ملخص
استعانت المجالس العسكرية الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في السنوات الماضية، بقوات روسية بهدف تحقيق اختراق ضدّ الجماعات المسلحة التي عزّزت نفوذها، بشكل كبير، إذ تخضع العاصمة المالية باماكو، إلى حصار خانق تفرضه عليها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي.
قام مسؤول أميركي كبير بزيارة إلى مالي بهدف رسم مسار جديد في العلاقات بين واشنطن وباماكو في خطوة بدت لافتة في توقيتها حيث تسعى القوى الغربية إلى تطويق النفوذ الروسي في منطقة الساحل الأفريقي.
واستعانت المجالس العسكرية الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في السنوات الماضية، بقوات روسية بهدف تحقيق اختراق ضدّ الجماعات المسلحة التي عزّزت نفوذها، بشكل كبير، إذ تخضع العاصمة المالية باماكو، إلى حصار خانق تفرضه عليها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي.
وكشف مدير مكتب الشؤون الأفريقية الأميركي نيك تشيكر عن أنه زار مالي من أجل "نقل احترام الولايات المتحدة لسيادة هذا البلد ورغبتها في رسم مسار جديد للعلاقات معه" من دون أن يكشف عن تفاهمات في هذا الشأن.
مغريات اقتصاديّة
جاءت زيارة تشيكر إلى مالي في لحظة فارقة حيث دخلت البلاد ضمن تحالف ثلاثي في الساحل الأفريقي يضمّ أيضاً النيجر وبوركينا فاسو، وذلك بعد مغادرة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" واتخاذها خطوات متزايدة للتقارب مع روسيا.
واعتبر الباحث السياسي المالي حمدي جوارا أن "الرئيس الأميركي دونالد ترمب أدرك أنه لا يوجد داعٍ حالياً لفتح جبهة ضد ثلاث دول أفريقية تجتمع في تحالف سياسي وعسكري خصوصاً بعد أزمة التأشيرات التي أعلنت دول الساحل التعامل فيها بالمثل، وتم إرجاع مواطنة أميركية من مطار باماكو منذ شهر"، وتابع جوارا "نحن هنا لا نقول إن هذه الدول يمكنها الصمود أمام الولايات المتحدة وضغوطها، لكن من الواضح أن ترمب فهم ألا داعي للعناد السياسي لسبب بسيط أن مالي تعتبر هذا العام ثاني أكبر منتج للذهب في أفريقيا، وتأتي بوركينا فاسو في المركز الرابع"، ولفت إلى أنه "بالإضافة إلى افتتاح شركتي ليثيوم في مالي أخيراً، ومراكز صناعية أخرى، ثم هناك اليورانيوم في النيجر، والتي ما زالت أكبر دولة تملك احتياطيات من هذه المادة في أفريقيا، فترمب يرى هذه المغريات الاقتصادية، ومن ثم هو يبحث عن موطئ قدم جديدة في هذه المنطقة التي تتقاسمها حالياً الصين وروسيا''، وشدد جوارا على أنه "لا شك أن اختيار مالي لم يكن اعتباطاً إذ تأخذ واشنطن بالاعتبار نفوذها في المنطقة، ولكونها الأولى التي بادرت إلى طرد القوات الأجنبية، حتى وإن لم تكن فيها قوات أميركية بمستوى ما كانت عليه في النيجر، لكن ما يساعد في حلحلة الأزمة هو قول المبعوث الخاص الأميركي إن الولايات المتحدة تريد فتح صفحة جديدة مع دول الساحل مبنية على احترام سيادة هذه الدول وعدم التدخل في شؤونها وبناء شراكات سياسية وربما عسكرية إن أرادت دول الساحل أي مساعدة في هذا الإطار".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شقّ أمني
هذه الزيارة جاءت أيضاً في خضمّ أزمة أمنية وجودية تواجهها مالي حيث نجحت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وجماعات متمرّدة أخرى في فرض نفسها رقماً صعباً بالمعادلة السياسية في البلاد.
ويكافح الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري من أجل استعادة السيطرة على الوضع، في وقت طرح مسؤول أميركي، منذ أسابيع، إمكان تقديم دعم لباماكو في مواجهة الاضطرابات الأمنيّة.
في السياق، اعتبرت الباحثة المتخصصة في الشؤون الأفريقية ميساء نواف عبد الخالق أن "الزيارة جاءت في توقيت حساس في خضمّ الحصار الذي يطوّق باماكو الذي فرضته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهي تندرج في سياق اهتمام واشنطن بدول الساحل الأفريقي، وتحديداً مالي التي تريد إدارة ترمب أن تكون بوابة للترويج لمقاربتها الأمنية لدحر الجماعات المسلحة"، وأضافت عبد الخالق في تصريح خاص أن "واشنطن لها مصالح في مالي الغنية بالذهب والمعادن، وتأتي زيارة تشيكر في ظلّ تنافس مع روسيا التي لها وجود في باماكو، ووسط فراغ خلّفه الانسحاب الفرنسي، لذلك تندرج هذه الزيارة ضمن عودة الاهتمام الأميركي بالمنطقة"، وأشارت إلى أن "هذه الزيارة فتحت العديد من الملفات أهمها الملف الأمني في ظلّ الحصار الذي يتم فرضه على العاصمة، وأيضاً الملف الاقتصادي في ظل سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى استغلال ثروات البلاد شأنها في ذلك شأن ثروات النيجر وبوركينا فاسو"، مشددة على أن "هناك محاولة لإرساء تعاون مع السلطة القائمة في مالي والشقّ الأمني يطغى على هذه المحاولة".
إعادة تموضع مرتقبة
ويطرح الحراك الدبلوماسي والعروض الأميركية لمالي إشكالية أعمق تتعلّق بالعقبات التي قد تقف أمام أي تقارب محتمل بين الطرفين إذ استعانت باماكو بخدمات مجموعة "فاغنر" شبه العسكرية الروسية، وتقيم علاقات متقدمة مع الصين. لكن جوارا بين أن "هذا التوجه الجديد من واشنطن هو الذي قد يكون سبباً في إعادة تموضع جديد لدول الساحل في التعامل مع الولايات المتحدة في المرحلة القادمة، ولا شك أن مالي ستتشاور مع حلفائها الإقليميين حول الطرح الأميركي قبيل أي توافقات سياسية مع مراعاة عدم الإخلال مع علاقات الشركاء الآخرين كروسيا والصين"، ورأى أن "العلاقة مع روسيا لن تعيق التقارب مع واشنطن لأن مالي ترفض الهيمنة الروسية على سياستها الداخلية والخارجية، وكذلك الشأن لبقية دول الساحل، صحيح بينها تحالف وتنسيق لكن لا يعني الأمر أن روسيا ستكون منزعجة في تعاون هذه الدول مع أي حليف منافس لها، لأن الثقة متبادلة بين الأطراف".