Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على فكرة، أحبك: رسائل الغرام الورقية تعود للحياة

بمناسبة عرض رسائل حب كتبتها شخصيات تاريخية بمن فيها جاين أوستن، في الأرشيف الوطني البريطاني، نستعرض أسباب تزايد شعبية التعبير بالورقة والقلم في المملكة المتحدة

تعتبر الرسائل البريدية من الموروثات التي عفا عليها الزمن (أنسبلاش)

ملخص

يعرض معرض "رسائل حب" في الأرشيف الوطني البريطاني عشرات الرسائل العاطفية الممتدة عبر 500 عام، في وقت يشهد فيه العالم عودة واضحة لشغف الكتابة بخط اليد، إذ يجد الناس في الرسائل الورقية عمقاً عاطفياً وصلات إنسانية أعمق لا توفرها التكنولوجيا الحديثة.

عندما حُكم على أوسكار وايلد بالسجن لمدة عامين بتهمة المثلية الجنسية عام 1895، كتب عشيقه، الشاعر والصحافي اللورد ألفريد دوغلاس رسالة إلى الملكة فيكتوريا يطلب فيها الإفراج عن وايلد. وسألها فيها "ألن تنقذي هذا الرجل الذي، وإن كان مذنباً، عوقب بالفعل بقسوة تفوق ما يستحق بألف مرة[؟]". قضى وايلد عقوبته كاملة في السجن وتوفي عام 1900، بعدما أمضى سنواته الأخيرة في المنفى.

من المقرر أن تُعرض رسالة دوغلاس الملتهبة في معرض "رسائل حب" الذي ينظمه الأرشيف الوطني هذا الشهر، إلى جانب عشرات الرسائل العاطفية الأخرى التي تغطي فترة 500 عام من الألم والشغف. ومن بينها واحدة من أكثر رسائل الحب خطورة على مر التاريخ، كتبتها كاثرين هاورد، الزوجة الخامسة للملك هنري الثامن، إلى توماس كولبيبر، وهو أحد أفراد حاشية الملك عام 1541. وقد استُخدمت الرسالة لاحقاً لإثبات وجود علاقة غرامية بينهما، وهو ما يعد خيانة. وأعدم الملك كليهما بعد ذلك بوقت قصير. كتبت هوارد إلى كولبيبر، على رغم خطورة الموقف "لم يتق قلبي إلى شيء كما يتوق إلى رؤيتك والتحدث إليك. أنا لك ما حييت، كاثرين".

يأتي المعرض الذي يركز على رسائل الماضي في وقت تشهد فيه الكتابة بالورقة والقلم رواجاً مفاجئاً، على رغم أن عالمنا المعاصر أصبح يعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الرقمية. ومع تزايد الاهتمام الثقافي بالأنشطة التقليدية، تزداد أيضاً شعبية تبادل الرسائل البريدية بين الأصدقاء، مما يتيح لمن يمسكون بقلم الحبر الجاف تكوين علاقات أكثر عمقاً بعيداً من الشاشات.

يشارك المستخدمون على "تيك توك" تجاربهم في تعلم فن الخط وكيفية استخدام أختام الشمع. وفي الوقت نفسه، أفاد موقع "بنترست" عن زيادة بنسبة 105 في المئة في عمليات البحث عن "طوابع بريدية ظريفة" وزيادة بنسبة 90 في المئة في عمليات البحث عن "أفكار لتكوين صداقات عبر المراسلة". ويستند هذا الاتجاه إلى اهتمام مسبق للشباب بالكتابة. وفقاً لمنظمة العفو الدولية في المملكة المتحدة، أرسل أكثر من نصف البالغين في المملكة (55 في المئة) رسالة واحدة في الأقل خلال العام الماضي، فيما كان الشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة) هم الأكثر رغبة في تلقي مزيد من الرسائل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول أمينة معرض "رسائل حب" فيكتوريا إيغليكوفسكي-برود "تولد الرسائل لديك انطباعاً بأن كتابتها تطلبت تفكيراً ووقتاً أكثر من تفاعلاتنا الرقمية. في عصرنا الحديث، يحمل الجلوس والكتابة معنى كبيراً. فهذا العمل يعني أنك تخصص وقتاً وتبذل جهداً. وهذا أمر في غاية الأهمية".

وتضيف "إن ما يميز الرسائل هو عمرها المديد ووجودها المحسوس الذي يمنحها قوة كبيرة، ولا سيما تلك المكتوبة بخط اليد، فهي تخلق صلة بينك وبين الشخص الذي كتبها، وهي صلة لا يمكن تكوينها بالطريقة نفسها عبر الوسائط الرقمية. وهي تولد صدى كبيراً في النفس".

يصور معرض "رسائل حب" مشاعر المحبة والمودة بجميع أشكالها المعقدة والمتنوعة، من الحب الأسري إلى الصداقة. وفي أحد أركان المعرض، نجد ملاحظة كتبها تشارلز، والد التوأم كراي، يشهد فيها أمام المحكمة عام 1956 بأن روني وريجي، اللذين أصبحا في ما بعد من أشهر رجال العصابات في بيثنال غرين، هما "أكثر الشبان احتراماً وطيبةً يمكن لأي شخص أن يتمنى مقابلتهما" بعدما تورط أحدهما في شجار. وقد زعم أن "الفصل بين هذين الصبيين قد يؤدي إلى انتكاسة كبيرة في مستقبل حياتهما الفتية".

وتظهر من بين الرسائل رسالة مؤثرة بشكل خاص موجهة إلى زعيم الحزب الليبرالي السابق ديفيد لويد جورج. تحمل الرسالة مناشدة من جيمس جيليسبي، وهو جامايكي يعيش في باري بجنوب ويلز، إلى رئيس الوزراء كي يساعده على مغادرة بريطانيا مع عائلته بعدما استُهدف منزلهم ومطعم بيع السمك والبطاطس المقلية الذي يملكونه في أعمال الشغب العنيفة التي اندلعت ضد السود عام 1919. ويقول الرجل بعد تلقيه شروط ترحيله "أنا على استعداد لمغادرة البلاد على الفور برفقة زوجتي وطفلي (وليس من دونهما). أتوسل إليك، سيدي المحترم، بصفتك زعيم الإمبراطورية البريطانية، أن تسمح لي ولعائلتي بالسفر إلى جامايكا".

في حين أن هذين المثالين يقدمان نظرة عميقة ومذهلة على المجتمع الذي أُرسلا فيه، تعكس كثير من الرسائل الأخرى في المعرض أوجه تشابه مع الصراعات العاطفية التي لا نزال نعيشها اليوم. في عام 1944، كتب جون كيرنكروس، وهو أحد الجواسيس في خماسية كامبريدج، إلى صديقته السابقة غلوريا باراكلو بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية رسالة تحمل نبرة ندم شديد. وسألها بأسى "أتساءل إن كنا سننفصل لو علمنا ما سيحدث. كانت خسارة كبيرة بالنسبة إلي، على رغم أنني لا أزال على تواصل بشخصيتك المشرقة من خلال المراسلات... أنا حزين للغاية لأنك لن تعودي [إلى المملكة المتحدة]"، مضيفاً أنه يرغب في السفر إلى إسبانيا لزيارة باراكلو في مسقط رأسها. لكن تلك الفرصة ضاعت، وتزوج كل منهما من شخص آخر.

ولا تختلف هذه المشاعر كثيراً عن رسائل تلقيناها عبر تطبيق "واتساب" من أحباء سابقين نادمين في الماضي القريب، مع أن كيرنكروس ختم رسالته بقصيدة بدلاً من رمز إيموجي. وتقول إيغليكوفسكي-برود "قد تكون الكلمات مكتوبة بلغة مختلفة أو بخط أنيق، لكن المشاعر التي تحملها تبقى كما هي. إذ تتسم المشاعر بطابع عالمي حقيقي، وهي لا تزال حية اليوم كما كانت قبل 500 عام".

ومع ذلك، تعتبر الرسائل البريدية من الموروثات التي عفا عليها الزمن. ففي الدنمارك، سلمت خدمة البريد آخر رسالة بريدية في ديسمبر (كانون الأول) 2025، على رغم أن البريد يوزع بهذه الطريقة في البلاد منذ عام 1624. وقد قامت شركة "بوستنورد"، التي تأسست عام 2009 بعد دمج خدمات البريد السويدية والدنماركية، بتسريح 1500 موظف وإزالة 1500 صندوق بريد أحمر من شوارع البلاد، متذرعة بتزايد التحول الرقمي في المجتمع الدنماركي. وقد تراجعت كتابة الرسائل بشكل حاد في البلاد خلال الأعوام الـ25 الماضية، حيث انخفضت بنسبة تزيد عن 90 في المئة.

قد تكون خدمات البريد لدينا في المملكة المتحدة رديئة، ولكن يبدو أننا أصبحنا نكتب رسائل بخط اليد بحماسة متزايدة منذ بداية الجائحة. وقال ما يقارب نصف البريطانيين (45 في المئة) بعدما استذكروا تلك الفترة إن تلقي الرسائل البريدية ساعدهم على تجاوز فترة الإغلاق، فيما قال اثنان من كل خمسة أشخاص إن كتابة الرسائل ساعدتهم على تحسين صحتهم النفسية عندما لم يكن مسموحاً لهم بالخروج. ومع أن رؤية مظروف موجه لنا بخط اليد على عتبة الباب عندما كان الاختلاط محظوراً قد رفعت من معنوياتنا، فإن هذه الفائدة لا تقتصر على فترة الإغلاق، حيث أظهرت الدراسات أن من يكتبون رسائل الامتنان أو التعاطف مع الذات أفادوا بتقلص شعورهم بالخجل والقلق وزيادة سعادتهم.

صحيح أن الرسائل الإلكترونية تملأ صناديق بريدنا الإلكتروني كل يوم، وأننا نتلقى وابلاً من رسائل "واتساب" على شاشات هواتفنا في كل ساعة من ساعات النهار، غير أن الرسائل المكتوبة بخط اليد هي الوحيدة التي نفتحها وكأنها هدية، ونجلس لنقرأها بنهمٍ ونحتفظ بها داخل صناديق الأحذية لأعوام قادمة، لنحفظ كلمات أصدقائنا وأحبائنا بأمان وسرية، حتى نعود لقراءتها بعد شهور أو حتى عقود. وهذه العادة شائعة وعزيزة على قلوبنا.

وفي عام 2026، يمكن أن نشهد نفاذ التذاكر لحضور عرض "ليترز لايف" Letters Live، الفعالية المستوحاة من سلسلة الكتب الأكثر رواجاً على مستوى العالم، "رسائل ملفتة" Letters of Note للكاتب شون آشر ومن حسابه الشهير بالتوازي مع هذه الكتب على "إنستغرام"، وهي فعالية أقيمت على مسرح "ساوثبانك" Southbank ليل الخميس الماضي الـ22 من يناير(كانون الثاني) واستقطبت نجوماً من العيار الثقيل، مثل بيندكت كامبرباتش وجود لو وستيفن فراي، إلى المسرح لتقديم عروض فريدة من نوعها تستند إلى رسائل كتبها الجميع، من ديفيد بوي إلى شارلوت برونتي.

لطالما قال فريق إنتاج هذا العمل إن مهمته هي بث روح جديدة في القصص التي ترويها المراسلات القديمة. ومن الواضح أنه ينجح في مهمته. فقد بدأ الشباب في استخدام الأقلام لكتابة رسائل مدروسة بعناية وذلك بحماسة متجددة، وبالطبع باستخدام طوابع بريدية وقرطاسية جميلة.

وتؤكد إغليكوفسكي-برود قائلة "لا أعتقد أن الرغبة في كتابة الرسائل ستختفي، حتى لو كان هناك طفرة فيها حالياً". وتضيف "قد تظهر طرق أخرى للاتصال وتضاف إلى الطرق الحالية، لكن الرسائل هي حقاً وسيلة أساسية وجوهرية في طريقة تواصلنا. وستبقى كذلك مع مرور الوقت. إن الرسالة المكتوبة شيء مميز للغاية. وهي بالتأكيد شيء يجب تقديره حقاً والاحتفاظ والتمسك به".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات