ملخص
سلط النشر الجديد الضوء على انتظام إبستين، الذي توفي عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة، في مجال العلوم لأعوام طويلة، "إذ كان من بين مشاركاته الشهيرة سابقاً تبرعه بمبلغ 6.5 مليون دولار لبرنامج الديناميات التطورية بجامعة (هارفرد)، ودعوته عام 2014 لحضور اجتماعات تحرير مجلة (ساينتفك أميركان)".
الكشف عن ارتباط علماء بمجرم مدان بتسهيل الدعارة جاء متأخراً كثيراً، لكنه يظل صادماً للغاية، إذ أظهرت وثائق علمية كشف النقاب عنها أخيراً، أن جيفري إبستين انتحل شخصية عالم مجنون ومهووس بالبحوث الجنسية، وأن الرجل الثري تلاعب بالعلم وبعض العلماء المتخصصين في مجالات حديثة ذات علاقة مباشرة بعلوم الرياضيات الحيوية.
وهذا النوع من العلوم يهدف إلى كشف عن أسرار الكائنات الحية، ومنها الإنسان، من خلال تطبيق معادلات رياضية، وبذلك أظهرت هذه الوثائق الجديدة أن شخصية إبستين الحقيقية كانت أقرب إلى شخصية العالم المجنون الذي يوظف المال لتوجيه العلوم من أجل خدمة مصالحه وشهواته ونزواته.
أما الوسيلة إلى تحقيق ذلك كله فكانت من خلال التقرب من بعض العلماء المشبوهين وبناء "معاهد" خاصة لهم لتمويل برامج بحثية ذات طابع غامض، ولعل أشهرها برنامج ديناميكيات التطور (PED) الذي كان يمارس أعماله تحت غطاء معهد علمي، وكان مقره في جامعة "هارفرد" التي تعد من أرقى الصروح العلمية العالمية.
علاقات بعلماء بارزين
في مقالة نشرت على موقع علمي أميركي بعنوان "رسائل جيفري إبستين الإلكترونية تكشف عن عمق علاقاته بعلماء بارزين" بقلم دان فيرغانو، أكدت أن لجنة في الكونغرس نشرت قبل أيام قليلة مجموعة كبيرة من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالمجرم الجنسي المدان جيفري إبستين، إذ كشفت نحو 20 ألف صفحة من رسائل البريد الإلكتروني والوثائق الأخرى التي نشرت حديثاً، والتي تعود لإبستين، عن جوانب جديدة من علاقته الوثيقة بعلماء وباحثين بارزين.
ويشير فيرغانو أيضاً إلى أن "صلات إبستين بالرئيس دونالد ترمب أثارت اهتماماً واسعاً بعد نشر هذه الوثائق من قبل لجنة في الكونغرس"، وجاء ذلك تزامناً مع حراك قوي في الكونغرس لإجبار وزارة العدل على الكشف عن ملفات جديدة تتعلق بإبستين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سلط النشر الجديد الضوء على انتظام إبستين، الذي توفي عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة، في مجال العلوم لأعوام طويلة، "إذ كان من بين مشاركاته الشهيرة سابقاً تبرعه بمبلغ 6.5 مليون دولار لبرنامج الديناميات التطورية بجامعة (هارفرد)، ودعوته عام 2014 لحضور اجتماعات تحرير مجلة (ساينتفك أميركان)".
وتحوي رسائل البريد الإلكتروني التي نشرت حديثاً، وفق فيرغانو، على كثير من المراسلات بين إبستين وعلماء وأكاديميين بارزين، من بينهم عالم الفلك لورانس كراوس، والاقتصادي ووزير الخزانة السابق لورانس سامرز، واللغوي نعوم تشومسكي، الذي تواصل مع إبستين حتى بعد إدانته عام 2008 بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي، إضافة إلى كراوس، وهو عضو سابق في المجلس الاستشاري لمجلة "ساينتفك أميركان" وأقيل من منصبه عام 2018 إثر مزاعم بسوء السلوك الجنسي.
تظهر السجلات أن كراوس، وهو مؤلف كتاب "فيزياء ستار تريك" الأكثر مبيعاً عام 1995، تبادل أكثر من 60 رسالة بريد إلكتروني مع إبستين، الذي كان بدوره داعماً مالياً لمشروع "أوريجينز" التابع لجامعة ولاية أريزونا عندما كان كراوس رئيساً للمركز.
حكاية معهد "نواك"
بشيك من إبستين بقيمة 6.5 مليون دولار، أسس عالم الأحياء الرياضية مارتن نواك برنامج ديناميكيات التطور (PED) في جامعة "هارفرد"، لذلك لم يكن إبستين مجرد متبرع بالمال، بل كان ماهراً في إيهام من حوله بأنه "متأثر بعلم تحسين النسل والأساس الجيني للسلوك البشري"، ومنتظم بعمق في هذه العلوم لدرجة أن المكتب رقم 610 في مبنى برنامج ديناميكيات التطور في "هارفرد" كان يعرف فترة طويلة باسم "مكتب جيفري".
وبرنامج ديناميكيات التطور (PED) هو مركز يحاكي التطور البشري باستخدام الرياضيات، ويبحث في مجالات يميل إليها إبستين كثيراً، لعل من أهمها موضوع "الأساس الجيني للسلوك البشري" الذي تؤكد مصادر علمية موثوقة أنه كان من المواضيع التي تثير اهتمام المجرم المدان بجرائم جنسية والمختل عقلياً.
انتقل عالم الرياضيات الحيوية نواك إلى جامعة "هارفرد" عام 2003، وكان إبستين يزور المركز مرات عدة سنوياً، ويحدد مواعيد اجتماعات مع نواك وأكاديميين آخرين في المنطقة، وفي عام 2021، وبعد تدقيق جدي، أغلقت جامعة "هارفرد" برنامج التمويل الشخصي (PED) وفرضت عقوبات على نواك، لكن العقوبات رفعت عن العالم المشبوه عام 2023.
والسؤال الذي يتبادر للذهن هو: لماذا كشفت كل هذه التفاصيل بعد انتحار إبستين وليس أثناء حياته؟ فالرجل اعترف في تسجيلات قضائية موثوقة بأنه كان يسهل الدعارة الجنسية، لكن المشكلة كانت أنه بادر إلى إنهاء حياته - أو قتل - بشكل مبكر جداً، بمعنى أنه أخذ معه معظم أسرار حياته التي من الواضح أنها كانت حياة مليئة بالمفاجآت، على رغم ذلك تظل علاقة الرجل بالعلم الحديث واحدة من أخطر أسرار إبستين التي دفن كثير منها الآن معه.
دفع إبستين المال لتوجيه كثير من البحوث والعلوم في اتجاهات شخصية وجنسية ناسبت مجال عمله، وكان الرجل صرح لمجلة علمية عام 2017 بأنه يفضل العلماء "المخالفين" للرأي السائد، وانتقد مؤسسات علمية قوية لم تتعاون معه مثل مؤسسة "ماك آرثر"، باعتبارها "مفرطة في مراعاة التوجهات السياسية"، وفي هذا السياق كتبت مؤرخة العلوم نعومي أوريسكس عام 2020 في مجلة "ساينتفك أميركان" أن "اهتمامات إبستين تتوافق مع الأساس الجيني للسلوك البشري، وهو رأي متأثر بعلم تحسين النسل" ويشهد اليوم عودة للظهور بين بعض الأصوات في ما يسمى "وادي السيليكون".
الدعارة بأسلوب علمي
لكي نفهم خطورة ما كان يجري، أو حساسية ما فعله إبستين تحت ذريعة البحث العلمي، يجب أن نتطرق باختصار إلى تعريف كل من علم الأحياء الرياضية و"وادي السيليكون"، فعلم الأحياء الرياضية وفقاً لتعريف بعض الموسوعات العلمية هو "واحد من أكثر الحقول العلمية إثارة اليوم، لأنه يحاول أن يفعل شيئاً جريئاً هو تحويل الحياة نفسها إلى بنية يمكن فهمها عبر النماذج والمعادلات والأنظمة الديناميكية"، والهدف من هذا العلم هو "التنبؤ والكشف عن البنية الخفية التي لا تراها العين المجردة"، وبكلمات أبسط بكثير فإن هذا العلم شكل مدخلاً إلى عوالم المرض والأوبئة الجنسية التي اهتم بها إبستين كثيراً، مما يعني أن الرجل كان يحاول ممارسة الدعارة ولكن بأسلوب علمي.
كان إبستين يتلاعب بكثير من العلوم والعلماء المرموقين بواسطة المال، والنموذج الجنسي الربحي الذي كان الرجل يحاول تأسيسه في العالم هو نموذج علمي شرير، يقودنا مباشرة نحو العلماء المجانين تحديداً، وضمن هذا السياق كتبت مؤرخة العلوم نعومي أوريسكس عام 2020 في مجلة "ساينتفك أميركان"، "تسلط قضية إبستين الضوء على مشكلة أكبر بكثير، فهي تقوض نزاهة البحث العلمي، وذلك عندما يتمكن الأفراد من انتقاء مسارات البحث التي تناسبهم لمجرد قدرتهم على تمويلها".
في السادس من فبراير (شباط) 2026، كتب الصحافي دان غاريستو على موقع "نيتشر" الإلكتروني مقالة بعنوان "ملفات إبستين تكشف عن علاقات أعمق مع العلماء مما كان معروفاً سابقاً"، إذ تظهر أحدث مجموعة من الوثائق استشارة الباحثين للممول والمجرم الجنسي في شأن المنشورات والتأشيرات وغيرها، وأظهرت الملفات أيضاً أن إبستين كان يحتفظ بقائمة تضم نحو ٣٠ عالماً بارزاً، من بينهم كراوس، كذلك كشفت الوثائق عن صلات لم تكن معروفة سابقاً ببعضهم.
بين هؤلاء العلماء، وفقاً لموقع المجلة العلمية "نيتشر"، ورد اسم ليزا راندال، وهي عالمة الفيزياء النظرية بجامعة "هارفرد" في كامبريدج، التي مازحت إبستين في رسالة بريد إلكتروني في شأن إقامته الجبرية بعد سجنه عام 2008 بتهمة استدراج قاصر لممارسة الجنس، وبعدما وضع رهن الإقامة الجبرية بين عامي 2009 و2010، كذلك زارت راندال جزيرته الخاصة في الكاريبي عام 2014، ولم تستجب راندال لطلب مواقع علمية للتعليق على هذا الخبر، لكن العالمة صرحت لصحيفة بقولها "أشعر بالصدمة إزاء حجم الادعاءات الموجهة ضده، وأندم بشدة على استمرار التواصل معه".
من بين أحدث دفعة من الوثائق كانت هناك أيضاً مراسلات تواصل فيها بعض العلماء مع إبستين لعرض فرص تمويل، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عام 2013 اقترح ناثان وولف، وهو عالم الفيروسات آنذاك في جامعة "ستانفورد" بكاليفورنيا، أن يمول إبستين دراسة حول السلوك الجنسي لطلاب المرحلة الجامعية لاختبار "فرضية الفيروس المثير للشهوة الجنسية"، التي تفترض أن بعض الكائنات الدقيقة في المهبل والقضيب قد تحفز زيادة النشاط الجنسي.