Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترمب متنمر لكنه يدرك أخطار تطرف "آيس"

خلف كل هذا يكمن رئيس لديه غريزة حادة ويعدل موقفه حين يلوح في الأفق خطر التعرض للإذلال

عرض ملصقات رينيه غود وأليكس بريتي - وهما مواطنان أميركيان قتلا برصاص عناصر "إدارة الهجرة والجمارك" - خلال وقفة تأبين بالشموع في مينيابوليس (أ ف ب/ غيتي)

 

ملخص

ترمب، على رغم خطابه المتنمر، يمتلك حدساً سياسياً يجعله يتراجع حين يواجه خطر الإذلال، فيما تؤدي اندفاعات فريقه الأمني المتطرف وفضائح "آيس" في مينيابوليس إلى أزمة سياسية تعمق مأزقه وتكشف حقيقة المحيطين به.

نعرف جميعاً السردية الشائعة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بصفته متنمراً: فهو رجل يستخدم نفوذه، ويرهب ويهدد، ويعمل على تقويض أي شخص يقف في طريقه، ويؤمن بأن القوة هي معيار الحق. رأينا هذا النمط يتكرر مراراً عدة خلال العام الماضي. ويمكن ملاحظة ذلك حتى في ملامح وجهه: من خلال الشفتين المضمومتين بإحكام، وعينيه المقطبتين كما فتحتي أنفه، وقبضتي يديه المستندتين إلى مكتبه "ريزولوت" في البيت الأبيض، وكأنه يستشعر مواطن الضعف لدى خصمه من على بعد 100 خطوة.

إلا أن الجانب الأقل تقديراً وشهرة في شخصية دونالد ترمب والذي يجعله سياسياً أكثر براعة ودهاءً مما توحي به الصورة الكاريكاتيرية الشائعة عنه، يتمثل في امتلاكه حساً مرهفاً تجاه الخطر. فكما ظباء "كودو" الأفريقية، التي تحرك آذانها دائرياً وتبدأ بالارتعاش كرادار إنذار مبكر عندما تدرك أن حيواناً مفترساً يقترب منها، فإن دونالد ترمب يتمتع بقدرة حادة تتيح له استشعار الموقف الذي قد يعرضه لإذلال سياسي.

هذا في الواقع ما يميزه عن المهرجين والبلطجيين ذوي النزعة الفاشية الذين أحاط نفسه بهم في هذه الإدارة. ففي عهده الرئاسي الأول، كان هناك من يجرؤ على الاعتراض داخل غرف الاجتماعات، وعلى التنبيه إلى عيوب سياسات معينة وأخطارها. أما هذه المرة، فالكلمتان الوحيدتان اللتان يسمعهما سيد البيت الأبيض من مساعديه هما: "نعم، سيدي". لا بل إن هؤلاء يسعون إلى كسب المزيد من نقاط الرضا، عبر المضي إلى أبعد مدى وبسرعة، أكثر بكثير مما طلب منهم في الأساس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سنعود بعد قليل لتسليط الضوء على مجموعة الشخصيات غير المؤهلة التي أسهمت في تفاقم الكارثة السياسية التي تعانيها مدينة مينيابوليس، لكن ما يجري لا يقتصر على الأحداث التي شهدتها ولاية مينيسوتا الواقعة في شمال الغرب الأوسط للولايات المتحدة، التي كانت في يوم من الأيام مثالاً على الحياة الرتيبة والروتين الممل.

فخلال الأسبوعين الماضيين، شهدنا الرئيس الأميركي يهدد بتفكيك "التحالف الدفاعي الغربي" (الناتو)، من خلال إصراره على ضم جزيرة غرينلاند. كان متمسكاً بذلك بأي وسيلة، مع تهديد واضح بأنه سيستولي على ذلك الإقليم الدنماركي السيادي بالقوة، إذا ما اقتضت الحاجة. لكن بعدما اصطدم بتضامن أوروبي (وهو أمر نادر الحدوث) تراجع تماماً عن تهديداته. يبدو أنه قد يحصل على نوع من الاتفاق لتعزيز وجود القوات الأميركية على تلك البقعة الصخرية من القطب الشمالي، لكن هذا المخرج كان دائماً مطروحاً.

في طريق العودة من "منتدى دافوس"، أجرى دونالد ترمب مقابلة جمعت بين الوقاحة المثيرة للذهول والجهل الصارخ بالدور الذي قامت به قوات "حلف شمال الأطلسي" في أفغانستان. قال فيها إن تلك القوات "ظلت بعيدة بعض الشيء عن خطوط القتال الأمامية". بغض النظر عن وقاحة رجل لم يرتد زياً عسكرياً قط، فإن كلامه كان خاطئاً للغاية. إذ إن أكثر من 450 بريطانياً دفعوا حياتهم ثمناً لذلك في أفغانستان، وعاد كثر آخرون إلى بلادهم بإصابات غيرت مجرى حياتهم إلى الأبد.

مع تصاعد الغضب وردود الفعل العنيفة، تراجع ترمب ونشر عبر حسابه على منصته الاجتماعية منشوراً أشاد فيه بشجاعة المقاتلين البريطانيين الذين حاربوا جنباً إلى جنب مع نظرائهم الأميركيين. كان يعلم أنه كان على خطأ في موقفه من هذه القضية، فقام بتصحيح مساره.

الآن، ثمة أمر واحد ينبغي فهمه فيما يتعلق بتراجع ترمب، هو أن أحداً لن يسمع منه أبداً كلمة "آسف"، كما لن تسمعه يقول: "لقد ارتكبت خطأً". صحيح أن الأمر قد يبدو أكثر لياقة لو فعل، لكن ذلك ببساطة لن يحدث. مع ذلك، الحقيقة تتمثل في أن ترمب قادر فعلاً على التراجع عن موقفه، وإعادة النظر فيه. فهو يدرك تماماً حدود ما يمكنه الإفلات به.

وهذا يعيدنا من جديد إلى أحداث مينيابوليس. فقائمة الشخصيات المشاركة فيها من فريق ترمب تتجاوز حدود السخرية. هناك شخص في "إدارة الهجرة والجمارك" (اختصاراً "آيس" ICE) كان مسؤولاً عن العملية عند إطلاق النار على أليكس بريتي مرات عدة، وهو ملقى على الأرض في وضع يعجز فيه عن الدفاع عن نفسه، ومن دون أن يبدي أي مقاومة. وكان اختياراً غير موفق على الإطلاق، فقد انتقوا الشخص الخطأ لبناء روايتهم عن "إرهابي محلي". كان بريتي ممرضاً في العناية المركزة يعمل في مستشفى للمحاربين القدامى، وليس له أي سجل جنائي.

الرجل المسؤول عن العصابات التي روعت سكان المدينة هو غريغ بوفينو صاحب العضلات المفتولة، الذي يشبه إلى حد كبير شخصية ستيفن جي لوكجو التي جسدها شون بين في فيلم "معركة تلو الأخرى" One Battle After Another. بوفينو يعمل تحت إشراف كريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي الأميركية، التي تبدو في ظهورها الإعلامي وكأنها شاركت في فيلم "باربي"، بحيث ترتدي دائماً زياً جديداً يتناسب ومهام "إدارة الهجرة والجمارك" - من قبعات رعاة البقر الكبيرة إلى الملابس العسكرية المزيفة.

غير أن العقل المدبر الحقيقي وراء حملة القمع هذه هو ستيفن ميلر، الذراع اليمنى لدونالد ترمب. فهو شخص مثير للاستفزاز، ويبدو مستعداً لإشعال حرب في شوارع مينيابوليس لتبرير اتخاذ مزيد من الإجراءات المتطرفة، أملاً في أن تصب في مصلحة ترمب في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني). إنه نسخة معاصرة عن شخصية "دكتور سترينغلوف" [المستشار العلمي النازي المقعد، في الفيلم الساخر للمخرج ستانلي كيوبريك].

وقد حاول الثلاثة الترويج لرواية لم يصدقها أحد: مفادها أن الممرض أليكس بريتي كان على وشك ارتكاب مجزرة. وقد أشيع أنه كان مسلحاً (صحيح أنه كان يحمل مسدساً، لكنه لم يحاول إخراجه من الجراب الذي كان مربوطاً على فخذه، مع العلم أن مينيسوتا هي من الولايات الأميركية التي تسمح بحمل السلاح علناً، لذا كان الأمر قانونياً تماماً)، وأنه كان لا بد من إيقافه. وقد تحدثت الرواية عن أن ما حصل كان دفاعاً عن النفس من جانب عناصر "إدارة الهجرة والجمارك"، الذين شعروا بأن حياتهم كانت في خطر.

السبب في عدم تصديق أحد هذه السردية هو أن بريتي وسائر المتظاهرين كانوا يمتلكون أسلحة أشد فتكاً من أي مسدس من عيار 9 ملم: وهي هواتفهم الذكية، التي وثقت من كل زاوية تقريباً، تسلسل الأحداث التي قادت إلى وفاته المبكرة.

وهكذا وجد مهندسو الدعاية في البيت الأبيض أنفسهم مهزومين ومكشوفين، بعدما أمضوا العام الماضي في محاولة إعادة تشكيل الواقع وصياغته وفق أهوائهم بغض النظر عن الحقائق، لتتحول أكاذيبهم الفاضحة حول هذه الحادثة إلى مادة للسخرية. وقد أدرك دونالد ترمب أن الأمور تنزلق بسرعة نحو الخروج عن السيطرة، وأن ما يجري ينطوي على أخطار سياسية أوسع نطاقاً. أما مساعدوه، فلم يستوعبوا ذلك.

من أبرز المهارات الأخرى لترمب، هي حدسه الغريزي فيما يتعلق باتجاهات الرأي العام. فقد كان وعده بالتشدد في مواجهة الهجرة غير النظامية أحد الأسباب الأساسية لفوزه في الانتخابات الأميركية الأخيرة. غير أن الطريقة التي انتهجها لتنفيذ هذا الوعد أثارت موجة واسعة من الاستياء: فرق اعتقال خاطفة، وجوه مغطاة بالأقنعة، عنف مفرط، وسقوط مدنيين أميركيين كانوا يمارسون حقهم المشروع في الاحتجاج. كانت جميعها مشاهد صادمة لكثيرين، لأنها كانت في جوهرها مناقضة للقيم الأميركية.

لذا، ليس مستغرباً أن يشعر ترمب بالقلق. فإصراره على إحاطة نفسه بدائرة من الأشخاص "المطيعين" أفضى إلى كارثة سياسية يحتمل أن يكون ثمنها باهظاً عليه، إضافة إلى أن خصومه باتوا الآن يلمسون هذا الضعف.

© The Independent

المزيد من آراء