ملخص
تطور يمثل تحولاً في أساليب النفوذ والاستقطاب فما يجري هو تحول كبير في أدوات النفوذ الروسي من العمل العسكري التقليدي إلى أدوات أكثر ذكاء واستمالة اجتماعية وثقافية.
مع فتح دول أفريقية جديدة مثل بوتسوانا وجنوب أفريقيا تحقيقات واسعة في شأن تجنيد روسيا أفارقة في حربها ضد أوكرانيا بدأت تتكشف خيوط وتفاصيل جديدة عن أساليب غير مألوفة تعتمد عليها موسكو من أجل جذب أبناء القارة السمراء.
وكشفت مجلة "منبر الدفاع الأفريقي"، التي تصدر عن قيادة الجيش الأميركي في أفريقيا، أن ألعاب الفيديو باتت مصيدة روسيا الجديدة لاستقطاب الأفارقة للقتال في أوكرانيا مع اقتراب دخول الحرب عامها الرابع.
أدوات أكثر ذكاء
وبحسب ما نقلت المجلة فإن شابين من جنوب أفريقيا كانا يلعبان لعبة عسكرية تدعى "آرما 3" التقيا مجنداً روسياً ثم قاما بمحادثات عبر منصة "ديسكورد" حتى انتهى بهما المطاف في جبهات القتال في دونباس، وتجري السطات في جوهانسبورغ تحقيقات واسعة في شأن تجنيد مواطني جنوب أفريقيا للقتال في أوكرانيا.
ويعتقد الباحث السياسي في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، أن "هذا التطور يمثل تحولاً في أساليب النفوذ والاستقطاب، فما يجري هو تحول كبير في أدوات النفوذ الروسي، من العمل العسكري التقليدي إلى أدوات أكثر ذكاء واستمالة اجتماعية وثقافية، إذ إن استهداف الشباب الأفريقي عبر ألعاب الفيديو أو وعود العمل والدراسة يوضح محاولة موسكو اختراق الفضاء الاجتماعي والاقتصادي في القارة بدلاً من الاعتماد فقط على العلاقات الدبلوماسية الرسمية أو العقود العسكرية التقليدية".
ويؤكد زهدي في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن "روسيا تسعى أيضاً إلى استغلال الفراغات الاقتصادية والاجتماعية، فمثل هذه الأساليب تستغل ارتفاع معدلات البطالة وفقر الفرص بين الشباب الأفريقي، إذ تستخدم وعود العمل أو المنح كطعم لجذبهم إلى ما يتضح لاحقاً أنه خدمة عسكرية في حرب ليست من صلب اهتماماتهم أو مصالح بلدانهم (..) حالات من الكينيين الذين ذكر أنهم خدعوا بوعود العمل، وتحولوا إلى مقاتلين على خطوط القتال دليل ملموس على ذلك".
ولفت إلى أنه "إضافة إلى استراتيجية ترويجية متجددة بدل القوة الصلبة، فروسيا تظهر أنها غير قادرة على تعبئة قواتها المحلية بصورة كاملة من خلال التجنيد التقليدي، فتلجأ إلى الاستقطاب الخارجي بطرق غير رسمية، وهذا يعكس تراجعاً في جاذبية المشروع الروسي داخلياً، ومن ثم محاولة لتعويض النقص البشري بوجوه أجنبية تستخدم كقوة بشرية في الحرب".
وشدد زهدي على أن هذه الأساليب تأتي في سياق أكبر من الحرب المعلوماتية والاستقطاب الأيديولوجي، إذ تستخدم روسيا منصات رقمية وبنى سمعية وبصرية لاستهداف وجذب فئات بعينها، ليست مجرد تجنيد، بل استثمار طويل المدى داخل المجتمعات عبر خلق ارتباطات وهمية بمستقبل مزعوم في روسيا، سواء عبر الدراسة أو العمل.
معضلة أخلاقية وقانونية
وعلى رغم أن كثيراً من الدول الأفريقية أطلقت تحقيقات واسعة في شأن تجنيد موسكو أبناءها فإن الكرملين لم يعلق بعد على هذه التطورات المتسارعة.
وكشف أخيراً وزير الخارجية الكيني، موساليا مودافاي، أن ما يصل إلى 200 كيني كانوا يقاتلون في صفوف روسيا حتى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024.
وعد الباحث السياسي، محمد أوال، أن حملات التجنيد التي تقودها روسيا في أفريقيا تشكل معضلة أخلاقية وقانونية إذ يجري "التغرير بالآلاف من أجل الزج بهم في قتال لا دخل لهم فيه"، وتابع "روسيا لا تولي أي اهتمام لحياة هؤلاء أو مستقبلهم، وهي تستغل أوضاعهم الهشة، وعلى رغم أن القانون الدولي يمنع ذلك فإنه لم تواجه موسكو أي عقوبات أو إجراءات تمنعها من ذلك".
وأشار إلى أن "علاقاتها المتقدمة مع دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى تمكنها من تحرك واسع لمسؤوليها الدبلوماسيين والعسكريين لتجنيد مزيد من الشباب الأفارقة".
اختراق واسع
وكان وزير الخارجية الأوكراني، أندري سيبيا، قد قال في السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025 إن 1426 شخصاً من 36 دولة أفريقية يقاتلون في صفوف روسيا، لكنه حذر من أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك، وحث الحكومات على تحذير مواطنيها من الانتظام في هذا الصراع.
واعتبر زهدي أن على المستوى الجيوسياسي والأمني، ما تقوم به روسيا يشير إلى اختراق واسع للمعايير الدولية المتعلقة بتجنيد مرتزقة واستغلال الأجانب في النزاعات المسلحة، مما يضعها في مواجهة قانونية مع إطار اتفاقية جنيف والبروتوكولات اللاحقة التي تحظر تجنيد المرتزقة واستغلالهم في الحروب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستدرك بالقول إن "على رغم ذلك، فلا تظهر حتى الآن آليات تنفيذ قوية ضد هذا النوع من الأنشطة، خصوصاً عندما تقف دولة قوية مثل روسيا خلفها، كذلك فإن هذا الأسلوب يعكس استراتيجية أوسع لموسكو في القارة الأفريقية، تتضمن بناء علاقات سياسية واقتصادية وثقافية، فموسكو تسعى إلى تعميق وجودها في القارة عبر وسائل عدة، وهي ليست جديدة بالكامل في هذا المجال، فقد شهدت الأعوام السابقة تعاوناً روسياً واسعاً مع بعض الدول الأفريقية في مجالات عسكرية وأمنية.
وبين أن استخدام هذه الأساليب يوضح أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل لها بعد عالمي يشمل القارة الأفريقية باعتبارها حلبة صراع بين قوى دولية تسعى إلى استقطاب الدعم السياسي والمادي، إذ يترافق الاستقطاب العسكري مع سياسات تأثير سياسي ودبلوماسي على الحكومات والشعوب الأفريقية.
فراغ قانوني
ويحذر زهدي من أن "اللجوء إلى منصات الألعاب ووسائل التواصل أو المنح المزيفة يأتي في سياق استغلال فراغ في القانون الدولي الرقمي، إذ لا توجد بعد آليات واضحة للتحقق من محتوى هذه الحملات أو منع تداولها عالمياً، حتى في أطر الأمم المتحدة أو الاتحاد الدولي للاتصالات".
ويرى أن "لذلك، على الحكومات الأفريقية سن قوانين وطنية تحظر وتمنع أي نشاط ينتهك سيادة البلاد ويستهدف مواطنيها للخدمة في نزاعات خارجية، وهناك بالفعل بعض الدول التي بدأت تتحرك في شأن مواطنيها المتورطين في الصراع، مثل العراق الذي شكل لجنة لإعادة مجنديه في صفوف الجيش الروسي".