Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دبلوماسية الإطراء لكسب ود صاحب البلاط

في الشهور الستة الأولى من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحولت المقابلات مع قادة العالم إلى مزيج من التملق والصفقات "الأعظم على الإطلاق"

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ ب)

ملخص

يقول المراقبون إنه في عالم دونالد ترمب، الاتفاقات لا تُعقد على أساس القيم أو المبادئ، بل على أساس المنفعة الشخصية المباشرة، وغالباً ما تكون هذه المنفعة مزدوجة: مالية ومعنوية. المال وحده لا يكفي، والتملق وحده لا يكفي، لكن معاً يشكلان مفتاح الوصول إلى قلب الرئيس الأميركي. 

خلال قمة حلف شمال الأطلسي في هولندا قبل أسبوعين، وصف الأمين العام لـ"الناتو" مارك روته، الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ"دادي- الأب" مثنياً على دوره في وقف حرب الـ12 يوماً التي اندلعت بين إسرائيل وإيران. قائلاً "بعد ذلك على ’دادي‘ (الأب) أحياناً أن يستخدم كلاماً قوياً"، في إشارة إلى الكلمات التي استخدمها الرئيس الأميركي عندما اتهم بعبارات صريحة إيران وإسرائيل بعدم احترام وقف إطلاق النار. وقد بدا ترمب مستمتعاً بالوصف ونشر البيت الأبيض فيديو على منصة "إكس" بعنوان "عاد الأب إلى المنزل" متضمناً مقطعاً من أغنية "هاي دادي، عاد دادي إلى المنزل" لـ"أشر". 

ومع ذلك فإن الوصف اعتبره بعض المتابعين إطراءً يهدف إلى استرضاء الرئيس الأميركي الذي اعتاد الهجوم على الحلفاء والخصوم وإرغامهم على تلبية مطالبه، وهو تملق يجعل قادة "الناتو" يبدون ضعفاء، لكن روته دافع عن كلماته معتبراً الأمر "مسألة ذوق شخصي" وقال "أراه صديقاً جيداً، ترمب يستحق الثناء".

"الأعظم على الإطلاق"

على رغم دفاع الأمين العام لـ"الناتو"، لكن يبدو أن قادة العالم أدركوا خلال الأشهر الستة الأولى من إدارة الرئيس الأميركي، كيف ينبغي التعامل مع شخصية ترمب الذي اعتاد استخدام صفات التفخيم والمبالغة في وصف قراراته وإنجازاته وخططه، فكثيراً ما أضاف عبارات مثل "أعظم" و"الأفضل على الإطلاق" و"نجاح هائل" و"رائع" و"ضخم" و"تاريخي"، في وصف قراراته، كما اعتاد مقارنة نفسه بأسلافه السابقين من الرؤساء الأميركيين، قائلاً "لم يفعل أي رئيس من قبل ما فعلته في مثل هذه الفترة القصيرة"، فضلاً عن اعتياده التقليل من شأن خصومه من خلال هذه المبالغات. 

وخلال الأشهر القليلة الماضية، أحرج ترمب بأسلوبه الفج كثيراً من قادة العالم ممن زاروا المكتب البيضاوي، وليس أبرز مثال على ذلك إلا اللقاء العاصف الذي جمعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فبراير (شباط) الماضي، والذي انتهى بمغادرة الأخير واشنطن بشكل مفاجئ من دون أن يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً كما جرت العادة، وتم إلغاء مأدبة العشاء الرسمية التي كانت مقررة على شرفه. وقد بدأ اجتماع الزعيمين بسلسلة من العبارات الساخرة التي وجهها ترمب لزيلينسكي حول "مقدار الشكر الذي لم يُقدَّم بعد للولايات المتحدة"، على حد تعبيره، وتلميحات علنية بأن على أوكرانيا أن "تقوم بمزيد" قبل أن تستحق دعم واشنطن. 

المديح والاستثمارات

وأصبح البيت الأبيض بعد هذا اللقاء مكاناً غير مفضل لقادة العالم، بعدما كان رمزاً للهيبة الدبلوماسية والاستقبال الرسمي الراقي، حيث باتت زياراته تُحسب بعناية وتُخطط بتوجس، خوفاً من التعرض للإهانة. ولكن سرعان ما أدرك قادة العالم أن ثمة نقطتي ضعف يمكن أن يستميلوا من خلالهما الرئيس الأميركي و"يتقوا شره"، الإغداق بالمديح أو الإغراء بالاستثمارات لا سيما إذا لاحت فكرة برج جديد باسمه. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتفاخر ترمب نفسه بأنه "ملك الصفقات"، وهو اللقب الذي تباهى به طويلاً، مستنداً إلى كتابه الشهير فن الصفقة (The Art of the Deal) الصادر عام 1987، الذي حقق مبيعات ضخمة. ولاحقاً قال توني شوارتز، الكاتب الفعلي للكتاب، إنه كان يجب أن يُسمى "السيكوباتي" بدلاً من "فن الصفقة".

ويقول مراقبون إنه مع كل اجتماع في المكتب البيضاوي وكل قمة دولية، يتوصّل قادة الدول الأخرى إلى تكتيكات وإستراتيجيات لبناء علاقة عمل مع الزعيم الأميركي الغريب الأطوار، الذي يدير أكبر اقتصاد في العالم ويتحكم بأقوى جيش على وجه الأرض. 

عرف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كيف يسترضي ترمب قبل زيارته للبيت الأبيض مطلع الأسبوع، مداعباً أحلامه في نيل جائزة نوبل للسلام. فخلال مأدبة عشاء، كشف نتنياهو عن نسخة من خطاب أرسله إلى لجنة نوبل، يرشح فيه الرئيس الأميركي للجائزة قائلاً إنها "مستحقة تماماً وينبغي أن يحصل عليها"، وهياللفتة التي وصفها ترمب بأنها "ذات مغزى كبير"، من دون أن يلتفت إلى أن مقدمها نفسه متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة. 

لم تكن مبادرة نتنياهو هي الأولى من نوعها فلقد سبقته الحكومة الباكستانية، بعد تدخل ترمب دبلوماسياً للتهدئة بين الهند وباكستان عندما كادت حرب أن تندلع بين البلدين في مايو (أيار) الماضي. وعندما ذهب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للبيت الأبيض حمل معه دعوة ملكية رسمية للرئيس الأميركي لزيارة المملكة المتحدة. كما اضطر زيلينسكي إلى تقديم الشكر والثناء للولايات المتحدة ورئيسها حتى يتم العفو عنه وتستأنف واشنطن المساعدات العسكرية، كما وافق على توقيع عقد مربح مع الولايات المتحدة يسمح لها باستغلال المعادن الأوكرانية. 

وتقول الدبلوماسية السابقة من جنوب أفريقيا ومديرة برنامج الدراسات الدبلوماسية بجامعة أوكسفورد يولاندا سبايز، إن زيلينسكي بات يُقدّر أهمية التملق أكثر من كثير من زعماء العالم الآخرين، قائلة إنه "تجنب الوقوع في مواقف تنتهي بجدال مع ترمب. وأصبح يفتتح كل تصريح له بالإعراب عن مدى امتنانه للولايات المتحدة، لقد تعلم الدرس".

إيران تلتقط الخيط

ربما التقطت إيران الخيط أخيراً، فبالنظر إلى موقفها الذي بات أضعف منذ حربها مع إسرائيل والخسارة الكبيرة التي تكبدها النظام من علماء وقادة عسكريين وخسائر الصواريخ، وجدت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الطريقة المثلى في ظل المستجدات في المنطقة هي الحوار مع ترمب وليس استخدام لهجة التهديد والوعيد. 

واللافت في شأن ما فهمته حكومة بزشكيان حول ترمب، هو ما جاء من عبارات في مقال رأي كتبه وزير الخارجية عباس عراقجي لصحيفة "فايننشيال تايمز"، الثلاثاء، عندما استهل مقاله بالمقارنة بين مفاوضي ترمب ومفاوضي جو بايدن، مرجحاً كفة الأول بالقول "في خمس جلسات فقط خلال تسعة أسابيع، حققت مع المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، أكثر مما أنجزته خلال أربعة أعوام من المفاوضات النووية مع إدارة بايدن الفاشلة، كنا على مشارف اختراق تاريخي. وللرد على المخاوف الأميركية من احتمال انحراف البرنامج النووي الإيراني السلمي، أجرينا نقاشات صريحة ومفصلة، بما في ذلك حول مستقبل تخصيب اليورانيوم في إيران. طُرحت أفكار عدة لحلول مربحة للطرفين، من كلا الجانبين، ومن سلطنة عُمان أيضاً". 

المقارنة واستخدام وصف "الفاشلة" في إشارة إلى إدارة بايدن، تعزف على مقطوعة ترمب الذي اعتاد مقارنة نفسه بأسلافه والتقليل من إنجازاتهم مقارنة به، وكثيراً ما أشار إلى إدارة بايدن بالضعف والفشل بخاصة أن بايدن فاز على حسابه في انتخابات الرئاسة المثيرة للجدل عام 2020. 

وإضافة إلى ذلك، تداعب إيران الأمر المفضل لدى ترمب كرجل أعمال قبل أن يكون رئيساً للولايات المتحدة، إذ قال بزشكيان، مطلع الأسبوع الجاري، إن المرشد الأعلى للبلاد على خامنئي، يعتقد أن المستثمرين الأميركيين يمكنهم القدوم إلى إيران. وهو تأكيد لتصريحات سابقة أدلى بها عراقجي، قائلاً إن بلاده لا تعارض عمل الشركات الأميركية في إيران، بما في ذلك في قطاع النفط والغاز، مضيفاً، "لم نمنع الوجود الاقتصادي للشركات الأميركية في إيران"، فيما أرجع غياب الأنشطة التجارية الأميركية إلى العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران.

وفي اليوم التالي، صرح ترمب بأنه يود أن تتاح له الفرصة "في الوقت المناسب" لرفع العقوبات الأميركية الأحادية المفروضة على إيران.

ويقول الكاتب البريطاني آدام بولتون، إنه في عالم دونالد ترمب، الاتفاقات لا تُعقد على أساس القيم أو المبادئ، بل على أساس المنفعة الشخصية المباشرة، وغالباً ما تكون هذه المنفعة مزدوجة: مالية ومعنوية. المال وحده لا يكفي، والتملق وحده لا يكفي، لكن معاً يشكلان مفتاح الوصول إلى قلب الرئيس الأميركي. 

ووفق "أسوشييتد برس" فإنه إذا كان زعماء العالم يدرّسون مادة حول كيفية التعامل مع الرئيس الأميركي منذ بداية ولايته الثانية، فقد يبدو مخططهم الدراسي على النحو التالي: أفرط في المديح. لا تركض خلف الإثارة السياسية التي يطلقها على المسرح العالمي. انتظر التهديدات حتى تتّضح مطالبه الحقيقية، وإذا أمكن، ابحث عن وسيلة لتلبيتها. فمن بين "الترامبيات" التي يمكن تعلمها: أنه يحتقر الدبلوماسية التقليدية. وبالنسبة إليه "أميركا أولاً"، كل شيء هو "الأعظم على الإطلاق"، و"لا مجال للمقارنة حتى". 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير