ملخص
تستخدم السلطة في إيران خطاب "استعادة النظام" غطاءً لحملة قمع واسعة تهدف إلى ترميم سيادة متصدعة عبر نشر الخوف، وإغراق المجتمع في عدم اليقين، وتحويل العنف إلى أداة للهيمنة الداخلية بعد إخفاقات خارجية. هذا المسار لا يهدد الاحتجاجات فقط، بل يقوض الثقة والأخلاق العامة، ويدفع المجتمع بين اليأس والانتقام.
كثيراً ما وصفت السلطات الإيرانية حملة القمع التي تقوم بها في الوقت الراهن، بأنها محاولة لـ"استعادة النظام". غير أن كلمة "نظام" هنا، تُحمل ما يفوق معناها الحقيقي. فما يجري على الأرض لا يشبه ضبط حشود أو احتواء اضطرابات، بمقدار ما يعكس سعي نظامٍ حاكم إلى ترميم سلطته المتصدعة، عبر تحويل الحياة اليومية إلى مساحة محفوفة بالخطر، إلى حد يصعب استيعابه.
موجة الاحتجاجات بدأت في الأساس نتيجة الضغوط الاقتصادية، لكنها سرعان ما تفاقمت وتحولت إلى ما هو أوسع: رفضٌ علني لقبول الخوف ثمناً للعيش. وجاء رد الدولة دموياً وواسع النطاق. فعندما يُمارس العنف على هذا النطاق الواسع إلى درجة حصد أرواح متظاهرين ومارة على حد سواء، فإن ذلك يشير إلى سعيٍ إلى إغراق المجتمع في حال من عدم اليقين، وجعل مجرد القرب من الاحتجاج مقامرة بحد ذاتها.
عندما يعجز نظام استبدادي عن معاقبة القوى التي كشفت هشاشته، غالباً ما يعاقب المواطنين الذين يذكرونه بذلك الإذلال. فالمحتجون لا يطعنون في السياسات والقيادة فحسب، بل يعكسون أيضاً ما لا يستطيع النظام الاعتراف به: عجزه عن الحماية، والردع، والحكم بكفاءة. وهكذا يصبح الاحتجاج غير محتمل، لا لأنه يهدد السيطرة فحسب، بل لأنه يجعل الفشل مرئياً.
إن نظاماً أمضى أكثر من أربعة عقود في الادعاء بامتلاك القوة الوطنية والجاهزية الدائمة للدفاع عن البلاد في وجه التهديدات الإمبريالية، لا يستطيع بسهولة محو لحظة علنية كشفت هشاشته، كما حدث خلال ما عُرفت بـ"حرب الأيام الـ12". لكنه يستطيع، في المقابل، أن يُظهر أنه ما زال قادراً على الهيمنة في الداخل. غالباً ما يعقبُ الإذلالَ الخارجي عنفٌ داخلي، لا بوصفه انتقاماً، بل محاولة للترميم.
ومن المفارقات أن الانقطاع شبه الكامل للاتصالات، الذي دخل الآن أسبوعه الثالث، يجعل هذا الانقلاب واضحاً. ففي اقتصاد تعتمد فيه الشركات الصغيرة على الرسائل الرقمية، والمتاجر الإلكترونية، وأنظمة الدفع عبر الإنترنت، يصبح قطع الإنترنت وسيلة لفرض الخضوع السياسي عبر الخنق الاقتصادي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السيادة ليست مجرد وضع قانوني أو صفة رسمية، بل هي أداء بقدر ما هي حالة. وكما تشمل القدرة على ردع التهديدات، وحماية الأصول، وإظهار حد أدنى من الكفاءة، فإنها تشمل أيضاً فرض الطاعة، وفرض تعريف للواقع، وبث الخوف.
كذلك فإن الانتكاسات الخارجية تُربك النظام من الداخل. ففي الأنظمة الهشّة، تطلق مثل هذه الصدمات ما يُعرف بـ"قلق النخبة"، ويدفع إلى سباق لتوزيع اللوم. وتحول حملات القمع الولاء إلى الخيار الأكثر أماناً، وتوجه إنذاراً للمنشقين المحتملين بأن التردد، أياً كان، سيواجه بالعقاب. وهكذا يصبح العنف أداة للتماسك الداخلي.
وعلى هذا النحو، تتحول المفردات المألوفة عن متسللين وإرهابيين ومؤامرات أجنبية من خطاب سياسي إلى تقنية أخلاقية، يعاد عبرها توصيف المعارضة بوصفها خيانة، والقمع باعتباره دفاعاً. ولا تحتاج هذه السردية إلى إقناع الجميع، بل يكفيها أن توفر إطاراً يتيح للمسؤولين ممارسة العنف، وأن تزرع ضباباً من الالتباس لدى من قد يفكرون في الانضمام إلى الاحتجاجات.
الخطر الأكبر أخلاقي. إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يتنفس في مناخٍ من الخوف. فالقمع الجماعي يقوض الثقة ويدفع الناس إما إلى اليأس أو إلى النزعة الانتقامية. وتكمن المهمة، لمن يقاومون ولمن يراقبون على السواء، في الإبقاء على أفقٍ آخر: أفق تُستعاد فيه القدرة على الفعل عبر التنظيم، والتوثيق، والحياة المدنية. وإلا فإن النظام ينتصر مرتين: مرة بالقتل، ومرة بتعليم الناس أن لا شيء يمكن فعله.
هذه هي مأساة السيادة الجريحة: حكومة لم تعد قادرة على حماية مواطنيها بصورة مقنعة، فتحاول إثبات قدرتها على السيطرة، وتضرب أولئك الذين يفضحون ضعفها بإصرارهم على عدم الصمت.
حسين دباغ هو أستاذ مساعد في مادة الفلسفة لدى "جامعة نورث إيسترن لندن"
© The Independent