ملخص
يمثل هذا تحولاً كبيراً في السياسة. فقد باتت خطة تعزيز الطاقة النووية مقترنة الآن بشرط إيجاد موقع دائم للتخلص من النفايات، مما يضع القرارات في أيدي المجتمعات المحلية، وهي قرارات تمثل استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وآلاف الوظائف، بحسب ما قاله متحدث باسم مكتب الطاقة النووية التابع لوزارة الطاقة الأميركية.
تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي على استراتيجية قديمة للتخلص من النفايات شديدة السمية، وتتمثل بدفنها في قلب حفرة شديدة العمق.
لكن ثمة مشكلة، وهي عدم وجود حفرة عميقة جداً، إضافة إلى أن مخزون النفايات المشعة البالغ نحو 100 ألف طن والمخزن موقتاً في محطات الطاقة النووية ومواقع أخرى بالولايات المتحدة يستمر في الازدياد.
ولحل هذه المعضلة تلوح الإدارة الأميركية الآن بجزرة مشعة.
ووفقاً لاقتراح نشرته وزارة الطاقة الأسبوع الماضي يُطلب من الولايات التطوع لاستضافة مستودع جيولوجي دائم للوقود المستهلك ضمن مجمع مرافق يشمل مفاعلات نووية جديدة وإعادة معالجة النفايات وتخصيب اليورانيوم، ومراكز بيانات.
حوافز وأخطار
يمثل هذا تحولاً كبيراً في السياسة. فقد باتت خطة تعزيز الطاقة النووية مقترنة الآن بشرط إيجاد موقع دائم للتخلص من النفايات، مما يضع القرارات في أيدي المجتمعات المحلية، وهي قرارات تمثل استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وآلاف الوظائف، بحسب ما قاله متحدث باسم مكتب الطاقة النووية التابع لوزارة الطاقة الأميركية.
وقال المسؤول السابق في هيئة التنظيم النووي الأميركية ووزارة الطاقة ليك باريت إن "الجمع بين كل هذه العناصر في حزمة واحدة يُشبه وضع حوافز كبيرة بجانب منشأة نفايات غير مرغوب فيها"، مضيفاً أن ولايات مثل يوتا وتينيسي أبدت بالفعل اهتماماً بالاستثمار في الطاقة النووية.
وأفاد مكتب الطاقة النووية بأن الطلب أثار اهتماماً، لكنه أحجم عن تحديد الولايات التي أمامها 60 يوماً للرد. ولم يستجب المسؤولون في ولايتي يوتا وتينيسي لطلبات التعليق.
ويرغب ترمب في زيادة قدرة الطاقة النووية الأميركية أربعة أمثال لتصل إلى 400 غيغاواط بحلول عام 2050، مع ارتفاع الطلب على الكهرباء لأول مرة منذ عقود بفضل ازدهار مراكز البيانات التي تدعم الذكاء الاصطناعي والتحول للمركبات الكهربية.
في عام 2025 اختارت وزارة الطاقة 11 تصميماً جديداً لمفاعلات الاختبار النووي المتقدمة للحصول على ترخيص سريع وتهدف إلى بناء ثلاثة نماذج تجريبية بحلول الرابع من يوليو (تموز) من هذا العام.
إلا أن دراسات أجرتها حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا وكذلك المفوضية الأوروبية أظهرت أن القبول الشعبي للطاقة النووية يعتمد جزئياً على تعهد بدفن النفايات النووية في أعماق الأرض.
وقال المتحدث باسم مكتب الطاقة النووية "يجب أن تتضمن الاستراتيجية النووية الكاملة مسارات آمنة ودائمة للتخلص النهائي من النفايات".
وواجهت الجهود السابقة لإيجاد حل معارضة محلية قوية.
وبدأت وزارة الطاقة البحث عن منشأة دائمة للنفايات عام 1983 واستقرت على جبل يوكا في ولاية نيفادا عام 1987، لكن الرئيس السابق باراك أوباما أوقف التمويل عام 2010 بسبب معارضة المشرعين في الولاية وسط قلق في شأن السلامة وتأثير ذلك على الكازينوهات والفنادق. وجرى إنفاق ما يقرب من 15 مليار دولار بالفعل.
تصاميم جديدة
لتسريع نشر الطاقة النووية تدعم دول من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والصين والسويد ما يسمى بالمفاعلات النموذجية الصغيرة.
وتكمن جاذبية المفاعلات النووية الصغيرة في فكرة إمكان تشييدها مسبقاً ضمن هيكل المصانع، مما يجعل تجميعها أسرع وأرخص مقارنة مع المفاعلات الأكبر حجماً المستخدمة بالفعل.
لكن تصاميم المفاعلات النووية الصغيرة الجديدة لا تحل على الأرجح مشكلة النفايات. ويقول الخبراء إن المصممين غير مُلزمين بأخذ النفايات في الاعتبار عند بدء التصميم، باستثناء وضع خطة لكيفية إدارتها.
وقال الأستاذ المشارك في معهد "ورسستر" للفنون التطبيقية سيث تولر، والذي كان سابقاً عضواً في المجلس الفني الأميركي لمراجعة النفايات النووية "هذا التسرع في ابتكار تصميمات جديدة من دون التفكير في النظام بأكمله ينذر بوضع سيئ للغاية في ما يتعلق بالإشراف التنظيمي الفعال ووجود برنامج لإدارة النفايات يتم تشغيله بشكل جيد وآمن وموثوق به على المدى الطويل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفقاً لدراسة نُشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 2022، من المتوقع أن تنتج معظم المفاعلات النووية الصغيرة الجديدة كميات مماثلة من النفايات، إن لم يكن أكثر، لكل وحدة كهرباء مقارنة بالمفاعلات الكبيرة الحالية.
ويمكن أيضاً إنشاء المفاعلات النووية الصغيرة في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة للمحطات الأكبر حجماً، مما يزيد من احتمالية وجود مواقع نووية أخرى قد تتحول إلى مكبات نفايات موقتة. وفي الولايات المتحدة، قد تعني كلمة "موقت" أكثر من قرن بعد إغلاق المفاعل، بحسب هيئة تنظيم الطاقة النووية الأميركية.
وتواصلت "رويترز" مع الشركات التسع التي تقف وراء تصاميم المفاعلات النووية الصغيرة الـ11 المدعومة من برنامج وزارة الطاقة. وقال بعضها إن النفايات النووية تمثل معضلة لمشغلي المفاعلات وللحكومة.
وقالت شركات أخرى إنها تأمل في أن تؤدي التطورات التكنولوجية في العقود المقبلة إلى تحسين فرص إعادة معالجة الوقود، إلا أن الشركات ترى أنه من الضروري إيجاد مستودع دائم.
وأحيا احتمال ظهور موجة جديدة من المفاعلات النووية الاهتمام بإعادة معالجة الوقود المستهلك، حيث يتم فصل اليورانيوم والبلوتونيوم، وفي بعض الحالات إعادة استخدامهما.
وقال المتحدث باسم مكتب الطاقة النووية "يمكن للتقنيات الحديثة، ولا سيما إعادة التدوير والمعالجة المتقدمة، أن تقلل بصورة كبيرة من حجم المواد النووية اللازم التخلص منها. وفي الوقت نفسه لا تلغي إعادة المعالجة الحاجة إلى التخلص الدائم منها".
لكن خبراء الأمن النووي شككوا في ما إذا كانت المجمعات الجديدة ستشمل إعادة المعالجة.
رحلة النفايات السامة
وقال المسؤول السابق في وزارة الطاقة الأميركية روس ماتزكين-بريدجر "في كل مرة حاولنا فيها ذلك باءت المحاولة بالفشل، مما يتسبب في أخطار أمنية وتهديدات بانتشار نووي وكلف باهظة ويزيد عملية إدارة النفايات تعقيداً". وأضاف أن الدول القليلة التي تعيد معالجة الوقود النووي تفعل ذلك بنسبة تترواح بين صفر واثنين في المئة، وهي نسبة أقل بكثير من الـ90 في المئة الموعودة.
وفي الوقت الراهن تُخزن معظم النفايات بالولايات المتحدة وكندا وأوروبا وبريطانيا في مواقعها لأجل غير مسمى، أولاً في أحواض الوقود المستهلك لتبريدها، ثم في حاويات خرسانية وفولاذية. أما فرنسا فترسل الوقود المستهلك إلى لاهاي في نورماندي لإعادة معالجته.
ووفقاً لوزارة الطاقة الأميركية، فإن أكثر من 90 مفاعلاً نووياً تعمل في الولايات المتحدة - أكبر منتج للطاقة النووية في العالم متجاوزة الصين وفرنسا - تضيف نحو 2000 طن من النفايات سنوياً إلى المخزونات الحالية.
وتُظهر بيانات مكتب الطاقة النووية أنه حتى نهاية عام 2024، دفع دافعو الضرائب الأميركيون 11.1 مليار دولار لشركات المرافق لتعويضها عن تخزين الوقود المستهلك، والذي يمكن أن يظل بعضه ضاراً بالبشر لمئات الآلاف من السنين.