Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوضى الرؤى: هل تنجو أوروبا بلا قيادة أميركية؟

الصحوة الأوروبية نحو الاستقلال الدفاعي تصطدم بتحد أكبر يظل عائقاً أمام استراتيجية أمن متماسكة

شكل قادة أوروبا تحالف الراغبين في مارس 2025 لردع العدوان الروسي بمنأة عن الولايات المتحدة (موقع الرئاسة الأوكرانية)

ملخص

في محاولة للإبحار في مناخ جيوسياسي مضطرب، تسعى أوروبا إلى الاستقلال الدفاعي وبناء قوتها العسكرية الخاصة، وقد طرح هذا المفهوم بصورة بارزة من خلال الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي، حين حدد الاتحاد طموحه في أن يصبح فاعلاً أكثر صدقية في مجالي الأمن والدفاع.

أحدثت تصريحات الأمين العام لـ"الناتو" مارك روته، في شأن الأمن الأوروبي، صدمة واسعة بين قادة القارة العجوز الذين باتوا يواجهون واقعاً صعباً في ظل سياسات أميركية انفصالية لا تعبأ بالتحالفات التاريخية، ففي كلمة أمام البرلمان الأوروبي مطلع الأسبوع قال روته إن أوروبا غير قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة. 

وبعبارات واضحة لا لبس فيها، مضى روته بالقول إنه إذا كان هناك من يعتقد أن الاتحاد الأوروبي أو القارة الأوروبية بأكملها يمكنها أن تتولى الدفاع عن نفسها من دون واشنطن، فإن هذا مجرد "حلم" لا يمكن تحقيقه، وحذر أنه في حال قرر الأوروبيون فعلاً إنشاء تحالف دفاعي جديد بعيداً من الولايات المتحدة فسيؤدي ذلك إلى خسارة ما وصفه بـ"الضمانة القصوى لحريتنا"، أي المظلة النووية الأميركية، قبل أن يختتم بالقول "إذاً حظاً سعيداً".

جاءت تلك التصريحات وسط جدل حول الاستقلالية الدفاعية لأوروبا عن الولايات المتحدة والتوترات المحيطة بجزيرة غرينلاند الدنماركية التي يصر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاستيلاء عليها، فما كان ينظر إليه سابقاً على أنه تعاون استراتيجي في الدفاع عن القيم الديمقراطية، بات يبدو اليوم، كتنافس جيوسياسي على النفوذ.

 

سبقت تلك التصريحات بأيام عاصفة عبر الأطلسي أثارتها استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي نشرتها إدارة دونالد ترمب في الـ23 من يناير (كانون الثاني) الجاري، فمن دون تجميل وضعت إدارة ترمب حلفاءها التقليديين في مرتبة أدني في سلم أولوياتها، مطالبة الأوروبيين بتحمل مسؤولية مواجهة التهديدات "الأقل خطورة بالنسبة إلى الولايات المتحدة" وأكثر حدة بالنسبة إليهم، كذلك أفسحت مساحة لا بأس بها من التشكيك في استمرار التحالف بين الطرفين لنحو عقدين في ظل ما وصفته بـ"الطمس الحضاري" لأوروبا بسبب الهجرة الجماعية التي تغير ديموغرافية القارة، قائلة إنه "خلال بضعة عقود على أقصى تقدير سيصبح بعض أعضاء حلف ’الناتو‘ ذوي غالبية غير أوروبية". 

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس أجزاء من الوثيقة بأنها "غير مقبولة"، في حين حذر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، أن على الأوروبيين الآن "أن يحموا أنفسهم حتى من الحلفاء الذين يتحدونهم"، أما رئيس أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي مانفريد فيبر، فاعتبر أن "الولايات المتحدة تتخلى عن دورها كقائدة للعالم الحر"، بينما أعربت زعيمة ثاني أكبر كتلة، إيراتكسي غارسيا، عن أسفها لأن الاستراتيجية توحي بأن "أوروبا لم تعد حليفاً، بل أصبحت خصماً"، وحتى البابا ليون الرابع عشر دعا إدارة ترمب إلى "عدم تفكيك العلاقة عبر الأطلسي".

الاستقلال الدفاعي يصطدم بالأولويات

وفي محاولة للإبحار في هذا المناخ الجيوسياسي المضطرب، تسعى أوروبا إلى الاستقلال الدفاعي وبناء قوتها العسكرية الخاصة، وقد جرى طرح هذا المفهوم بصورة بارزة من خلال الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي، إذ حدد الاتحاد طموحه في أن يصبح فاعلاً أكثر صدقية في مجالي الأمن والدفاع. وخلال مؤتمر لمناسبة الذكري الـ21 لوكالة الدفاع الأوروبية الأربعاء، قال مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبليوس "نعيش الآن في عالم يكون فيه القوة هي الحق"، وأضاف "ردنا على هذا العالم الخطر... الاستقلال الأوروبي، الحكم الذاتي الأوروبي، مزيد من المسؤولية الأوروبية عن دفاعنا الخاص"، داعياً إلى بناء "ركيزة أوروبية داخل ’الناتو‘". 

وكررت وزيرة الخارجية الأوروبية ورئيسة وكالة الدفاع الأوروبية كايا كالاس هذه الرسالة، محذرة من أن ما يحدث مع الولايات المتحدة يمثل "تحولاً هيكلياً، وليس موقتاً"، وقالت "يحتاج ’الناتو‘ إلى أن يصبح أكثر أوروبية للحفاظ على قوته".

هذه الصحوة الأوروبية نحو الاستقلال الدفاعي، تصطدم بتحديات الاعتماد على التكنولوجيا والتمويل والدفاع الأميركي، غير أن التحدي الأكبر الذي يبقى حائلاً أمام استراتيجية أمن أوروبي متماسكة هو اختلاف الرؤى حول الأمن الأوروبي، أو بالأحرى الخلافات الداخلية بين دول القارة وأولويتها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تختلف الدول الأوروبية في ما بينها في شأن تعريف التهديدات الأساسية فتغيب رؤية موحدة لطبيعة الخطر الذي ينبغي أن يبني عليه الأمن الأوروبي، فدول شرق أوروبا التي تخلصت قبل عقود قليلة من سطوة الاتحاد السوفياتي، ترى أن روسيا هي التهديد الأول وتفضل الاعتماد القوى على "الناتو" والولايات المتحدة، فيما تركز إيطاليا وإسبانيا واليونان في الجنوب الأوروبي على الهجرة غير النظامية والإرهاب والتوتر في المتوسط وشمال أفريقيا، وفيما تضع فرنسا الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي والقدرة على التدخل الخارجي ضمن أولوياتها، تميل ألمانيا إلى الردع الاقتصادي والدبلوماسية أكثر من الحلول العسكرية الصلبة. 

وتختلف دول القارة في ما بينها في شأن رؤيتها للعلاقة مع الولايات المتحدة و"الناتو"، فبينما تتفق غالب الدول على أن الناتو هو الضامن الأساس للأمن الأوروبي، فإن أخرى بقيادة فرنسا تدفع نحو تقليل الاعتماد على واشنطن وبناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة، فيما تخشى الدول الصغيرة وبخاصة في الجناح الشرقي من أن يؤدي الاستقلال الدفاعي الأوروبي إلى إضعاف المظلة الأميركية وهي نفسها الرؤية التي يتبناها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي. 

وعندما تحدث روته محذراً من الاندفاع الأوروبي نحو إنشاء تحالف دفاعي جديد بعيداً من الولايات المتحدة، فقد نبه إلى أن تلك الدول ستحتاج إلى مضاعفة إنفاقهم الدفاعي من نسبة خمسة في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي المتفق عليها في "الناتو" العام الماضي، إلى 10 في المئة، إضافة إلى إنفاق "مليارات كثيرة" لبناء قدرة ردع نووي خاصة بهم، في حين ثمة خلاف حول تقاسيم الأعباء الدفاعية ومن يتحمل كلفة الردع الأوروبي. 

لا إجماع على الاستقلال

وعلى صعيد الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، فإنه في حين يستمد جزءاً كبيراً من قوته على الساحة الدولية من حجمه، إذ يبلغ عدد سكانه نحو 450 مليون نسمة، أي أكبر بنحو الثلث من عدد سكان الولايات المتحدة، لكن التوصل إلى إجماع داخل مجموعة غير متجانسة بهذا الحجم يمكن أن يكون صعباً، وقد أبدى بعض قادة الاتحاد الأوروبي، مثل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، ترددا في اتخاذ موقف حازم ضد روسيا في حرب أوكرانيا، كذلك رفضوا قطع واردات الوقود الأحفوري الروسي، وبعدما وقع قادة الاتحاد الأوروبي على اتفاقية التجارة التاريخية مع دول أميركا الجنوبية (ميركوسور)، الأسبوع الماضي، صوت أعضاء مترددون في البرلمان الأوروبي على إحالة الاتفاق إلى محكمة العدل الأوروبية لمراجعته قانونياً، مما قد يؤخره أشهراً أو حتى أعواماً. 

ويشير الباحثان لدى المجلس الألماني للعلاقات الخارجية كريستيان مولينغ وسورين هيلموند إلى أن السعي إلى الاستقلالية الاستراتيجية ليس رؤية محل إجماع، فأولاً، يدور جدل حول الدول التي ينبغي للاتحاد الأوروبي التعاون معها، فبعض الحكومات، بما فيها دول من "النواة"، ترغب في السماح لدول ثالثة مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة بالمشاركة في البرامج الممولة من الاتحاد الأوروبي، في حين تسعى دول أخرى إلى حصر الوصول إلى هذه الأموال داخل القارة الأوروبية ودول الاتحاد فقط.

وثانياً، لا ترى كثير من الدول الطرفية أو الصاعدة داخل الاتحاد الأوروبي أن الاستقلالية الاستراتيجية أولوية، أساساً لأنها لا تدرك الفائدة المباشرة منها، بل على العكس تشكك هذه الدول في أن تكون الدول الأساسية، التي تمتلك صناعات متقدمة تكنولوجياً، تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة تحت غطاء رؤية يفترض أنها محايدة، وليس من قبيل الصدفة أن أقوى الداعمين لمفهوم الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية هم الدول الأكثر استفادة اقتصادياً من مشاريع التطوير الأوروبية.

كذلك يثقل كاهل هذا المفهوم سجل التجارب السابقة لبرامج التطوير الأوروبية المشتركة، إذ اشتهرت مشاريع مثل مروحية "أن أتش 90" وطائرة "أي 400 أم"، ومقاتلة يوروفايتر بتجاوز الكلف والتأخيرات والإخفاق في تحقيق الفوائد الموعودة من حيث وفورات الحجم والتشغيل البيني العسكري، وأخيراً تختلف المواقف داخل أوروبا في شأن مستقبل الاندماج الأوروبي ذاته، فدول مثل بولندا والمجر والمملكة المتحدة تحرص على الحفاظ على استقلاليتها الوطنية، وهو ما ينعكس أيضاً على قطاع الدفاع.

تحالف الكبار 

نتيجة لهذا التشرذم اعتمدت القوى الأوروبية الكبرى على مجموعات أصغر لاتخاذ إجراءات أكثر حسماً، في ما يعرف بـ"التعددية المصغرة"، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، في مجالات الطاقة والدفاع وأولويات أخرى، كذلك قادت فرنسا وبريطانيا، على رغم أن الأخيرة ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، "تحالف الراغبين" من الدول التي تعهدت بدعم أمن أوكرانيا في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب.

وتدفع ألمانيا وفرنسا نحو ما يسمي بنموذج "اتحاد أوروبي ذو سرعتين" للسماح للدول الكبرى باتخاذ قرارات أسرع من دون انتظار إجماع الدول الأعضاء الـ27، كمحاولة للتغلب على الجمود السياسي الداخلي الناتج من اختلاف مصالح الدول الأعضاء، إذ دعا وزراء مالية ألمانيا وفرنسا أكبر اقتصادات أوروبا، إيطاليا وإسبانيا وبولندا وهولندا، إلى تشكيل مجموعة قيادية مصغرة لتسريع الإصلاحات، غير أن هذا النموذج ينطوي على خطر تهميش الدول الأصغر والدول المنضمة حديثاً من أوروبا الشرقية. 

وتتقدم أربع دول أوروبية كبرى، فرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة، لتكون في صلب إعادة تشكيل مسار الدفاع الأوروبي، ففرنسا تدفع باتجاه الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، مستندة إلى قوتها النووية ومكانتها الدولية، وتقود مبادرات لتعزيز القدرة على الانتشار العسكري المشترك، في المقابل، شرعت ألمانيا في تحول استراتيجي لافت بعد عقود من الحذر، عبر زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي والاستثمار في تحديث قدراتها العسكرية، أما بولندا، الواقعة على الجناح الشرقي لـ"الناتو"، فقد برزت كقوة عسكرية صاعدة بسرعة، معززة دورها كركيزة أساسية للردع الأوروبي، فيما تواصل المملكة المتحدة أدى دور قيادي عسكري عبر "الناتو" وشبكات تعاون متعددة، على رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي.

تعدد الشركاء

إلى جانب هذه القوى تسهم دول أوروبية أخرى في تعزيز الأمن القاري ضمن مشهد يتسم بالتنوع وإن كان يفتقر إلى التوازن، فقد أظهرت دول البلطيق التزاماً دفاعياً يفوق حجمها، داعية إلى تشديد الردع على الجبهة الشرقية، بينما شكل انضمام فنلندا والسويد إلى "الناتو" تحولاً مهماً في أمن شمال أوروبا بفضل قدراتهما المتقدمة في مواجهة التهديدات الهجينة، وفي الجنوب تعمل دول مثل إيطاليا وإسبانيا على توسيع أدوارها الدفاعية، سواء عبر تأمين الفضاء المتوسطي أو تعزيز قدرات الاستجابة السريعة والدفاع السيبراني، مما يعكس تنامي المشاركة الأوروبية على رغم استمرار غياب رؤية استراتيجية موحدة.

وتقول الباحثة لدى المعهد الجورجي للشؤون العامة تمار غامكريليدزه إن هذه الدول مجتمعة تمتلك القدرة العسكرية والوزن الاقتصادي والنفوذ السياسي اللازم لصياغة هوية دفاعية أوروبية أكثر استقلالية، غير أن فاعلية هذه الجهود تبقى رهناً بوحدة الصف خلفها، فلا يزال غياب ثقافة استراتيجية مشتركة وإدراك موحد للتهديدات يعرقل العمل الجماعي، ففي حين تؤكد فرنسا الاستقلالية والدفاع الأوروبي السيادي، تعطي بولندا الأولوية للتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة و"الناتو"، وتظل ألمانيا مترددة، توازن بين القيود التاريخية والالتزامات الجديدة، أما المملكة المتحدة فتنتهج مقاربة مرنة قائمة على التحالفات والائتلافات، وفي حين يزداد التقارب في المنطقة الإسكندنافية – البلطيقية، لا يزال التلاقي الأوسع مع جنوب ووسط أوروبا محدوداً. 

وتستشهد بقول مدير معهد إيغمونت سفين بيسكوب في كتابه "دعوة إلى استراتيجية كبرى للاتحاد الأوروبي"، إن السيادة في المجال الأمني لا يمكن أن تقوم على القدرات وحدها، بل يجب أن تستند إلى رؤية سياسية مشتركة وإرادة استراتيجية للعمل الجماعي. وتخلص الباحثة بالقول إن التحدي الآن لا يتمثل فقط في زيادة الإنفاق، بل في الاستثمار بذكاء وبشكل تعاوني، ويجب أن يستند الأمن الأوروبي إلى قدرات موثوقة وجاهزية مؤسسية وتماسك سياسي، وإلى أن يتحقق ذلك ستظل أوروبا على هامش المفاوضات العالمية، حتى عندما تكون الأخطار الأعلى على أراضيها نفسها.

ويقول الباحث ماتيو كوتسور في مقال منشور بدورية "الحوكمة والسياسات العامة العالمية" إن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني غياب الاعتماد على فاعلين جيوسياسيين آخرين، بل من الضروري إما القدرة على تلبية الحاجات الأساسية بصورة مستقلة، وإما أن يكون هناك تعدد في الشركاء الذين يمكن الاعتماد عليهم، أي أن أحد شروط الاستقلالية الاستراتيجية، من زاوية الاستقلال، هو عدم الاعتماد المفرط على فاعل جيوسياسي واحد، أما الشرط الثاني، من زاوية الاستراتيجية، فهو امتلاك النفوذ على الفاعلين الجيوسياسيين الآخرين، ولا يعني النفوذ هنا الإكراه، بل بناء الشراكات المستدامة وتوسيعها، وستنعكس هاتان القاعدتان في جميع الأبعاد الثلاثة للاستقلالية الاستراتيجية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل