ملخص
تستعرض الباحثة والمترجمة اليابانية كاورو ياماموتو في هذا الحوار معها رحلتها مع الأدب العربي من دراسة الشعر الجاهلي إلى الرواية الحديثة، واهتمامها بالأدب الفلسطيني واللبناني. وتتحدث عن تجاربها في الترجمة والتحكيم في الجوائز العربية والتفاعل الثقافي بين اليابان والعالم العربي.
تعد كاورو ياماموتو، واحدة من أهم الأصوات الأكاديمية التي أولت الأدب العربي اهتماماً عميقاً، بحثاً وترجمة، وحصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية في الأدب العربي، وتعمل أستاذة مساعدة في كلية دراسات السياسات في جامعة كيو. وكرست جانباً كبيراً من مشروعها البحثي لدراسة الأدب العربي في سياقاته الثقافية والاجتماعية، هادفة إلى تغيير الصور النمطية وبناء جسور معرفية بين الشرقين العربي والياباني عبر ترجمات متنوعة، أحدثها "تفصيل ثانوي" للفلسطينية عدنية شبلي و"تغريبة القافر" للعماني زهران القاسمي.
تقول ياماموتو لـ"اندبندنت عربية" إنها بدأت دراسة اللغة العربية بإشراف نوبواكي نوتوهارا، المعروف بكتابه "العرب: وجهة نظر يابانية"، وتضيف أنها سافرت لاحقاً إلى سوريا، وتعرفت إلى الأدب العربي بعمق أكبر، وأنجزت دراسة حول رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح.
درست ياماموتو في مرحلة الماجستير بنية القصيدة العربية الكلاسيكية في العصر الجاهلي، من خلال معلقة امرئ القيس وقصيدة أخرى من "المفضليات"، وفي أطروحة الدكتوراه تناولت شعر الصعاليك مقارنة بشعر القبائل. وتوضح أن دافعها في البداية كان الانطلاق من دراسة الأدب العربي القديم للإحاطة بالأدب العربي من جذوره الأولى، غير أن تجربتها في هذا المجال توقفت عند شعر الصعاليك. ووجدت نفسها تعود للأدب العربي الحديث، خصوصاً مع ازدياد الطلب عليها للعمل في ترجمته.
المزاج الكلاسيكي
وترى ياماموتو أن الجمهور القارئ للأدب العربي في اليابان محدود للغاية، موضحة أن غالبية اليابانيين لا يدركون أصلاً أن للعرب أدباً حديثاً، وتضيف أن الحضور الأكبر للأدب العربي في الوعي الياباني يظل محصوراً في الأعمال الكلاسيكية مثل "ألف ليلة وليلة"، مقارنة بالأدب العربي الحديث الذي لا يزال محدود التداول.
وتشير إلى أن بدايات ترجمة الأدب العربي إلى اللغة اليابانية تعود إلى اخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أي في أعقاب هزيمة اليابان خلال الحرب العالمية الثانية. ففي تلك المرحلة، أعاد عدد من المثقفين اليابانيين النظر في التجربة الاستعمارية لبلادهم، ووجهوا نقداً حاداً لسلوك اليابان الإمبريالي، مما دفعهم للسعي إلى فتح قنوات تواصل ثقافي ومعرفي مع "دول العالم الثالث" في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وآسيا.
وتضيف أن هذا التوجه تزامن مع حضور الاتحاد السوفياتي السابق بوصفه داعماً للحركات اليسارية حول العالم، مما أتاح دعماً غير مباشر للمثقفين اليابانيين المنتمين إلى اليسار الذين كان الأدب في آسيا وأميركا اللاتينية والعالم العربي في صميم اهتماماتهم. وضمن هذا السياق نشطت حركة الترجمة والتبادل الثقافي، غير أن هذا الزخم لم يدُم طويلاً، وبدأ هذا الفكر التضامني بالتراجع تدريجاً، بخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وما ترتب عليه من تراجع الحركات اليسارية وتبدل أولويات الاهتمام الثقافي في اليابان.
القضية الفلسطينية
تؤكد ياماموتو أن القضية الفلسطينية تحظى باهتمام فئة معتبرة من القراء في اليابان، ولا سيما في الأوساط الثقافية واليسارية، وتشير إلى أن أعمال غسان كنفاني تُعد من أكثر النصوص العربية حضوراً وتأثيراً في هذا السياق، وعلى رأسها "عائد إلى حيفا" و"رجال في الشمس"، موضحة أن هناك مختارات مترجمة من أعمال كنفاني صدرت باللغة اليابانية منذ عام 1979، وحققت نجاحاً لافتاً في سوق النشر، ولا تزال تعاد طباعتها وتباع بكثرة حتى اليوم، وتضيف أن هذا الإقبال ازداد بصورة ملحوظة بعد هجوم الـ 7 من أكتوبر، حيث عادت القضية الفلسطينية لواجهة الاهتمام لدى قطاعات من الرأي العام الياباني.
وتلفت ياماموتو إلى تجربتها في ترجمة رواية "تفصيل ثانوي" لعدنية شبلي، مؤكدة أن الترجمة حققت نجاحاً كبيراً، وتكشف عن أن الأدب المترجم عادة ما يكون رواجه محدوداً في اليابان، ويُعد بيع نحو ألفي نسخة من أي عمل مترجم نجاحاً لافتاً، غير أن الطبعة الأولى من ترجمتها للرواية تجاوزت هذا الرقم بأضعاف، فضلاً عن أن النسخة الإلكترونية من الترجمة نفسها لاقت إقبالاً واسعاً.
وتؤكد أنها تحب أن يقرأ اليابانيون الأدب العربي بعيداً من الصور العجائبية والغرائبية النمطية، قائلة "أريد من القراء أن يكتشفوا أن البشر، أينما كانوا، يتشاركون الأفكار والتاريخ والمعاناة، وأن نتأمل هذه التجارب بعمق أكبر، لنترابط على نحو أقوى، ونسهم في خلق عالم أكثر تسامحاً وتفاهماً وإنسانية". وترى أن رواية عدنية شبلي استطاعت أن تنقل هذه الرسالة الإنسانية المشتركة بصدق وقوة، وتفسر سر نجاح هذه الرواية لدى القراء اليابانيين بأن إقبالهم عليها يعود في المقام الأول للأحداث الأخيرة المرتبطة بـعملية "طوفان الأقصى" وما أثارته من اهتمام واسع بما يجري في فلسطين. ومع ذلك، ترى أن هذا المنظور قد لا يرضي الكاتب الذي لا يرغب في أن يقرأ عمله قراءة سياسية مباشرة، حتى إن بدت مشروعة في سياقها. فمن خلال الرواية، لا ترى أنها تتضمن خطاباً سياسياً بقدر ما نحس بعمق المعاناة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال.
انتماء سياسي
توضح ياماموتو أن اهتمامها بالأدب الفلسطيني ينطوي إلى حد ما على توجه سياسي، فقد تعرفت إلى القضية الفلسطينية من خلال الأدب، وكان لأستاذها نوتوهارا دور أساس في ذلك، بعد أن ترجم عدداً من روايات كتاب فلسطينيين، وقدم لها قائمة من الأعمال التي تنبغي عليها قراءتها، ومن بين هذه الأعمال جذبتها رواية "المتشائل" لإميل حبيبي التي تراها واحدة من أهم الروايات العربية، على رغم صعوبتها، وقرأتها برفقة أستاذ سوري قبل أن تقرر لاحقاً الشروع في ترجمتها. وتذكر ياماموتو أنها في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وخلال دراستها للماجستير، سافرت إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وهناك رأت الواقع بعينيها، وتعرفت إلى كثير من الفلسطينيين، من عامة الناس والمثقفين على حد سواء.
وتضيف أنها انضمت لاحقاً إلى حركة تضامنية مع فلسطين في اليابان، وشاركت في تنظيم مهرجان ثقافي عن فلسطين، سعياً إلى التعريف بقضيتها وثقافتها في المجتمع الياباني.
وعن آخر أعمالها المترجمة من العربية إلى اليابانية، تذكر ياماموتو رواية "تغريبة القافر" للروائي العماني زهران القاسمي، وهي رواية تنطلق من ثقافة محلية خاصة بالمنطقة الجبلية الشمالية في عمان.
وتوضح أن هذه الترجمة جاءت في سياق مشاركة عمان بجناح خاص في "إكسبو أوساكا 2025"، حيث تواصل معها أحد منظمي الجناح وطلب منها التعاون مع الجهة العمانية المعنية بالترجمة. وترى أن هذه الرواية تمثل نمطاً جديداً على القارئ الياباني، فمعظم الروايات العربية المترجمة خلال العقدين الأخيرين انشغل بمواضيع الحروب في الشرق الأوسط. وتلفت إلى أن "تغريبة القافر" رواية بعيدة من القضايا السياسية المباشرة، تحتفي بالطبيعة بوصفها مصدراً للحياة، وفي الوقت نفسه قوة قاسية قد تسلبها، وهي في هذا المعنى تذكر بعالم الصحراء الذي تناوله إبراهيم الكوني في أعماله، وإن اختلفت البيئة.
وترى ياماموتو أن هذا العالم قريب على نحو ما من البيئة اليابانية، حيث الجبال والينابيع والتعايش اليومي مع طبيعة جميلة وقاسية في آن، مما قد يخلق لدى القارئ الياباني شعوراً بالألفة.
جدل "البوكر" العربية
وعن تجربتها في تحكيم "الجائزة العالمية للرواية العربية" في دورة عام 2015، تكشف ياماموتو عن أنها لاحظت أن بعض الكتاب يميلون إلى التشكيك في نزاهة الجوائز الأدبية، ولا تعرف على وجه الدقة سبب هذا الشعور، لكنه يرتبط في رأيها بإحساس بوجود تحيز ضدهم. وتستند في هذا الرأي إلى تجربتها الشخصية في لجنة تحكيم الجائزة خلال عامي 2014 و2015، إذ قرأت، إلى جانب أعضاء اللجنة الآخرين، ما يقارب 160 رواية. وكانت اللجنة برئاسة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، وقد قرأ كل عضو هذا العدد الكبير من الروايات قراءة فردية ومستقلة.
وتتابع أن اللجنة اختارت خلال المرحلة الأولى قائمة طويلة من نحو 40 رواية، ثم أُعيدت قراءة الأعمال بعناية لاختيار القائمة القصيرة التي ضمت ست روايات فقط. وتؤكد أن النقاش حول الرواية الفائزة كان صعباً وطويلاً، قبل أن تستقر اللجنة في النهاية على فوز رواية "الطلياني" للتونسي شكري المبخوت. وتشدد ياماموتو على أنه لم يكُن هناك أي تدخل من أمناء الجائزة في قرارات اللجنة، وأن الكلمة الفصل كانت دائماً لأعضائها، مضيفة أنها دخلت هذه التجربة وهي تحمل قدراً من الشك، غير أن ما شهدته من آليات عمل ونقاشات داخل اللجنة بدد تلك التشكيكات، وجعلها ترى في التجربة مثالاً عالياً على النزاهة والشفافية.
الرواية اللبنانية
حظي الأدب اللبناني بمكانة خاصة في منجز ياماموتو، وفي هذا السياق تكشف عن أن علاقتها بلبنان بدأت بعد عام 2010، حين شرعت في السفر إليه ضمن مشروع بحثي جماعي تناول مسألة التعايش في المجتمع اللبناني. وتوضح أنها تعرفت من خلال هذا المشروع إلى مجتمع شديد التعقيد، تتداخل فيه الانتماءات العرقية والطائفية، مما دفعها إلى توجيه اهتمامها نحو الروايات اللبنانية التي كتبت أثناء الحرب الأهلية.
وتشير إلى أن إلياس خوري ورشيد الضعيف يعدان من أبرز الكتاب اللبنانيين الذين تناولوا تجربة الحرب، انطلاقاً من معايشة مباشرة، فرشيد الضعيف كان مقاتلاً في بداية شبابه، فيما كان إلياس خوري ذا توجه يساري، منتظماً في الجناح العسكري لحركة "فتح"، يقاتل ويكتب. وتتابع ياماموتو أنها أُعجبت على نحو خاص بروايات رشيد الضعيف لما تنطوي عليه من سخرية وروح تهكمية، وقد ترجمت جزءاً من إحدى رواياته. ونشرت كذلك بحثين في هذا السياق، تناول الأول الروايات التي كتبت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، فيما خصص الثاني للأعمال التي كتبت بعدها، ودرست فيه روايات ربيع جابر، مجرية مقارنة بين المرحلتين السرديتين.
نظرة مغلوطة
وحول نظرة كل من العرب واليابانيين لبعضهم بعضاً ترى ياماموتو أن العرب لا يعرفون كثيراً عن اليابان، كما أن اليابانيين بدورهم لا يعرفون كثيراً عن العالم العربي، وإن كانت نظرة العرب تجاه الشعب الياباني إيجابية، باستثناء عندما تكون غير دقيقة مثل التركيز المفرط على النظافة والانضباط والعمل.
وتوضح، بصفتها أستاذة جامعية، أنها تشرح لطلابها أن الانطباع العربي عن اليابان إيجابي، في مقابل وجود صور نمطية سلبية منتشرة في اليابان عن العرب، حيث ينظر إليهم على أنهم مخيفون ويظهر الإسلام في صورة دين قاسٍ وعنيف ويرتبط بالإرهاب. كذلك يسود اعتقاد نمطي بأن العرب جادون إلى حد مفرط، لا يعرفون الضحك، وأن المرأة العربية لا تغادر المنزل. وتضيف ياماموتو أنها حين تخبر طلابها بأن العرب يكنون مشاعر إعجاب واحترام كبيرين لليابانيين، يفاجأ كثرٌ منهم، وغالباً ما يتغير موقفهم تجاه العرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتابع أن اسم مصر يحظى بمكانة كبيرة في اليابان، وتختلف صورتها عن صورة باقي الدول العربية. فالجميع يعرف الحضارة المصرية القديمة، النيل والأهرامات، لكنهم غالباً لا يدركون أن مصر جزء من العالم العربي والإسلامي.
وتكشف عن أنه لدى اليابانيين صورة مشوشة عن العلاقات بين الدول العربية، فهم يتساءلون على سبيل المثال لماذا تدعم مصر القضية الفلسطينية، ويعتقدون بأن تركيا دولة عربية وإيران والعراق دولة واحدة.
ترجمات حرفية
وحول رأيها عن الترجمات العربية عن اليابانية، توضح ياماموتو أن ترجمة الأدب الياباني إلى العربية بصورة مباشرة تُعد ظاهرة حديثة نسبياً، فيما الترجمات القديمة كانت تعتمد غالباً على لغات وسيطة. وتشير إلى أن الأجيال التي تخرجت في أقسام اللغة اليابانية في مصر تواجه صعوبة في التعبير بالعربية، لغتهم ضعيفة وجافة، لا تنقل جماليات اللغة اليابانية، وغالباً ما تكون ترجماتهم حرفية لأنهم درسوا اللغة نفسها من دون دراسة الأدب الذي يتميز بلغة خاصة به.
وتؤكد ياماموتو أن بعض الترجمات عن لغات وسيطة كانت أفضل في نقل الروح الأدبية للنص الياباني مثل ترجمة سهيل إدريس لياسوناري كواباتا (1899–1972) عن الفرنسية، وتُعد نموذجاً ناجحاً في هذا الصدد.
وتختم ياماموتو حديثها بالإشارة إلى أن أكثر ما أعجبها في مصر هو العلاقة الحميمية وروح المساعدة والتعاون، وتقول "حين طلبت على سبيل المثال لقاء الشاعر عبدالرحمن الأبنودي (1938- 2015)، وجدت تسهيلات كبيرة ومساعدة من أصدقائي، بينما في اليابان، إذا طلبت رؤية هاروكي موراكامي، فسيكون ذلك مستحيلاً. أتمنى أن أنقل هذه الروح إلى اليابان التي تفرض مسافات وحدوداً صارمة في العلاقات الإنسانية.