ملخص
اتهمت منظمات حقوقية السلطات الإيرانية بمداهمة مستشفيات واعتقال جرحى الاحتجاجات وأطباء عالجوهم، وسط حملة قمع مميتة للاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2025. وأكدت منظمة الصحة العالمية توقيف أطباء وتضرر منشآت طبية، فيما تحدثت تقارير عن ضغوط على عائلات المصابين واعتقال طواقم طبية ومتطوعين قدموا الإسعافات للمحتجين.
قال مهدي كروبي أحد أبرز الوجوه السياسية المعارضة في إيران، إن "الوضع المأسوي الذي تعيشه البلاد اليوم هو نتيجة مباشرة لتدخلات وسياسات المرشد علي خامنئي الداخلية والدولية المدمرة".
وفي أحد أحدث مواقفه السياسية في شأن الوضع الراهن في البلاد، وبعد أقل من شهر على القمع الدموي للاحتجاجات الأخيرة، تساءل كروبي، "ماذا فعلتم بهذا الشعب حتى إن شريحة واسعة من المواطنين لم تعد مستعدة حتى للإصغاء إلى التحذيرات الحريصة والشفقة التي يطلقها الخبراء في شأن تفاقم أوضاع البلاد في حال وقوع تدخل عسكري خارجي؟". وأضاف أن "هذا هو الشعب نفسه الذي حافظ، بتضحياته وبسالته الفريدة، على وحدة إيران خلال الحرب المفروضة".
وأشار كروبي في بيان أصدره أخيراً، إلى أن "الإصرار على المشروع النووي المكلف وعديم الجدوى، وما ترتب عليه من تبعات قاسية للعقوبات على البلاد والشعب على مدى العقدين الماضيين، يمثل أحد أبرز نماذج هذه السياسات".
وفي إشارة إلى مقتل آلاف المواطنين المحتجين، قال إن "عمق الفاجعة بلغ حداً لا يجعل أي عذر أو ذريعة مقبولة لتبرير هذه المجزرة البشعة والوحشية أو التستر عليها، فضلاً عن الإساءة إلى كرامة جثامين الضحايا". وأضاف كروبي أن خامنئي "ادعى، بعد القتل الوحشي للمحتجين على الأوضاع الاقتصادية المتردية، أنه يعترف بالاحتجاجات، وهو ادعاء غير صحيح"، مشيراً إلى أن المرشد "لم يمنح حتى الآن أي ترخيص للتجمع سوى لمؤيديه أو لما يعرف بعناصر التصرف بإرادة ذاتية (آتش به اختيار)".
وختم كروبي بيانه بالقول إن "السبيل الوحيد للخروج السلمي من هذه الأزمة يتمثل في العودة إلى الشعب والاعتراف بحقه في تقرير مصيره عبر استفتاء حر".
مير حسين موسوي: بأي لغة يجب أن يقول الناس إنهم لا يريدون هذا النظام؟
وقبل يوم من بيان كروبي، قال مير حسين موسوي، آخر رئيس وزراء في إيران وأحد معارضي النظام، في رسالة تعليقاً على القتل الذي رافق الاحتجاجات الأخيرة، إن "صفحة سوداء أخرى أضيفت إلى التاريخ الطويل لشعبنا، لا تذكر إيران لها مثيلاً. وكلما مضت الأيام، تكشفت أبعاد هذه الواقعة المروعة أكثر فأكثر. لقد وقعت خيانة وجريمة كبرى في حق الشعب. البيوت في حداد، والأزقة في حداد، والمدن والبلدات في حداد".
وفي بيانه في شأن الأحداث الأخيرة، قال موسوي، الخاضع للإقامة الجبرية منذ نحو 15 عاماً مع زوجته زهراء رهنورد: "بأي لغة يجب أن يقول الناس إنهم لا يريدون هذا النظام ولا يصدقون أكاذيبكم؟ كفى. لقد انتهت اللعبة، وجاء دوركم أيضاً. ولن يبقى منكم سوى حكاية، حكاية مليئة بالدم والعنف. كفى، فأنتم لا تملكون حلاً لأي من أزمات البلاد، ولا خيار أمام الشعب سوى الاحتجاج مجدداً حتى بلوغ النتيجة، ولن تتمكنوا من تكرار فاجعة الثامن والتاسع من يناير (كانون الثاني) الجاري".
القمع وصولاً إلى أسرة المستشفيات
وطاولت حملة قمع الاحتجاجات التي نفذتها السلطات الإيرانية مختلف مناحي الحياة وصولاً إلى المستشفيات، حيث قامت قوات الأمن بملاحقة جرحى وتوقيف أطباء تولوا معالجتهم، بحسب منظمات حقوقية.
اندلعت الاحتجاجات أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، وسرعان ما تحولت إلى حراك سياسي يرفع شعارات مناهضة للنظام الإيراني الحاكم منذ عام 1979.
وقابلت السلطات الاحتجاجات بحملة من القمع أسفرت عن مقتل الآلاف وإصابة مثلهم غالباً بنيران قوات الأمن وطلقات الخرطوش التي تتناثر شظاياها المعدنية في الجسم، ولا يمكن استخراجها سوى بتدخل علاجي مختص.
ملاحقة المصابين والأطباء
تقول منظمات حقوقية إن السلطات دهمت مستشفيات بحثاً عمن يعانون إصابات تؤشر لمشاركتهم في التظاهر.
من جهتها، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن ما لا يقل عن خمسة أطباء أوقفوا بسبب معالجتهم المصابين.
وقالت منظمة العفو الدولية إن قوات الأمن "اعتقلت محتجين يتلقون العلاج في المستشفيات"، مضيفة أنها تلقت معلومات تفيد بأنه طلب من الطواقم الطبية في محافظة أصفهان وسط البلاد، إبلاغ السلطات عن المرضى الذين يعانون إصابات ناجمة عن الرصاص أو الخرطوش.
وذكر "مركز حقوق الإنسان في إيران" (CHRI) ومقره نيويورك، أنه "وثق حالات داهمت فيها قوات الأمن مستشفيات للتعرف على المحتجين الذين أصيبوا خلال التظاهرات واعتقالهم".
وفي ما بدا بأنه محاولة لدحض هذه الاتهامات، حثت وزارة الصحة الإيرانية المصابين في الاحتجاجات على "عدم القلق" من الذهاب إلى المستشفى وعدم معالجة أنفسهم في المنزل.
أما وكالة "تسنيم" للأنباء فنقلت عن محمد رئيس زادة رئيس المجلس الطبي في إيران، وهو هيئة غير تابعة للدولة، قوله إن "عدداً محدوداً جداً" من أفراد الطواقم الطبية اعتقلوا على خلفية الاحتجاجات، من دون أن يبين سبب توقيفهم. وشدد على "عدم ورود تقارير عن اعتقال أي شخص بسبب معاينة المرضى أو أداء واجباته المهنية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"مداهمة المنشآت الطبية"
تنقل منظمات حقوقية شهادات محتجين أصيبوا ولاحقتهم قوات الأمن.
وأوردت منظمة "حقوق الإنسان في إيران"، ومقرها النرويج، أن سجاد رحيمي (36 سنة) من جزيرة قشم، أصيب بصورة بالغ بعدما أطلقت قوات الأمن النار عليه خلال تحرك في محافظة فارس بجنوب البلاد في التاسع من يناير (كانون الثاني) الجاري، يوم كانت الاحتجاجات في ذروتها، لكنه طلب من أصدقائه عدم نقله إلى المستشفى خشية أن يتم القضاء عليه هناك، بحسب ما نقلت المنظمة الحقوقية التي تؤكد أنها حققت في هذه القضية وغيرها، وتحدثت إلى شقيق رحيمي.
في نهاية المطاف، نقلته العائلة إلى المستشفى لكنه توفي بسبب جرح عميق ناتج من ذخيرة حية ونزف حاد. ونقلت المنظمة عن شقيقه، "قال الطبيب إنه لو وصل إلى المستشفى قبل 10 دقائق فحسب، لكان على الأرجح نجا".
وقالت المنظمة إنها تلقت تقارير عن قيام قوات الأمن "بدهم بعض المنشآت الطبية وأماكن لجأ إليها المصابون، بغرض اعتقال الطواقم الطبية والمتطوعين في الإسعاف الأولي".
بدورها عرضت منظمة "هنغاو"، ومقرها النرويج، حال الطبيب علي رضا غلشني المتحدر من مدينة قزوين شمال غربي طهران، مشيرة إلى أنه اعتقل "لتقديمه الرعاية الطبية للمحتجين الجرحى".
"انتهاكات جسيمة"
أول من أمس الخميس، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس أن المنظمة تحققت من هجمات على مستشفيات، وأن مراكز صحية تعرضت لأضرار خلال الاحتجاجات، مما أسفر عن إصابة العشرات من المساعدين الطبيين. وأعرب المسؤول الأممي عن "قلقه للغاية إزاء تقارير متعددة تفيد بتضرر الطواقم الطبية والمنشآت الصحية في إيران... ومنعها من تقديم خدماتها الأساسية للأشخاص المحتاجين للرعاية". وتحدث عن تقارير تفيد بـ"تعرض عاملين صحيين للاعتداء واعتقال خمسة أطباء في الأقل، وذلك خلال معالجة جرحى".
وقالت الجمعية الطبية العالمية (WMA) إنها تلقت تقارير تفيد بأن قوات الأمن اعتقلت محتجين مصابين في أصفهان ومحافظة جاهارمحال وبختياري. وأضافت أن "أفراد طواقم المستشفيات تلقوا تعليمات بالإبلاغ عن المرضى الذين يعانون إصابات ناجمة عن إطلاق النار للسلطات الأمنية، مع تعريضهم للملاحقة وعقوبات أخرى في حال عدم الامتثال".
وعرضت "هنغاو" حالة طاهر ملكشاهي، وهو فتى إيراني كردي من مدينة قروه في غرب إيران، تعرض لجروح بالغة بعد إصابته بالخرطوش في وجهه. ونشرت صورة لوجهه وقد غطت جبهته بالكامل ندوب الخرطوش، قائلة إنه فقد إحدى عينيه وأصيبت الثانية بضرر بالغ. وأضافت أنه بينما يتلقى علاجاً مكثفاً في طهران، "مارست السلطات ضغوطاً على أسرته لتزعم زوراً أنه أصيب على يد ’إرهابيين‘ مقابل أن تعترف به الدولة كضحية تعاني إعاقة بسبب الحرب".