ملخص
تكشف برقيات بريطانية تعود لعامي 1992–1993 عن أن صدام استخدم اعتقال البريطانيين بول رايد ومايكل واينرايت، إضافة إلى سويديين وأميركي، في مفاوضات غير مباشرة للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية. وعلى رغم كثافة التحركات الدبلوماسية والاهتمام البرلماني والشعبي في بريطانيا، فقد احتجز الرجلان في سجن أبو غريب قبل أن يفرج عنهما لاحقاً، ليغدوا رمزاً للكلفة الإنسانية للعقوبات الدولية وحالة العزلة السياسية التي سادت العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.
في أعقاب حرب الخليج الثانية، وجد نظام الرئيس العراقي صدام حسين نفسه محاصراً بعقوبات دولية خانقة وعزلة سياسية غير مسبوقة. ومع تضاؤل خياراته الاقتصادية والدبلوماسية بعد تجميد الأصول العراقية لجأ النظام العراقي إلى ما يعرف بـ"دبلوماسية الرهائن"، التي قامت على استخدام المواطنين الأجانب المحتجزين لدى العراق كأدوات ضغط ومساومة مع الحكومات الغربية.
تكشف سلسلة جديدة من برقيات دبلوماسية بريطانية رسمية تعود لعامي 1992 و1993، عن أن بغداد لم تتعامل مع اعتقال مواطنين بريطانيين وسويديين باعتباره قضية قانونية عادية، بل ورقة تفاوض سياسية في معركة العراق مع الغرب حول العقوبات والأموال المجمدة والشرعية الدولية.
ففي عام 1992، اعتقلت السلطات العراقية مواطنين بريطانيين هما بول رايد ومايكل واينرايت، بزعم أنهما دخلا الأراضي العراقية من دون إذن رسمي. وعلى رغم أن التهمة كانت محدودة، أصدر القضاء العراقي في حقهما أحكاماً قاسية، وهو ما اعتبرته لندن غير متناسب ومؤشراً على توظيف القضية سياسياً. ففي أبريل (نيسان)، أُلقي القبض على مايكل واينرايت، البالغ من العمر 42 سنة، في مدينة الموصل شمال العراق، بينما كان يقوم برحلة برية طويلة على دراجة هوائية، وذكر أنه حصل على تأشيرة دخول إلى العراق من تركيا. غير أن السلطات العراقية اعتبرت هذه التأشيرة غير صالحة، ووجهت إليه تهمة الدخول غير القانوني إلى البلاد.
وبعد ذلك بأشهر عدة، وفي ظروف مختلفة ألقي القبض على بول رايد، البالغ من العمر 33 سنة، وهو مشرف طهاة يعمل لدى شركة تموين في الكويت. وأفاد رايد أنه كان يتبع الإشارات المؤدية إلى معسكر بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الحدود(UNIKOM) داخل الأراضي الكويتية، قبل أن يجري توقيفه عند نقطة تفتيش عراقية واتهامه بالدخول غير المشروع إلى العراق. وفي الـ18 من أغسطس (آب) 1992، صدر في حق رايد حكم بالسجن لمدة سبع سنوات، وفي حق واينرايت حكم بالسجن لمدة 10 سنوات. أعقب ذلك تقديم طعون قانونية نيابة عنهما، إلا أن هذه الطعون رفضت، كما فشلت محاولات لاحقة أمام اللجنة القانونية العليا في وزارة العدل العراقية من العام نفسه.
وفي محاولة أخيرة، قدمت في الـ16 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1992 التماسات عفو إلى الرئيس العراقي صدام حسين، وذلك بوساطة روسية، غير أن القرار النهائي ظل معلقاً من دون حسم في ذلك الوقت.
مساعدات بقيمة 600 ألف استرليني في مقابل الإفراج
في الأثناء كانت المملكة المتحدة على اتصال وثيق مع السويد في شأن ثلاثة من مواطني السويد المحتجزين في بغداد، وتورد إحدى البرقيات أنه في الـ29 من أبريل عام 1993، أصدرت إدارة الشؤون القنصلية البريطانية مذكرة داخلية تناولت تطورات قضية المعتقلين السويديين في العراق، وذلك في سياق الجهود الدبلوماسية والإنسانية الرامية إلى الإفراج عنهم، إذ أجرى السكرتير الخاص لوكيل وزارة الخارجية السويدية بيتر تييلر اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية البريطاني قدم خلاله تقريراً مفصلاً عن زيارته الأخيرة إلى بغداد، التي رافقه فيها ممثلون عن الصليب الأحمر السويدي.
وأوضح تييلر أن الصليب الأحمر السويدي توصل إلى اتفاق مع الهلال الأحمر العراقي في شأن حزمة مساعدات إنسانية بقيمة 600 ألف جنيه استرليني، جرى ربطها بصورة مباشرة بالإفراج عن المعتقلين السويديين. وقد اشترط الجانب السويدي إطلاق سراح المعتقلين قبل تسليم المساعدات، كما حددت مهلة زمنية لا تتجاوز شهراً واحداً، اعتباراً من نحو الـ20 من أبريل. وأكد الدبلوماسي السويدي أن هذه الشروط كانت نهائية وغير قابلة للتفاوض، ووفقاً لما ورد في المراسلات البريطانية فقد قبل الهلال الأحمر العراقي بهذه الشروط، غير أن تنفيذ الاتفاق ظل مرهوناً بالموافقة السياسية من القيادة العراقية.
الإفراج في مقابل رفع العقوبات
وتكشف المراسلات عن أن مسؤولين عراقيين لمحوا إلى إمكان الإفراج عن المواطنين البريطانيين في مقابل تنازلات سياسية واقتصادية، من بينها الإفراج عن أصول عراقية مجمدة في بريطانيا وتخفيف العقوبات الدولية. فتظهر إحدى البرقيات بتاريخ مارس (آذار) 1993، مطلب العراق الإفراج عن الأصول العراقية المجمدة في المملكة المتحدة في مقابل الإفراج المبكر عن رايد وواينرايت. وتوضح الرسالة بوضوح أن الحكومة البريطانية لا تملك سلطة تجاوز قرارات الأمم المتحدة في شأن العقوبات أو تحرير الأصول المجمدة، إذ يعود القرار لمجلس الأمن الدولي، وأن هذه العقوبات ستظل سارية حتى تلتزم العراق بالكامل بشروط اتفاق وقف إطلاق النار. وتؤكد الرسالة أيضاً أن الأمم المتحدة قد سمحت للعراق ببيع 1.6 مليار دولار من النفط لتمويل شراء الإمدادات الطبية والغذائية، لكن العراق لم يستفد من هذا الإجراء حتى ذلك الحين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رفضت بريطانيا الدخول في أية "صفقة" مع العراق، مثل فك تجميد الأصول في مقابل تقديم مساعدات إنسانية، أو الإفراج عن سجين عراقي محتجز لديها، معتبرة أن مثل هذه الترتيبات غير قانونية. وأكدت أن حجم مساعداتها الإنسانية للعراق كبير، مشيرة إلى أن السويد، واصلت تقديم المساعدات على رغم احتجاز مواطنيها، من دون أن يظهر العراق أي تجاوب يذكر. كما أكدت لندن أن قضية رايد وواينرايت تختلف عن قضية إيان ريتشر، وهو مواطن بريطاني آخر كان العراق اعتقله عام 1986 وجرى الإفراج عنه عام 1991، بعد فك تجميد أصول عراقية لأغراض إنسانية، وأشارت البرقية أن قرار مجلس الأمن رقم 778 يمنع تكرار أية تسوية مماثلة. وفي ما يتعلق باقتراح مقايضة السجينين بسجين عراقي في بريطانيا، أوضحت لندن أن السجين العراقي محكوم عليه بالسجن المؤبد لإدانته بقتل رئيس وزراء عراقي سابق، وأن أية مقايضة معه غير ممكنة من الناحية القانونية.
وفي هذا الإطار، واصلت بريطانيا اتصالاتها المباشرة مع ممثلي العراق في لندن، وكذلك عبر قنوات الأمم المتحدة، في محاولة للحفاظ على مسار الحوار مفتوحاً. وبالتوازي مع ذلك، عملت على حشد ضغط دولي أوسع، من خلال حكومات أخرى ومن خلال الأمم المتحدة، لإقناع السلطات العراقية بأن استمرار احتجاز رايد وواينرايت لا يحقق لها أي مكاسب سياسية أو دبلوماسية، بل يفاقم عزلتها الدولية.
وعندما أثيرت مسألة الإمدادات الطبية والغذائية للعراق، حرصت الحكومة البريطانية على توضيح موقفها بصورة قاطعة. فقد أكدت أنه لا يوجد أي حظر دولي على إرسال المواد الغذائية أو الإمدادات الطبية إلى الشعب العراقي. وأكدت لندن أن إشراف الأمم المتحدة على المساعدات يعد أمراً جوهرياً، لضمان وصولها إلى المدنيين وعدم استيلاء السلطات العراقية عليها.
وفي سياق ذي صلة، برزت قضية تأشيرات الدخول الممنوحة لمسؤولين عراقيين في مجال الاتصالات، فقد وافقت بريطانيا على منح تأشيرات لثمانية مسؤولين عراقيين لمناقشة عقد مستقبلي مع شركة GPT، إلا أنها أوضحت بجلاء، للعراق وللشركة على حد سواء، أن إبرام أي عقد من هذا النوع لن يكون ممكناً ما دامت عقوبات الأمم المتحدة سارية المفعول. وجاء هذا الموقف ليؤكد التزام لندن الصارم بالإطار الدولي للعقوبات، ورفضها توظيف أي استثناءات اقتصادية أو تجارية خارج هذا الإطار.
خيارات ومسارات متعددة
في أواخر فبراير (شباط) 1993، دخلت قضية احتجاز بول رايد ومايكل واينرايت مرحلة جديدة من التقييم الداخلي داخل وزارة الخارجية البريطانية، اتسمت بمحاولة منهجية لاستعراض الخيارات المتاحة، وتحديد المسارات الواقعية القادرة على تحقيق تقدم، ولو محدود، في ملف الإفراج عنهما. ومن بين هذه الخيارات، طرح العمل عبر الهلال الأحمر العراقي، تحت إشراف الصليب الأحمر البريطاني. وقد تبين أنه لا يوجد اعتراض قانوني على هذا المسار، غير أن الشكوك أثيرت حول جدواه العملية، إذ إن نجاحه يعتمد على مدى استقلالية الهلال الأحمر العراقي، وما إذا كان يعد هيئة إنسانية موثوقة أم مجرد أداة بيد الحكومة العراقية.
وعلى أية حال، رجح أن يكون لهذا الخيار أثر محدود للغاية في مصير المحتجزين، فضلاً عن معارضة وكالة التنمية الخارجية البريطانية الشديدة لأي ربط بين المساعدات البريطانية وقضية المحتجزين، خصوصا في ظل إبلاغ العراقيين للسويديين رفضهم القاطع لأي ربط من هذا النوع. ومع ذلك، لم يستبعد هذا الخيار بالكامل، إذ أقر بأن له قيمة عرضية داخلية وقد يلبي مطلباً عراقياً شكلياً، مما يجعله ورقة تفاوض محتملة، وإن كانت ضعيفة التأثير.
وأخيراً، نوقشت خيارات ذات طابع إعلامي وسياسي، من بينها إصدار بيان إدانة من وزير الخارجية البريطاني أو من الجماعة الأوروبية، خصوصاً في ضوء إقرار طارق عزيز بأن المحتجزين يستخدمون كورقة سياسية، غير أن هذه الخطوات، على رغم فائدتها الداخلية المحتملة، اعتبرت غير مجدية عملياً، بل ربما ضارة، إذ قد تؤدي إلى تشديد الموقف العراقي بدل تحسين وضع المحتجزين. وبالمثل، طرح خيار وقف المساعدات البريطانية إلى وسط العراق رداً على التهديدات العراقية، لكنه رفض بسبب أخطاره الواضحة، إذ قد يدفع السلطات العراقية إلى تشديد ظروف احتجاز الرجلين، بما يتعارض مع الهدف الأساس المتمثل في الإفراج عنهما.
في الـ23 من أبريل (نيسان) عام 1993، صدرت برقية سرية عن السفارة البريطانية في كوالالمبور، حملت الرقم 238، وتناولت قضية المعتقلين البريطانيين في العراق. وقد عكست هذه البرقية جانباً من التحركات الدبلوماسية غير المعلنة في تلك المرحلة الحساسة من العلاقات الدولية. تفيد البرقية بأنه خلال زيارة صباحية قام بها كاتبها لمتابعة مسائل أخرى، أبلغه الأمين العام لوزارة الخارجية الماليزية كامل جعفر، بعزم الأمين العام لوزارة الخارجية العراقية القيام بزيارة رسمية إلى كوالالمبور لأيام عدة، ابتداء من السابع من مايو (أيار). كما أشار جعفر إلى أن المسؤول العراقي سيحمل خلال زيارته رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء الماليزي آنذاك الدكتور مهاتير محمد، من الرئيس العراقي صدام حسين. ورجح أن تكون هذه الرسالة متصلة بقضية رايد وواينرايت. وأكد المسؤول الماليزي، في هذا السياق، أنه سيطرح هذه القضية على الجانب العراقي أثناء الزيارة، متعهداً بإطلاع السفارة البريطانية على ما ستؤول إليه التطورات.
اعتقال أميركي ودروس في التفاوض
في أواخر أبريل من عام 1993، اعتقل المواطن الأميركي كينيث بيتي، البالغ من العمر نحو 46 سنة، الذي كان يعمل لدى شركة سانتا في للنفط، وهي شركة أميركية مسجلة في الولايات المتحدة ومملوكة كويتياً. كان بيتي يعاني من السمنة ومشكلة في القلب، كما أشار إلى ذلك خلال إفادته، وقد أبلغت السلطات البولندية (التي كانت تمثل المصالح الأميركية في بغداد) أنه جرى توقيفه على بعد نحو 30 دقيقة جنوب البصرة، على الطريق الرئيس، في الـ25 من أبريل. وفي الـ30 من أبريل، أبلغ العراقيون السلطات البولندية أن بيتي محتجز لدى السلطات العراقية، لكنهم منعوا زيارتهم له حتى ما بعد الثاني من مايو بسبب احتفالات عيد ميلاد الرئيس صدام حسين في بغداد. وعندما تمكنت السلطات البولندية من زيارته في الثالث من مايو، بدا بيتي في حالة معنوية جيدة على رغم ظروف الاحتجاز.
وفي ما يتعلق بالتهم الموجهة إليه، كان هناك ارتباك واضح حول تفاصيل المحاكمة والحكم. فقد أفيد بأن بيتي وجهت إليه تهمتان، الأولى تتعلق بالدخول غير القانوني، والثانية تتعلق بالتجسس. وبحسب ما قاله بيتي، فقد تمت تبرئته من تهمة التجسس، بينما دين بتهمة الدخول غير القانوني وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات.
وقد أدركت لندن أن القضية الأميركية قد تحمل دروساً قيمة في كيفية التعامل مع بغداد في مثل هذه الملفات، وأن التنسيق بين الدول قد يساعد في تحسين فرص التفاوض والإفراج عن المحتجزين. لذلك، طالبت الحكومة البريطانية بالحصول على معلومات مفصلة من الجانب الأميركي حول خطتهم للتعامل مع قضية المواطن المحتجز، معتبرة أن هناك فائدة متبادلة في تبادل الخبرات، فالأميركيون قد يستفيدون من تجربة البريطانيين والسويديين في التعامل مع السلطات العراقية، بينما يمكن للجانب البريطاني الاستفادة من أسلوب الأميركيين في الضغط والتفاوض. وفي رسالة رسمية، طلبت لندن من واشنطن أن يجري إبقاؤها على اطلاع دائم، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة أم عبر السفارة الأميركية في لندن، حتى تكون على دراية بأي تطور قد يؤثر في ملف مواطنيها المحتجزين.
استياء بريطاني داخلي
رفضت بريطانيا الدخول في أية "صفقة" مع العراق، أثار خيبة أمل في الداخل البريطاني وأثار استياء عائلات المحتجزين وبعض أعضاء البرلمان، الذين كانوا يأملون في تكرار ما حدث في قضية السجين بي ريختر، الذي جرى الإفراج عنه بعد تدخلات وتحركات سياسية. ففي الـ26 من فبراير 1993، وبينما كانت قضية السجينين البريطانيين مايكل واينرايت وبول رايد لا تزال عالقة في دوائر السياسة والدبلوماسية، أجرت النائبة البريطانية آليس ماهون لقاء مع الأمين العام المساعد لشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، في نيويورك. وكان اللقاء جزءاً من جهود مكثفة تبذلها شخصيات سياسية بريطانية وأخرى دولية لإيجاد مسار يؤثر في الموقف العراقي، بعد فشل عدد من القنوات التقليدية.
وفي سياق النقاش، عبرت ماهون عن خيبة أملها من أن الحكومة البريطانية تبدو غير راغبة في عقد صفقة مع العراق في قضية واينرايت ورايد، كما فعلت في قضية بي ريختر. وكان هذا الإحباط يعكس شعوراً واسعاً لدى بعض النواب والعائلات بأن الحكومة تتعامل مع القضية بحذر شديد، وربما بتردد.
وعلى رغم كثافة التحركات الدبلوماسية والاهتمام البرلماني والشعبي في بريطانيا، فقد احتجز الرجلان في سجن أبو غريب قبل أن يفرج عنهما لاحقاً، ليغدوا رمزاً للكلفة الإنسانية للعقوبات الدولية وحالة العزلة السياسية التي سادت العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.