Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حرب باردة" في الساحل الأفريقي للظفر بمعدن الليثيوم

الصين وروسيا تنافسان الغرب للفوز بصفقات التنقيب عن المعادن والثروات داخل القارة السمراء

تسعى السلطات المحلية في أفريقيا إلى تأميم ثروتها من الليثيوم لعرقلة عمليات استغلاله (أ ف ب)

ملخص

يحتدم السباق الدولي في أفريقيا تجاه الليثيوم مع تصاعد التحذيرات من نقص حاد محتمل في هذا المعدن خلال الأعوام المقبلة، إذ يتزايد الطلب عليه في صناعة الهواتف والحواسيب الذكية وأيضاً يُراهن عليه في مجال السيارات الكهربائية.

باتت أفريقيا في قلب صراع جديد محوره الليثيوم، المعدن النادر الذي يستخدم في صناعة وتشغيل الهواتف الذكية وأيضاً الحواسيب المحمولة والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة الشمسية والرياح، وفازت الصين بصفقات مهمة داخل القارة السمراء للتنقيب عن هذا المعدن في خطوة تثير مخاوف متنامية من الغرب.

وتستغل الصين وروسيا انحسار نفوذ الغرب من أجل التمدد في أفريقيا والتنقيب عن ثروات تكتسي أهمية خاصة على غرار الليثيوم والذهب واليورانيوم، وأعلنت بكين أخيراً الفوز بصفقة للتنقيب عن الليثيوم داخل منجم يعد الأكبر في أفريقيا والخامس عالمياً، ويقع في غولامينا داخل منطقة بوغوني التي تبعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة المالية باماكو.

ويختزن المنجم احتياطات من الليثيوم تقدر بمليوني طن، ويتطلب استغلاله استثمارات بـ640 مليون دولار، وهذا المنجم من المتوقع أن تجني منه مالي 160 مليون دولار، مما أشاع أجواء من التفاؤل في شأن إمكانية مساهمته في انتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية.

مشاريع صينية ضخمة

ومنذ أعوام دفعت الصين استثمارات هائلة في أفريقيا من بوابة دول مثل زيمبابوي، وهي دول تختزن احتياطات كبيرة من الليثيوم، لكن خلال الآونة الأخيرة برز منافسون جدد لبكين داخل القارة السمراء.

وكانت إسبانيا أبرز المنافسين بعد فوزها أخيراً بحق التنقيب عن الليثيوم في النيجر، ومن المقرر أن تبدأ شركة تابعة لها أنشطتها داخل هذا البلد، الذي شهد انقلاباً عسكرياً قبل نحو عامين، في غضون أسابيع.

واعتبر الباحث الاقتصادي بجامعة إنجامينا التشادية الحسن صالح محمد أن "عندما نتحدث عن السباق الدولي في شأن الليثيوم غرب أفريقيا، نجد أن هناك تغلغلاً صينياً في القارة السمراء، لأن بكين تبنت منذ توجهها إلى القارة سياسة تعتمد على الندية في تعاملها مع الدول الأفريقية التي ترى أنها مضطهدة من قبل الغرب".

 

 

وأوضح محمد أن "الصين تعامل الدول الأفريقية بالمثل وهو عامل استفادت منه بكين في السباق حول الليثيوم وغيره من المعادن، وهناك توجه دولي لاستغلال الليثيوم الذي يعد معدناً استراتيجياً في الطاقات الجديدة، فبدلاً من الاعتماد على النفط وغيره بدأ العالم يتجه إلى الليثيوم، وانطلاقاً من ذلك قامت الصين بالاستثمار في مشاريع ضخمة غرب أفريقيا حول هذا المعدن".

وفسر بالقول إن "في مالي، استحوذت الصين على نحو 40 في المئة من استثمارات شركة مالي لليثيوم، وتواجدت في نيجيريا أيضاً حيث دخلت بصورة قوية هناك وقامت بمشاريع في الليثيوم، وأيضاً استثمرت في زيمبابوي وافتتحت بكين أكبر مصنع لمعالجة الليثيوم هناك".

وشدد على أن "أفريقيا تعاني نقصاً كبيراً في مجال الطاقة، لذلك فإن عدداً من الدول ترى أن جلب استثمارات ضخمة سواء صينية أو غيرها من شأنه أن يمكنها من الخروج من هذا المأزق والانتقال إلى الطاقات النظيفة والخضراء، وأيضاً الدخول في مجالات مثل صناعة السيارات التي يعد الليثيوم عنصراً رئيساً فيها".

تحول طاقي عالمي

ويحتدم السباق الدولي في أفريقيا تجاه الليثيوم مع تصاعد التحذيرات من نقص حاد محتمل في هذا المعدن خلال الأعوام المقبلة، والذي يتزايد الطلب عليه في صناعة الهواتف والحواسيب الذكية وأيضاً يُراهن عليه في مجال السيارات الكهربائية.

وحذرت الوكالة الدولية للطاقة من "خطر" تفاقم النقص العالمي الحاد في مادة الليثيوم مع حلول عام 2035.

وعدَّ الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان أن "السباق الدولي على الليثيوم غرب أفريقيا يتسارع، مدفوعاً بالتحول الطاقي العالمي وتزايد الطلب على هذا المعدن لاستخدامه في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، وهذا السباق يعيد رسم خريطة النفوذ الجيواقتصادي، حيث تتحول بلدان مثل مالي وزيمبابوي إلى مصادر استراتيجية لليثيوم".

واستدرك ألبان في تصريح خاص بالقول إن "وسط تحديات بيئية وحوكمة لا تزال قائمة تكمن أهمية الليثيوم كونه مفتاحاً للانتقال الطاقي في العالم، إذ تعتمد عليه عمليات تخزين وإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، مما يمنح أفريقيا فرصة تاريخية لتحويل ثروتها إلى قاطرة تنموية لو أعيدت هيكلة عقود التعدين من أجل تحقيق قيمة مضافة محلية"، لافتاً إلى أن "الصين اليوم تتمتع بأفضلية واضحة من خلال الفوز بالصفقات الكبرى داخل المنطقة نتيجة استثماراتها الضخمة وسيطرتها على سلاسل صناعة البطاريات، وموجة الاستثمارات الصينية ترافقها تحديات بارزة مثل الفساد وحقوق المجتمعات والمشكلات البيئية وتفاوت مكاسب الدول المستضيفة بين عوائد مالية محدود وآثار اجتماعية وبيئية ملموسة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردف المتحدث أن "الصين تبرز اليوم كمهيمن على جزء كبير من عمليات الاستخراج والتصنيع، إذ تسيطر الشركات الصينية على نحو 83 في المئة من الإمدادات المتوقعة لليثيوم الأفريقي حتى نهاية هذا العقد، وهو ما يثير مخاوف جدية من انفرادها بتسعير الموارد وتغليب مصالحها على حساب التنمية المحلية وضعف الالتزام كذلك بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية".

وخلص ألبان إلى أن "الليثيوم لا شك أنه أحد أهم ركائز التحول الطاقي، إذ تشير تقارير البنك الدولي ووكالات الطاقة إلى نمو مضاعف للطلب على الليثيوم بصورة متسارعة مدفوعة بالانتقال إلى السيارات الكهربائية، وشركة ’غانفاغ ليثيوم‘ تسيطر على أبرز مناجم الليثيوم غرب أفريقيا داخل دول مثل مالي، وبكين تستثمر بصورة رئيسة في سلاسل تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، مما يمنحها قدرة فائقة على اقتناص صفقات مهمة من أمام منافسيها الغربيين".

خطر محدق بالليثيوم

وعلى رغم ما سبق، فإن هناك تحديات حقيقية تواجه عمليات التنقيب عن الليثيوم في أفريقيا، حيث تزيد قوانين جديدة سنتها دول عرفت تحولات سياسية خلال الأعوام الأخيرة من مخاوف في شأن "فرض قيود" على عمليات استخراج الليثيوم.

 

 

وسارعت مالي، التي عرفت انقلاباً عسكرياً قبل نحو خمسة أعوام، إلى إقرار قوانين جديدة تستهدف تأميم ثروات البلاد ومن بينها الليثيوم والذهب، مما جعل شركات أجنبية وخصوصاً غربية تواجه مصاعب كبيرة.

وقال الباحث السياسي إليان سركيس إنه "من الواضح أن هذه القوانين الجديدة التي تهدف بحسب ما تقول السلطات المحلية إلى تعزيز عمليات التأميم والرقابة المحلية، تعرض استغلال الليثيوم للخطر إذا لم تكن مصحوبة بشروط واضحة ومستقرة للمستثمرين".

ويرى سركيس أنه "مع ذلك، إذا حققت هذه الدول ولا سيما مالي توازناً ذكياً، من خلال استقرار الإطار القانوني والحفاظ على شفافية العقود وضمان توزيع عادل للمنافع، فقد تحول الليثيوم إلى فرصة حقيقية للتنمية المستدامة".

وأكد المتحدث أن "سباق الليثيوم غرب أفريقيا يعد اليوم أمراً بالغ الأهمية للتحول العالمي في مجال الطاقة، وتتمتع الصين بمكانة جيدة بفضل ريادتها الصناعية وتأسيسها السريع في أفريقيا، ولكن يمكن لدول المنطقة الاستفادة من المنافسة للحصول على شروط أفضل".

واستنتج سركيس أنه "لا يقتصر التحدي الذي تواجهه أفريقيا على توقيع عقود الاستخراج فحسب، بل يشمل أيضاً جذب الاستثمارات في المعالجة المحلية وتصنيع البطاريات، من أجل الحصول على حصة أكبر من القيمة المضافة".  

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير