، ويقضي ببناء ما يقارب 9000 وحدة استيطانية شمال مدينة القدس على مساحة تُقدّر بنحو 1.243.000 متر مربع.
وحذّر الخبير في شؤون الاستيطان صلاح الخواجا من أن تنفيذ المشروع الاستيطاني على أراضي مطار قلنديا التاريخي القريب من مقر المعهد "يقطع التواصل الجغرافي بين القدس ورام لله"، وأضاف "ستوجه إسرائيل ضربة قاصمة لإمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل جغرافي خصوصاً أن المنطقة المستهدفة تعد رابع أكبر مساحة أراض في محيط القدس."
دور الضفة
في الأثناء، رأى مراقبون أن الحظر الإسرائيلي الذي طرد "الأونروا" من القدس ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لتوسيع نطاق الحظر ليؤثر على عمليات الوكالة وخدماتها المقدمة للاجئين في كل الضفة الغربية، خصوصاً أن الهدم الذي طال المقر الرئيس في حي الشيخ جراح بالقدس كان يشرف على تقديم خدمات أساسية لأكثر من 850 ألف لاجئ في الضفة الغربية وأكثر من 100 ألف لاجئ في القدس، وهو ما حدّ من قدرتها على الوصول إليهم مباشرة، وعلى رغم أن 90 مدرسة تابعة للوكالة و41 مركزاً صحياً، ومنشآت التمويل الصغيرة في الضفة الغربية، ما زالت تعمل إلى الآن بقدراتٍ وامكانياتٍ محدودة جداً، إلا أن الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بها جراء شلّ عملها في القدس لن تمكّنها حتى من الإيفاء بالحد الأدنى من خدماتها لجميع اللاجئين في كل مناطق عملياتها، خصوصاً أنها تواجه أزمة إنسانية حادة في شمال الضفة الغربية، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية التي أدت إلى نزوح أكثر من 40 ألف لاجئ فلسطيني من ثلاث مخيمات للاجئين، وأدت إلى تدميرٍ غير مسبوق للبنية التحتية في تلك المخيمات بما في ذلك شبكات الصرف الصحي، والمنازل، وأصبحت بذلك الملاذ الأخير والوحيد لحصولهم على الرعاية الصحية، بدءاً من الخدمات الأولية وصولاً إلى العلاج المنقذ للحياة وإدارة الأمراض المزمنة. وبحسب الأرقام فإن نحو 900 ألف لاجئ فلسطيني يستفيدون من خدمات "الأونروا" الصحية في الضفة، ويترددون سنوياً على 43 مركزاً للرعاية الأولية التابعة لها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حق العودة
خلال العقود الأخيرة، كثفت إسرائيل حملتها المتواصلة من أجل إنهاء وجود "الأونرو"ا وإضعافها وتشتيت مواردها المالية وشيطنتها واتهامها بأنها تحرّض على العنف والإرهاب، ففي يناير (كانون الثاني) عام 2024 قالت تل أبيب إن 12 موظفاً من المنظمة الأممية شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، وجراء هذا الاتهام، علّقت دول عدة، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا تمويلها للوكالة الأممية، لكنها تراجعت لاحقاً عن قرارها باستثناء واشنطن. وتتلقى "الأونروا"، وفقاً لموقعها الإلكتروني، دعماً من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بما في ذلك الحكومات الإقليمية والاتحاد الأوروبي، ما يقرب من 92.6 في المئة من المساهمات المالية للوكالة. وقد دفع غياب حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين طوال عقود على تجديد ولاية الوكالة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة وبشكل متكرر، وكان آخرها تمديد عملها حتى 30 يونيو (حزيران) من العام الحالي.
وفي وقت اعتبر مدير مركز "بديل" لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين نضال العزّة أن الخطر الاستراتيجي الأكبر المترتب على حظر عمل "الأونروا" يكمن في "تصفية قضية اللاجئين والتهرب منها دولياً، رأى الكاتب في صحيفة "ذا جيروزاليم بوست" الإسرائيلية شاي غال أن هذا الانتقال "سيشكل فرصة لإعادة هيكلة العمل الإنساني، وتلبية الضرورات الأخلاقية والأمنية التي تقرّها الدول الديمقراطية، إذ يزيل مؤسسة استغلها الإرهابيون، ويعزز الشفافية وثقة المانحين".
يذكر أنه من بين أحد أكثر الانتقادات الإسرائيلية لـ"الأونروا"، أنها تورث صفة لاجئ للأجيال الفلسطينية القادمة، ما قد يحفّز آمالهم بالعودة إلى مدنهم وقراهم التي هجّروا منها عام 1948.