ملخص
بعد مرور عام على ولاية ترمب الثانية، بدأت تظهر أنماط واضحة في طريقته للتعاطي من القرارات السياسية التي يشير بعضها إلى استخدامه تكتيكات الضغوط القصوى ليحصل على ما يريد، لكن هذه التكتيكات التي يصفها بعضهم بأنها استفزازية، تحمل أخطاراً على صدقية الإدارة الأميركية ومدى جديتها، بخاصة حينما يتكرر تراجع الرئيس الأميركي عن تهديداته عندما يواجه أنواعاً معينة من المعارضة أو مجموعة معينة من عناصر المقاومة المتداخلة، مما يدفعه إلى تغيير مساره.
خلال الأيام القليلة الماضية، قدم الرئيس الأميركي أدلة وافرة تدعم شعار "تاكو" الذي يطلقه خصومه عليه، ويعني "ترمب يتراجع دائماً"، فقد تراجع عن تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة، ثم تراجع تدريجاً عن الدعم الكامل لحملته ضد الهجرة في ولاية مينيسوتا، وقبل ذلك بأسابيع تراجع عن نشر قوات الحرس الوطني في عدد من المدن الأميركية، مثلما تراجع عن التعريفات الجمركية على الصين وغالبية دول العالم، لكن على رغم أن ترمب لا يغير مساره إلا في ظروف محددة، إلا أن تكتيكاته المتقلبة، تأتي بنتائج عكسية داخلياً وخارجياً، وتدفع الدول الحليفة نحو بكين بحثاً عن الاستقرار، فما الذي يدفع ترمب إلى التراجع عن مواقفه أحياناً؟ وما ثمن جعل الولايات المتحدة شريكاً غير موثوق به؟
أربع فئات
بعد مرور عام على ولاية ترمب الثانية، بدأت تظهر أنماط واضحة في طريقته للتعاطي من القرارات السياسية التي يشير بعضها إلى استخدامه تكتيكات الضغوط القصوى ليحصل على ما يريد، لكن هذه التكتيكات التي يصفها بعضهم بأنها استفزازية، تحمل أخطاراً على صدقية الإدارة الأميركية ومدى جديتها، بخاصة حينما يتكرر تراجع الرئيس الأميركي عن تهديداته عندما يواجه أنواعاً معينة من المعارضة أو مجموعة معينة من عناصر المقاومة المتداخلة، مما يدفعه إلى تغيير مساره.
ومع ذلك، فإن تراجع ترمب عن التعريفات الجمركية التي هدد بها العالم وأدى إلى ظهور شعار "تاكو" الذي أطلقه عليه خصومه وهو اختصار لجملة "ترمب يتراجع دائماً"، لا يعني أن هذا الشعار دقيق تمام، لأن السياسيين وصناع القرار الذين يسعون إلى فهمه، يدركون أن ترمب لا يتراجع دائماً، لكنه يفعل ذلك في ظروف محددة فقط.
ويبدو أن أربع فئات من ردود الفعل تصبح فعالة بصورة خاصة في إقناع ترمب بتغيير مساره، وهي المعارضة الواسعة من الجمهوريين المؤيدين لترمب، والأسواق المتقلبة بخاصة أسواق السندات، ومعارضة خصومه الذين يواجهون الرئيس بوحدة وقوة بدلاً من تملقه، ثم بروز الشكوك من شخصيات إعلامية محافظة تخترق فقاعة المعلومات المعزولة التي يحيط بها ترمب نفسه، وفي الظروف التي يواجه فيها أكثر من نوع واحد من فئات المقاومة هذه، غالباً ما يتراجع ترمب ويغير مساره.
حادثة مينيابوليس
كان تحول ترمب في شأن عمليات إنفاذ قوانين الهجرة المتزايدة العنف في ولاية مينيسوتا، أحدث مثال على ذلك، فبعدما انتهز كبار أعضاء إدارة الرئيس الفرصة لتشويه سمعة أليكس جيفري بريتي، المتظاهر الذي قتل على يد ضباط الهجرة والحدود في مدينة مينيابوليس، بدأ عدد من الجمهوريين، الذين عادة ما يتجنبون الصدام مع ترمب، الإشارة إلى عدم موافقتهم على تكتيكات الإدارة العدوانية وخطابها الحاد.
على سبيل المثال، دعا أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون جون كورتيس وبيل كاسيدي وسوزان كولينز وليزا موركوفسكي وتوم تيليس وديف ماكورميك وجيري موران إلى إجراء تحقيقات في جريمة قتل بريتي، كما طلب السيناتور راند بول من رؤساء وكالات الهجرة والجمارك وحماية الحدود وخدمات المواطنة والهجرة المثول أمام الكونغرس للإدلاء بشهاداتهم، وانضم إليهم كذلك حاكمان جمهوريان، فضلاً عن المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية مينيسوتا هذا العام كريس ماديل، الذي أعلن انسحابه من السباق الانتخابي واستقالته من الحزب، قائلاً إنه لا يستطيع أن يعتبر نفسه عضواً في حزب يفعل ذلك.
كما استدعى رؤساء اللجان الجمهوريون في مجلسي النواب والشيوخ كبار مسؤولي الإدارة إلى جلسات استماع علنية، وهو أمر نادر الحدوث، وخارج الكونغرس، وانتقدت جماعات ضغط يمينية قوية مثل "الجمعية الوطنية للبندقية" وغيرها من دعاة حقوق حمل السلاح، تصريحات كبار مسؤولي إنفاذ القانون في إدارة ترمب، بمن فيهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، الذين ألقوا باللوم على المتظاهر القتيل أليكس بريتي لحمله سلاحاً نارياً وقالوا إنه لا ينبغي للناس حمل أسلحة في التظاهرات العامة، على رغم أن مقاطع الفيديو أظهرت أن الضباط نزعوا سلاح بريتي قبل إطلاق النار عليه وقتله.
تأثير مضاعف
أرسلت ردود الفعل هذه من حيث كثرتها ولهجتها رسالة واضحة، إلى دونالد ترمب تقول بصوت عال "كفى"، بعدما كان الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون خلال ولاية الرئيس الثانية، يتسم بالصمت والتسليم بالأمر الواقع، لكن شعور هذا العدد الكبير من أعضاء حزب الرئيس بضرورة التحدث علناً بعد مقتل بريتي، كان علامة على أن الجمهوريين فقدوا صبرهم أخيراً على العملاء الفيدراليين الذين يقومون بعمليات ترحيل أثارت استياء الرأي العام من إحدى سياسات ترمب الرئيسة وأضرت بمكانة الحزب الجمهوري في بداية عام انتخابي حاسم.
غير أن ما ضاعف التأثير في ترمب، هو انضمام شخصيات بارزة من منظومة الإعلام المفضلة لديه مثل ماريا بارتيرومو، مذيعة قناة "فوكس نيوز"، التي طرحت أسئلة حادة حول رواية الإدارة لحادثة إطلاق النار، وكذلك عدد من المعلقين المحافظين مثل تري غودي وإريك إريكسون، ومقدم "البودكاست" جو روغان، وهيئتا تحرير صحيفتي "نيويورك بوست" و"وول ستريت جورنال"، مما أدى إلى تخفيف موقف ترمب وتكليفه "مسؤول الحدود" توم هومان بتولي القيادة من غريغ بوفينو الذي أبعده من الولاية، فضلاً عن إعلان الرئيس أنه يدرس كل الخيارات وقد يسحب قوات الهجرة من الولاية في وقت ما.
من مينيابوليس إلى شيكاغو
قبل مينيابوليس، كانت هناك شيكاغو، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، نشر ترمب منشوراً حمل قدراً من التهديد بغزو المدينة، إذ قال فيه "أحب رائحة عمليات الترحيل في الصباح، ستكتشف شيكاغو قريباً لماذا تسمى وزارة الحرب"، ورد حاكم إلينوي بقوة، متعهداً بأن ولايته لن تخضع للترهيب من ديكتاتور محتمل، وانضم إليه مسؤولون منتخبون آخرون من إلينوي، كما احتشد الآلاف في الشوارع احتجاجاً، ورفعت دعاوى قضائية للطعن في قانونية نشر ترمب الحرس الوطني.
وفي النهاية، قضت المحاكم ضد الإدارة، وتراجع ترمب في نهاية ديسمبر (كانون الأول)، معلناً أنه لن يتم نشر الحرس الوطني في شيكاغو، وسيتم سحبه من لوس أنجليس وبورتلاند، وإن كان قد تعهد بإعادة نشر القوات حينما ترتفع معدلات الجريمة هناك مرة أخرى في محاولة لحفظ ماء الوجه.
وعلى رغم أن ترمب يبدو أنه يرد على المعارضين الذين يتحدونه بقوة، إلا أن هذه القوة لا تبدو دائماً على شكل مواجهة صاخبة، فقد تمكن عمدة مدينة نيويورك الاشتراكي الديمقراطي زهران ممداني من نزع سلاح ترمب خلال اجتماعهما الذي حظي باهتمام كبير في المكتب البيضاوي في نوفمبر (تشرين الثاني)، مما دفع ترمب إلى التراجع عن تهديداته باستهداف مدينة نيويورك.
لم يكن نهج ممداني قوياً في حد ذاته، لكنه كان على نقيض تام من التملق والترجي الذي حاول عدد من مكاتب المحاماة والجامعات والشركات استخدامه لاسترضاء ترمب في بداية ولايته، الذي بدا أنه يشجع ترمب بدلاً من ردعه.
التعريفات الجمركية
لكن ظهور شعار "تاكو" يعود في الأصل لتراجع ترمب عن تعريفاته الجمركية العقابية التي فرضها في ما سماه "يوم التحرير" في الربيع الماضي، حين أثار إعلان ترمب حرباً تجارية عالمية جديدة، الذي صمم خصيصاً للتلفزيون، قلق الأسواق العالمية، بما في ذلك أسواق السندات، التي يراقبها الرئيس عن كثب لقياس نجاح سياسته الاقتصادية، كما أثار قلق حلفاء حركة "ماغا" "اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" في "الكابيتول هيل"، الذين أعربوا علناً عن مخاوفهم من أن تؤثر زيادة التعريفات الجمركية في جيوب المستهلكين، ونتيجة لذلك تراجع ترمب عن قراره.
أثار ذلك حلفاء ومستشاري ترمب الذين أعربوا عن قلقهم من أن سياساته التجارية العدوانية، تدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى السعي إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، وأن هذه التكتيكات الاستفزازية، مثل التعريفات الجمركية الأولية التي وصلت إلى نسبة 145 في المئة على بكين قبل أن يخفضها ترمب إلى 30 في المئة، تخلق فراغاً تسعى الصين، بقيادة الرئيس شي جينبينغ، إلى ملئه من خلال تعزيز الحوار والتعاون مع حلفاء الولايات المتحدة، مما يأتي بنتائج عكسية تدفع الدول الأخرى نحو بكين بحثاً عن الاستقرار، مما يقوض الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل.
غرينلاند وتأثيرها المدمر
مثلما فعل في التعريفات الجمركية، كرر الرئيس الأميركي التكتيك ذاته في شأن رغبته في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند التابعة لدولة الدنمارك التي تتمتع بالحكم الذاتي، إذ أدى رفض ترمب الأولي استبعاد القوة العسكرية إلى انهيار الأسواق، وأثار استهجاناً علنياً من حلفاء ترمب في أوروبا، وقوبل بمقاومة قوية بصورة غير عادية من القادة الأوروبيين الذين توحدوا لمعارضة هذه الخطوة، وبلغت هذه القوى الثلاث ذروتها في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مما أدى إلى تراجع ترمب عن التهديد باستخدام القوة.
أظهرت تهديدات الرئيس الأميركي الكارثية، وحديثه المتكرر بالاستيلاء على الجزيرة بالطريقة السهلة أو الصعبة للأوروبيين أن استرضاء ترمب لم يكن استراتيجية ناجحة، مما جعل أوروبا تتخذ موقفاً حازماً، فقد أوضح حلفاء الولايات المتحدة أنهم انتهوا من الاستسلام، ونشرت ثماني دول أعضاء في حلف "الناتو" قواتها في غرينلاند للمشاركة في مناورات عسكرية، وأعلن رئيس الوزراء الدنماركي أن أوروبا لن ترضخ للابتزاز، ولتعزيز هذا الموقف، تحدث عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين علناً عن استخدام سلاح التجارة الفعال الذي تمتلكه أوروبا ويسمى "البازوكا"، الذي من شأنه تقييد حماية الملكية الفكرية للشركات الأميركية وحرمان الشركات الأميركية من فرص المشاركة في المناقصات الحكومية في أوروبا، من بين إجراءات أخرى. ودفعت هذه الإجراءات ترمب للتراجع أخيراً، عندما سحب تهديده باستخدام القوة العسكرية في غرينلاند وقال إنه لن يفرض تعريفات جمركية على معارضي خططه في القطب الشمالي، مما يعد دليلاً آخر على أن الوقوف في وجهه يجدي نفعاً.
شريك غير موثوق
على رغم أن أوروبا تنفست الصعداء عندما سحب ترمب تهديده في شأن غرينلاند، إلا أن الولايات المتحدة وتحركات رئيسها المتهورة والمزعزعة للاستقرار على الساحة العالمية، لم تعد تبدو شريكاً موثوقاً بالنسبة إلى الأوروبيين، وفي حين يدرك القادة الأوروبيون أن أية دولة لا تستطيع تحمل كلفة قطع العلاقات أو معاداة أكبر اقتصاد في العالم، إلا أن سعيهم إلى تحقيق الاستقرار، يدفعهم إلى التوجه نحو الدولة التي يراها كثيرون في واشنطن تهديداً وجودياً وهي الصين التي تحاول الاستفادة من الخلاف الناشئ على ضفاف الأطلسي.
وفي إشارة واضحة إلى ذلك، أوضحت افتتاحية في صحيفة "غلوبال تايمز" الحكومية الصينية موقف بكين بوضوح، حين قالت إنه يجب على أوروبا أن تنظر بجدية في بناء مجتمع صيني - أوروبي ذي مستقبل مشترك، وحذرت من أن العالم يواجه خطر العودة إلى قانون الغاب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الصين تستفيد
ومع عودة السياسة الأميركية إلى عدم القدرة على التنبؤ بها، حرص القادة الأوروبيون على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع بكين، وخلال الأيام القليلة الماضية زار بكين ثلاثة زعماء غربيون يمثلون كندا وإيرلندا وبريطانيا، ومن المتوقع أن يسافر المستشار الألماني فريدريش ميرتس إليها قريباً، وجميعهم سعوا إلى علاقات تجارية واقتصادية أوثق مع الصين، حيث وضع مارك كارني، الذي انتخب رئيساً لوزراء كندا بناء على وعود بالتصدي لضغوط الولايات المتحدة الأساس لإعادة تقييم العلاقات بين الدول الغربية والصين، حينما قال إن كندا تقيم شراكة استراتيجية جديدة مع الصين، وإن النظام العالمي يمر بمرحلة انقطاع لا مجرد انتقال.
وبدلاً من الخضوع للجار الجنوبي، حاول كارني تقليل اعتماد بلاده على الولايات المتحدة، فقد وافق على خفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية من 100 في المئة إلى 6.1 في المئة، مبتعداً بذلك من التوافق مع واشنطن الذي كان قد أدى إلى حظر فعلي لإحدى صادرات الصين الرئيسة من دخول سوق أميركا الشمالية، ما يعد انتصاراً سياسياً كبيراً للصين، حتى لو كانت تمثل حصة صغيرة فقط من صادراتها من السيارات الكهربائية.
وكما هي الحال مع كارني، أبرم كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني برفقة 50 من قادة الأعمال وممثلي شركات بريطانية كبرى، صفقات في العاصمة الصينية وجذب استثمارات تشتد الحاجة إليها في الاقتصاد البريطاني، على رغم المخاوف المتزايدة في شأن أخطار الأمن القومي للاستثمارات الصينية، وتعميق التبعية الحالية للصين في لحظة يكون فيها الهدف المعلن لأوروبا هو تقليل الأخطار كما تقول إيفا سيفرت، كبيرة المحللين في معهد "ميركاتور" للدراسات الصينية.
عالم متعدد الأطراف
لكن التحول نحو بكين ليس بالأمر السهل، إذ إن قيادة المفوضية الأوروبية لا تزال معادية للصين، وهو أمر يصعب على المسؤولين ورجال الأعمال الصينيين التوفيق بينه وبين العلاقات الأكثر دفئاً المفترضة بين الصين والدول الأوروبية الفردية، كما يقول ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الشرقية والأفريقية، الذي يشير أيضاً إلى أن البرودة العامة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين والحرب في أوكرانيا هما أكبر العقبات أمام تعميق العلاقات بين الجانبين.
ومع ذلك، قد تتلاشى هذه المخاوف مع سعي القوى الأوروبية المتوسطة إلى التمسك بعالم متعدد الأطراف في مواجهة التحديات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت يوماً من أكبر المدافعين عن هذا النظام.
وبينما تصر الصين على أن سلوك ترمب ليس مدعاة للاحتفال، إلا أن النتيجة قد تعزز موقف بكين على الساحة الدولية.