Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تعيد الضربة الأميركية رسم الصراع الطائفي في نيجيريا؟

الواقع الميداني يكشف عن مشهد أكثر تعقيداً من سردية الصراع الديني فالبلد التي يتجاوز عدد سكانها 242 مليون نسمة تضم توزيعاً شبه متوازن بين المسلمين والمسيحيين.

أضرار تسبب بها حطام ضربات أميركية على مواقع لـ"داعش" في نيجيريا (أ ف ب)

ملخص

تمتلك نيجيريا احتياطيات ضخمة من الليثيوم والكوبالت والنيكل، باتت جزءاً من الصراع العالمي على سلاسل التوريد، وتسعى واشنطن إلى تقليص الهيمنة الصينية عليها. وعليه، يصبح الضغط الأمني والسياسي وسيلة غير مباشرة لفتح مسارات تفاوض حول الوصول التفضيلي إلى هذه الثروات.

 بعد ثلاثة أشهر من التحذيرات والتصريحات العلنية المتصاعدة التي أطلقها دونالد ترمب منذ أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بشأن احتمال لجوء واشنطن إلى الخيار العسكري لوقف ما وصفه بالـ"التهديد الوجودي" الذي يواجه المسيحيين في نيجيريا، أعلن الرئيس الأميركي في الـ25 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، تنفيذ ضربة استهدفت إرهابيي تنظيم "داعش" في شمال غربي البلاد. تبلور هذا المسار تدريجياً عبر خطاب سياسي أميركي أعاد ربط ملف الإرهاب في غرب أفريقيا بسرديات دينية وأخلاقية، وسط تنامي نفوذ الجماعات المسلحة.

استهدفت الضربة، التي نفذتها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، معسكرات "داعش" في ولاية سوكوتو، وتحديداً في غابة باوني بمنطقة تانغازا، وهي منطقة وعرة على الحدود مع النيجر، تحولت خلال السنوات الأخيرة ملاذاً لجماعات مسلحة تنشط بين شمال غربي نيجيريا وجنوب النيجر.

وأفادت "أفريكوم" في بيانها الأولي بأن العملية نُفذت بالتنسيق مع السلطات النيجيرية، وأسفرت عن مقتل عدد من عناصر التنظيم، في حين أكد وزير الإعلام النيجيري محمد إدريس مالاجي تحييد العناصر المستهدفة في معقلين رئيسيين للتنظيم.

حمل التوقيت دلالة خاص، فبحسب ما صرّح به ترمب لاحقاً لموقع "بوليتيكو"، كانت الضربة مقررة في الـ24 من ديسمبر، قبل أن يؤجل تنفيذها يوماً واحداً، في إشارة رمزية أراد من خلالها ربط العمل العسكري بمناسبة "أعياد الميلاد"، وتحويل المناسبة الدينية إلى جزء من الرسالة السياسية.

هذا الربط لم يكن تفصيلاً عابراً، إذ عززه ترمب بخطاب مباشر على منصة "تروث سوشال"، قدم فيه العملية باعتبارها رداً على ما وصفه بـ"القتل الوحشي للمسيحيين الأبرياء"، متوعداً بمزيد من الضربات إذا استمر العنف.

على المستوى الدبلوماسي، كشفت التصريحات الرسمية عن تنسيق مسبق بين واشنطن وأبوجا. فقد أكد وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار أنه تحدث مع نظيره الأميركي ماركو روبيو قبل تنفيذ الضربة، وأن الرئيس النيجيري بولا تينوبو منح الموافقة على العملية.

غير أن هذا التنسيق لم يلغِ التباينات في تفسير طبيعة الصراع، إذ واصلت الحكومة النيجيرية التأكيد على أن العنف في شمال البلاد نتاج تداخل معقد بين الإرهاب والجريمة المنظمة والنزاعات المحلية، في مقابل إصرار الخطاب الأميركي على تأطيره ضمن سردية "الاضطهاد الديني".

مشهد معقد

تشير التطورات الأمنية الأخيرة في نيجيريا إلى مرحلة أكثر تعقيداً من تداخل العنف المسلح بالجريمة المنظمة والتوترات الطائفية، مع تصاعد واضح في استهداف المدنيين ودور العبادة. ففي الأسبوع الماضي، أعلنت شرطة ولاية كادونا عن قيام مسلحين يُشتبه بانتمائهم إلى عصابات قطاع الطرق بخطف عشرات المصلين من كنيستين في منطقة كورمين، وهي منطقة نائية يصعب الوصول إليها بسبب رداءة البنية التحتية.

وأوضح رئيس الرابطة المسيحية شمال نيجيريا، القس جون هاياب، أن عدد المختطفين بلغ 172 شخصاً، تمكن تسعة منهم من الفرار، في مؤشر على تصاعد عمليات الخطف الجماعي التي باتت سمة بارزة في شمال غربي البلاد، حيث تنطلق العصابات من مناطق غابية معزولة لشن هجمات على القرى والمدارس ودور العبادة.

 

 

يأتي هذا التصعيد في سياق أوسع من التحولات الأمنية والسياسية، أعقب الغارات الجوية الأميركية في ولاية سوكوتو. وتلوح في الأفق توقعات بامتداد هذه العمليات إلى مناطق أخرى، خصوصاً شمال شرقي البلاد، حيث تنشط جماعة "بوكو حرام" منذ أكثر من عقد. وتراهن الحكومة النيجيرية على التعاون مع واشنطن لتعطيل شبكات التمويل والإمداد للجماعات المسلحة وتعزيز القدرات الاستخباراتية، في ظل استعداد البلاد للانتخابات العامة عام 2027، إذ قد يشكل النجاح الأمني مكسباً سياسياً للرئيس تينوبو، بينما قد يتحول الإخفاق إلى عبء سياسي ضاغط.

غير أن الواقع الميداني يكشف عن مشهد أكثر تعقيداً من سردية الصراع الديني. فنيجيريا، التي يتجاوز عدد سكانها 242 مليون نسمة، تضم توزيعاً شبه متوازن بين المسلمين والمسيحيين، ويُظهر "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) أن استهداف المدنيين لا ينحصر في جماعة دينية بعينها، إذ سُجل مقتل 317 مدنياً في هجمات استهدفت المسيحيين و417 في هجمات استهدفت المسلمين بين يناير (كانون الثاني) 2020 وسبتمبر (أيلول) الماضي.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن جماعات مثل "بوكو حرام"، و"أنصارو"، و"لاكوراوا"، إلى جانب عصابات قطاع الطرق ورعاة قبائل الفولاني، تورطت في أعمال قتل وخطف طاولت المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وسط صراعات على الأراضي والمياه وتوترات إثنية متجذرة.

دوافع ترمب

تتشابك دوافع ترمب وراء الضربات الجوية في نيجيريا، فعلى رغم أن خطاب "حماية المسيحيين" شكّل الواجهة العلنية، غير أن ما يقف خلفه ينتمي إلى طبقات أعمق من الحسابات الانتخابية والجيوسياسية والاقتصادية.

أولاً، يعتمد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض على قاعدة "إنجيلية محافظة" ترى في قضايا "اضطهاد المسيحيين" حول العالم امتداداً لمعركة الهوية داخل الولايات المتحدة نفسها.

هذا التيار يمارس ضغطاً فعلياً على صناع القرار، ويُعد أحد أعمدة الدعم الانتخابي لترمب، ما يجعل تبني سردية "إنقاذ المسيحيين في نيجيريا" أداة تعبئة فعّالة، تحول الصراع المعقد في غرب أفريقيا إلى قصة أخلاقية مبسطة يسهل تسويقها للرأي العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثانياً، نمط ترمب في إدارة الأزمات عبر خلق ملف خارجي صاخب يزاحم التحديات الداخلية. فالتصعيد تجاه نيجيريا جاء في وقت واجهت إدارته ضغوطاً متزامنة تتعلق بالانقسام الداخلي، وملفات قضائية وإعلامية حساسة، ونقاشات محتدمة حول الهجرة والإغلاق الحكومي. في هذا السياق، يخدم التدخل الخارجي وظيفة تحويل الأنظار، وإعادة تقديم الرئيس في صورة القائد الحازم الذي يضرب في الخارج بدل الانكفاء على الداخل.

ثالثاً، تنظر إدارة ترمب بقلق إلى تراجع النفوذ الأميركي في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، في مقابل تمدد روسيا والصين وتركيا. ويمثل التقارب النيجيري مع مجموعة "بريكس"، وانضمام أبوجا كشريك رسمي مطلع 2025، مؤشراً مزعجاً لواشنطن. من هذا المنظور، تحمل الضربات رسالة ضغط سياسية تهدف إلى تذكير نيجيريا بوزن الولايات المتحدة العسكري، ودفعها إلى إعادة ضبط توازناتها الدولية.

 

 

رابعاً، تمتلك نيجيريا احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية للتحول الطاقي والتقنيات المتقدمة، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل. هذه الموارد باتت جزءاً من الصراع العالمي على سلاسل التوريد، وتسعى واشنطن إلى تقليص الهيمنة الصينية عليها. وعليه، يصبح الضغط الأمني والسياسي وسيلة غير مباشرة لفتح مسارات تفاوض حول الوصول التفضيلي إلى هذه الثروات.

خامساً، يتمثل الدافع الرمزي- الردعي في توجيه إنذار إلى دول الساحل بأكملها. فالضربة في نيجيريا تحمل معنى يتجاوز حدودها الوطنية، مفاده بأن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة، وتجاوز التعقيدات المحلية، متى رأت أن مصالحها أو سردياتها القيمية مهددة. هكذا، تتكامل دوافع ترمب بين العقيدة الانتخابية، واستعراض القوة، وإعادة التموضع في أفريقيا، في مشهد يعكس تسييساً مكثفاً للأمن والدين والجغرافيا في آن واحد.

مسار مركّب

اتخذ رد الفعل النيجيري على تصريحات ترمب وتهديداته بالتدخل العسكري، ثم تنفيذ الضربات الجوية الأميركية، مساراً مركّباً عكس طبيعة المشهد السياسي والاجتماعي المعقد في البلاد، وتداخل الاعتبارات الأمنية مع حساسيات السيادة والتوازنات الدينية.

على المستوى الرسمي، تعاملت حكومة الرئيس بولا تينوبو مع التطورات ببراغماتية محسوبة، فقد سارعت وزارة الخارجية النيجيرية، إلى تأطير الضربات باعتبارها ثمرة تعاون أمني منظم مع شركاء دوليين، مؤكدة أن الغارات الجوية الأميركية استهدفت "أهدافاً إرهابية دقيقة" في شمال غربي البلاد، ضمن جهود مستمرة لمواجهة تهديد التطرف العنيف.

وشدد الخطاب الرسمي على أن الصراع مع الجماعات المسلحة قديم ومتواصل، وأن ما جرى يمثل "مرحلة جديدة" في مسار طويل من المواجهة، مع الحرص على التأكيد بأن أي تعاون خارجي يتم ضمن احترام السيادة النيجيرية وتحت مظلة التنسيق الحكومي.

في الوقت ذاته، دحضت أبوجا رواية ترمب التي صورت العنف في نيجيريا بوصفه اضطهاداً ممنهجاً ضد المسيحيين، مشيرة إلى أن الجماعات المسلحة تستهدف المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وأن توصيف الصراع على أسس دينية تبسيط مخلّ بواقع أمني شديد التعقيد. هذا الموقف الرسمي تكرس عبر بيانات متتالية شددت على الجهود المبذولة لحماية الحرية الدينية، وعلى رفض أي تدخل أحادي الجانب.

وعلى المستوى الشعبي، بدت ردود الفعل أكثر تبايناً. قطاعات واسعة من الرأي العام، المنهكة من عقود من العنف وانفلات الأمن، نظرت إلى الضربات الأميركية بوصفها دعماً طال انتظاره. وشخصيات دينية مسيحية بارزة، من بينها جون جوزيف هياف، الأمين العام السابق للجمعية المسيحية في نيجيريا بفرع ولاية كادونا، رأى في أي مساعدة خارجية فرصة لوقف دوامة القتل.

 

 

الأسقف المساعد، جون بوغنا باكيني، وصف الضربات بأنها متأخرة، وأشاد بانفتاح حكومة تينوبو على الدعم الدولي. إعلامياً، عبّرت صحيفة "ذيس داي" عن هذا المزاج، معتبرة الضربات عملاً جريئاً يحمل دلالات إيجابية.

في المقابل، برز تيار حذِر، ضم شخصيات سياسية ودينية. الحاكم السابق لولاية سوكوتو، أمينو تامبوال، دعا إلى التنبه لأي أجندات خفية وراء شعار "مكافحة الإرهاب". أما رجل الدين الإسلامي المثير للجدل الشيخ أحمد غومي، فقد ذهب أبعد من ذلك، محذراً من تداعيات الاستقطاب والمسّ بالسيادة الوطنية، ومفضلاً الاستعانة بدول يصفها بالمحايدة مثل الصين وتركيا وباكستان. اللافت أن سلطان سوكوتو، محمدو سعد أبو بكر الثالث، التزم الصمت، وهو صمت قرأه مراقبون بوصفه تعبيراً عن حساسية اللحظة.

هكذا، تكشف ردود الفعل النيجيرية عن توازن دقيق بين الحاجة إلى الدعم الأمني الخارجي، والرغبة في التحكم بسردية الصراع، وتجنّب الانزلاق إلى تأطير ديني أو وصاية دولية، في بلد بهذا الحجم من الكثافة السكانية، ويعيش على تماس دائم بين الهشاشة الأمنية وتعقيدات التعدد الديني والإثني.

تداعيات متداخلة

يترتب على تصريحات ترمب وتحركاته الأخيرة تجاه نيجيريا جملة من التداعيات المتداخلة، تمتد من الداخل النيجيري إلى صورة الولايات المتحدة ونفوذها في القارة الأفريقية، وتكشف كيف يمكن للخطاب السياسي حين يُصاغ بانتقائية أن يتحول من أداة ضغط إلى عامل اضطراب واسع الأثر.

أول هذه التداعيات يطاول النسيج الاجتماعي النيجيري ذاته، فتصوير البلاد باعتبارها مسرحاً لتهديد وجودي يطاول المسيحيين يسهم في إعادة تأطير العنف المسلح ضمن سردية طائفية ضيقة، في مجتمع يقوم توازنه الهش على التعايش بين مسلمين ومسيحيين، وعلى شبكة معقدة من الانتماءات الإثنية. هذا الخطاب يضعف جهود الوحدة الوطنية، ويغذي روايات متقابلة عن الضحية والاضطهاد، بما يفتح المجال أمام استقطاب داخلي أعمق، ويخلق بيئة مواتية لعنف محلي يُبرر بالخوف والشك وانعدام الثقة.

التداعي الثاني يرتبط بصورة الولايات المتحدة ومكانتها الأخلاقية. تكرار ادعاءات غير موثقة من رئيس أميركي يقوض مصداقية واشنطن، ويستنزف رصيدها الدبلوماسي لدى المجتمعات الأفريقية، بخاصة بين المسلمين الأفارقة الذين ينظرون إلى هذه التصريحات باعتبارها منحازة أو سطحية في فهم واقعهم. ومع تآكل هذه المصداقية، تتراجع قدرة الولايات المتحدة على تقديم نفسها وسيطاً نزيهاً أو شريكاً عادلاً في قضايا حقوق الإنسان والنزاعات، وتُفسر مواقفها بوصفها انتقائية ومحكومة بحسابات سياسية داخلية.

ثالثًا، تؤدي لغة التهديد والتلويح بالتدخل العسكري، إلى جانب تصنيف نيجيريا "دولة مثيرة للقلق"، إلى توتير العلاقات الثنائية. الحكومة النيجيرية ترى في هذا الخطاب مساساً مباشراً بالسيادة، وتدخلاً في توصيف واقع أمني شديد التعقيد. هذا المسار قد يفتح الباب أمام خلاف دبلوماسي أعمق، ويعزز نزعة أبوجا، ومعها عواصم أفريقية أخرى، إلى تنويع شراكاتها الدولية والابتعاد عن واشنطن، رداً على ما يُلمس كتحريف أو ضغط سياسي.

على مستوى أوسع، تعيد هذه التصريحات إلى الأذهان روايات سابقة عن "إبادات" ذات طابع انتقائي في القارة، وهي روايات تثير حساسية تاريخية مرتبطة بالإرث الاستعماري، وتغذي مخاوف من عودة مقاربات وصائية جديدة. في هذا السياق، يبرز احتمال توسع نفوذ قوى دولية بديلة تقدم نفسها باعتبارها أكثر احتراماً للسيادة الأفريقية وأقل إصداراً للأحكام.

ومع ذلك، هناك أصوات ترى أن هذا المسار يحمل وجهاً آخر. فالتفاعل مع الضغوط الأميركية يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز الأمن القومي النيجيري عبر تعاون عسكري منضبط، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تشهد تراجعاً ديمقراطياً وتنامي الانقلابات في الساحل. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكسب فعلي يتطلب إدارة دبلوماسية دقيقة، تعترف بتعقيد العنف، وتوازن بين رفض الخطاب المضلل، واستثمار الدعم الدولي في معركة طويلة ضد التطرف المسلح، من دون الانزلاق إلى استقطاب داخلي أو تبعية خارجية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل