ملخص
ترك فنان عصر النهضة الإيطالية ساندرو بوتيتشيللي لوحتان سياسيتان ترويان فصلاً تاريخياً من حياة جوديث، تلك الأرملة الحسناء من بنات مدينة بتوليا، التي لم يرضها أن يحاصر الأشوريون بقيادة القائد هولوفيرن مدينتها حصاراً محكماً، فيما سكان المدينة الذين لم يكونوا اعتادوا خوض الحروب مهددون بالإبادة
لم يكن الفنان النهضوي الفلورنسي ساندرو بوتيتشيلي قد بلغ الـ25 من عمره بعد، حين أنجز لوحات عدة لا يبدو منطقياً أنها تمهد للوحاته العظيمة الكبرى، التي ستجعل منه ذلك الفنان الكبير الذي ستكتشفه الأجيال المتلاحقة.
في ذلك الحين كان ساندرو لا يزال يرتاد محترف فيليبو ليبي متأثراً بالتعليم القاسي والتحديثي الذي تلقاه هناك، ومن هنا حين كلف من واحد من سراة القوم في المدينة، بإنجاز لوحتين تاريخيتين ترويان حكاية جوديث المستوحاة من العهد القديم، سارع إلى قبول "الطلبية" وشجعه ليبي على ذلك، فبدت اللوحتان، على حجمهما الصغير وكأنهما حقاً من إنتاج محترف هذا الأخير، لا من إنتاج ذاك الذي سيصبح يوماً صاحب بعض أجمل لوحات الحب والجمال والطبيعة في تاريخ الفن النهضوي، ومنها بخاصة "ولادة فينوس" و"الربيع".
وكانت اللوحتان التاريخيتان من إنجاز عامي 1469 – 1470، ويجري الحديث عادة عنهما معاً لوحدة مقاساتهما (نحو 31 سم ارتفاعاً و25 سم عرضاً لكل منهما)، ولأنهما تعرضان دائماً معاً، ولكن خصوصاً لوحدة موضوعهما، وهي على أية حال وحدة تشي بأنهما كان يفترض أن تكونا جزءاً من سلسلة لوحات مشابهة تروي فصولاً أخرى من الحكاية نفسهما. وهنا قد يمكن إضافة لوحة أخرى من بوتيتشيلي تنتمي إلى المرحلة الزمنية نفسها (رسمت عام 1470)، لكنها تختلف في مقاييسها (167 سم ارتفاعاً، و87 سم عرضاً)، وتعرض دائماً في المكان نفسه الذي تعرض فيه اللوحتان الأخريان (غاليريا ديللي أوفيتزي في فلورنسا)، ونعني بها لوحة "القوة" التي يبدو أن بوتيتشيللي قد حل في رسمها محل رسام آخر تقاعس عن ذلك، فوقع الاختيار على فناننا الشاب، بعد أن شوهدت اللوحتان اللتان نتحدث عنهما، ولفتتا إلى أن ثمة مبدع من طراز رفيع لا بد من إعطائه فرصاً حقيقية للتعبير عن فنه الكبير.
ولقد أدى ذلك إلى أن تشكل هذه اللوحات الثلاث معاً مرحلة تاريخية ما - قبل - دينية في فن بوتيتشيللي، غير أن ذلك لم يغر المؤرخين كثيراً فبقي للوحتي "جوديث" تفردهما وارتباطهما المطلق، ليس فقط من ناحية تتابع الحبكة كما سنرى، بل من ناحية الأبعاد الفنية. ولنبدأ هنا، بالتالي، بالحديث عنهما من منطلق الموضوع التاريخي المشترك بينهما.
حكاية "جوديث"
تروي اللوحتان إذاً فصلاً تاريخياً متداولاً من حياة جوديث، تلك الأرملة الحسناء من بنات مدينة بتوليا، التي لم يرضها أن يحاصر الأشوريون بقيادة القائد هولوفيرن مدينتها حصاراً محكماً، فيما سكان المدينة الذين لم يكونوا اعتادوا خوض الحروب مهددون بالإبادة.
وبحسب الرواية التوراتية، تتسلل جوديث ذات ليلة من داخل المدينة برفقة خادمتها، حتى تتمكن من الدخول إلى معسكر الأشوريين الذين كانوا وقائدهم يحتفلون بنصر ما، فتختلطان بالمحتفلين حتى يلاحظها هولو فيرن، ليذهله جمالها من دون أن يكون عارفاً عنها شيئاً. وإذ "تستجيب" هي لغزله، يدعوها إلى الشراب معه، فتفعل، ثم ما إن تنفرد به ذات لحظة وقد أعماه جمالها وما شرب من خمر، حتى تنتزع سيفه من غمده وتقطع له رأسه بمساعدة خادمتها، وتعود الاثنتان متسللتين إلى بتوليا تحت جنح الظلام، قبل أن يكتشف الأشوريون ما تبقى من جثة قائدهم مقطوعة الرأس، ذلك أن جوديث حملت الرأس المقطوع للخادمة لتمتشق هي بيدها اليمنى سيف القتيل، وباليد اليسرى غصن زيتون حاملة إياه كرأس العدو برهاناً على ما فعلت، ودليلاً على أن المدينة قد نجت بفضل ما فعلته، ووصلت إلى بر الأمان.
والحقيقة أن اللوحتين اللتين نحن في صددهما هنا تصوران بالنسبة إلى أولاهما جوديث وخادمتها في طريقما عائدتين لبتوليا، التي تبدو في خلفية المشهد وهي لا تزال محاصرة وتعيش حالة حرب قبل انتشار نبأ ما حصل، وبالنسبة إلى الثانية، مشهد أركان حرب هولوفيرن وكبار مساعديه وقد اكتشفوا لتوهم جثة القائد مسجاة فوق سريره جزعاً من دون رأس. وهذا ما يوحي بالطبع بقدر لا بأس به من التوازي، زمنياً، بين المشهدين، إذ يقترح الفنان أنه في الوقت نفسه الذي باتت فيه جوديث والخادمة على مشارف مدينتهما، أي باتتا في أمان ومعهما البرهان القاطع على ما حدث (رأس القتيل)، وعلى ما سيتلو ذلك (غصن الزيتون)، ها هم الأشوريون يكتشفون الجريمة من دون أن يكون في وسعهم الآن أن يخمنوا ما الذي سيحدث بعد ذلك.
الحدث في بعده السيكولوجي
من الناحية الفنية، من الواضح أن بوتيتشيللي في لوحتيه المبكرتين هاتين، يبدو أميناً لتاريخ الحكاية كما هو مدون في العهد القديم. ولكن، حين يشار في هذا المجال إلى أمانته لمعلمه فيليبو ليبي، لا شك أن الإشارة لا تتعلق بذلك البعد، على رغم أن ليبي نفسه كان معروفاً، في لوحاته الدينية والتاريخية، بأمانته لتفاصيل الأحداث التي يرسمها، غير أن ثمة سمات أخرى طبعت فن ليبي، ويمكن القول إن التركيز يتعلق بها في مجال الحديث عن تأثر بوتيتشيلي في هاتين اللوحتين، بمعلمه، وهو البعد السيكولوجي الذي قد يحول بيننا وبين أن ننظر إلى اللوحتين بوصفهما تنتميان إلى الفن السياسي المبكر، كما يفعل عدد من مؤرخي الفن الماديين.
فمن هذه الناحية على مشاهد كل من اللوحتين أن يلاحظ أول ما يلاحظ، تلك النظرات التي أبدع الرسام الشاب في التعبير عنها، سواء تعلق الأمر، في اللوحة الأولى، بنظرة جوديث متضافرة مع مشيتها، أو حتى وقفتها، إذ ثمة هنا ما يقترح نوعاً من استدارة تقوم بها الحسناء القاتلة تجاه من ينظر إلى اللوحة، وفي نظرتها تعبير عما يتراوح بين اعتذارية عميقة (عما فعلت؟)، وتواطؤ مع الخادمة (على ضرورة ما فعلتاه). فيما الخادمة لا تبادلها النظرة نفسها، بل تظهر قدراً أكبر من التصميم، بل حتى توقاً للتعبير عن انتصارية ما تحققت بفضل فعلتهما المشتركة. في عمق الأمور لا تبدو جوديث حاملة على سماتها إمارات الانتصار، على رغم أن فعلتها كانت استثنائية وحاسمة في المعركة. والحقيقة أن ما لا تريد جوديث أن تتبناه حقاً هنا، هو ما تعرف حقاً أن المعركة والحصار سينتهيان إليه بفضلها وبفضل خادمتها، كما بفضل حماقة قائد العدو الذي سلمها قياده بكل سهولة فقتلته وبسيفه تحديداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نقطة الضعف القاتلة
وما اللوحة الثانية سوى العرض المنطقي لما سينتج عما فعلته، غير أن بوتيتشيللي لم يكتف بأن يعبر عنه بتصوير الحدث نفسه، بل خصوصاً بتصوير ملامح الجنرالات الذين كانوا هم أول من اكتشف جثة القائد من دون رأس. فاللعبة الفنية كلها هنا إنما تلعب، مرة أخرى، في نظرات العيون. فالنظرات المرتسمة على نحو نصف دزينة من الضباط الكبار تتسم بيأس مريع وحيرة مرعبة وقرارات يبدو أن أياً من أصحاب النظرات لا يبدو مستعداً لاتخاذها. فبالنسبة إليهم، ولو في لحظة اكتشاف الجثة وهول الجريمة، أفلا يساوي فقدان القائد، وعلى ذلك النحو بصورة خاصة، خسارة الحرب وفك الحصار والعودة خائبين للديار؟ لكن الأدهى من ذلك، العودة بحكاية لا تشرف القائد ولا تشرف جيوشه، خصوصاً أن من انتصر في تلك "المعركة الأخيرة" ليس شعباً ولا جيشاً، بل امرأة تمكنت من كشف نقطة الضعف لدى القائد، وبالتالي لدى المهاجمين المحاصرين جميعاً.
ولئن كان من الواضح أن هذه السمات المتعلقة بسيكولوجية الحدث في جانبيه، لا ترد في النص التوراتي ولا حتى في التفسيرات التي دائماً ما جاءت في تواريخ كتبت عن تلك الحكاية، سواء في بعدها الديني أو التاريخي، فإن بوتيتشيللي قالها على طريقته بلغته الفنية معطياً الفن، ولكن ربما على خطى جيوتو هذه المرة، وظيفة لم تكن في الحسبان، وقدرة أكثر عمقاً على قول ما كان يبدو دائماً مسكوتاً عنه.