Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يتأثر سلوك البشر بالتلوث البيئي والضوضاء في المدن؟

بقدر ما تتقدم أدوات الرصد والخرائط يصبح السؤال: كيف يمكن للحواضر أن تخفف مصادر الضغط البيئي من دون تعطيل وظائفها الأساسية؟

تجمع منظمة الصحة العالمية بيانات جودة الهواء على مستوى المدن عبر قواعد بيانات عالمية (pixabay)

ملخص

الضوضاء وتلوث الهواء لا ينعكسان فقط على الصحة الجسدية، بل قد يؤثران أيضاً في الأداء الذهني والسلوك اليومي عبر مسارات مثل جودة النوم والضغط العصبي وتراجع القدرة على التركيز. ومع تزايد الاهتمام المؤسسي والأدلة العلمية، بات التعامل مع الملف يتجه أكثر نحو القياس والمعايير والسياسات، بدل إبقائه في خانة الانطباعات الفردية أو الشكاوى العامة.

في الأعوام الأخيرة، لم تعد مشكلات تلوث الفضاء العام بالضوضاء والهواء المشحون بالغازات الضارة تطرح في النقاش العام بوصفها مشكلات معزولة عن حياة الناس اليومية، بل كمشكلات تهدد الصحة العامة بأشكالها المختلفة بصورة مباشرة، وباتت على أساسهما تحدد جودة العيش والحياة في المدن التي تمنح درجات تمييز على أساس مقياس "الرفاه".

وصار التلوث بالضجيج، أي التلوث السمعي والتلوث بالهواء يقدمان كمشكلتين متحدتين في كثير من البيئات الحضرية الحديثة، حين يتعرض السكان لمزيج متزامن منهما.

التلوث المزدوج

هذا النوع من التلوث المزدوج يؤدي إلى إصابات بأمراض جسدية ونفسية للأفراد، وينعكس على الأداء الذهني والسلوك اليومي في المجتمع ككل، ويظهر في الأماكن العامة والعمل ووسائل النقل والشارع من خلال التأثير في قدرة الانتباه وفي الصبر وسرعة الانفعال. هذا النوع من التأثير الجماعي قد يؤدي إلى فوضى عامة في المدن المزدحمة والملوثة، إضافة إلى الأمراض الجسدية، مما دفع معظم دول العالم المتقدمة وبعض الحالات في عواصم العالم الثالث إلى الاهتمام بالموضوع. وبات يجري إشراك خبراء ومتخصصين ومهندسين ومعماريين في وضع استراتيجيات واضحة للحد من الضوضاء والتلوث لتحسين المحيط المديني.

ما هي الضوضاء؟ ما هو التلوث؟

غالباً ما يفهم التلوث من الضوضاء في النقاش العام على أنها "إزعاج" مرتبط بحساسية فردية سمعية، يعبر صاحبها عن ضيقه من الأصوات المرتفعة والمزعجة والمختلطة، لكن المشكلة أكثر تعقيداً من هذا المصطلح التعريفي، لتعامل الضوضاء على أنها ذات آثار سلبية في النوم والراحة ووظائف الانتباه والحواس وبعض أنواع الأمراض الجسدية والنفسية، خصوصاً في المدن الكبرى المزدحمة والمحاطة بالضواحي، وحيث الضوضاء ليست حدثاً طارئاً، بل سياق دائم في الحياة اليومية.

أما تلوث الهواء فهو ليس ظاهرة مرئية دائماً في المدن، لكن جزءاً كبيراً من هذا التلوث ينتج من وسائل النقل والنشاط الصناعي، وتقاس نسبته عبر مؤشرات علمية متفق عليها.

والتلوث المزدوج بالضوضاء والغازات صار محل اهتمام واضح من الحكومات، وباتت منظمة الصحة العالمية تتعامل مع الضوضاء البيئية بوصفها قضية صحة عامة، بعدما بقي هذا الملف طويلاً في خانة الانطباع الفردي.

في واقع المدينة الحديثة التي تطورت منذ الثورة الصناعية، "لا يمر يوم بضوضاء بلا تلوث للهواء، ولا يوم بتلوث للهواء بلا ضوضاء"، بل بات تعرض سكان المدن لكيلهما معاً مزدوجاً ودائماً.

وتنتج المدينة الحديثة الضوضاء والتلوث من المصدر ذاته غالباً كحركة النقل الكثيفة والإيقاع السريع للمدن الممتدة والكثافة السكانية والبنية العمرانية، التي تجمع الناس في مساحات ضيقة، وشبكات الطرق التي تمر داخل الأحياء أو تلتف حولها. وهذا لا يعني بالضرورة أن الأثر يتضاعف حسابياً، لكن وجود هذين العاملين قد يجعل المشكلة طارئة.

إن تفسير ذلك بطريقة بسيطة هو بأن الضوضاء تؤثر في كفاية النوم وجودته، والنوم غير الكافي أو غير العميق ينعكس على الانتباه والمزاج وضبط الانفعال، ثم يأتي تلوث الهواء كعامل إجهاد إضافي يرفع الحمل الجسدي والذهني، فيظهر الإرهاق والتوتر بصورة أسرع.

تجمع منظمة الصحة العالمية بيانات جودة الهواء على مستوى المدن عبر قواعد بيانات عالمية، بهدف تقدير التعرض السكاني وربطه بالأثر الصحي العام ضمن مفهوم "عبء المرض".

وإذا أردنا ترجمة هذه الأضرار في واقع الحياة اليومية، يمكن الحديث عن سلسلة تغيرات صغيرة لكنها متكررة، في مظاهر رصدتها أدبيات مختلفة عند دراسة الضغط البيئي في المدن، يبدأ الأمر بتراجع القدرة على التركيز والانتباه لفترات طويلة. عندها تصبح ردود الفعل أسرع، وقد يتحول الموقف العادي إلى توتر مفاجئ، أثناء القيادة أو في نقاش بسيط، أو احتكاك غير مقصود. ويؤدي أيضاً إلى ميل أكبر لاتخاذ قرارات سريعة وأقل تروياً تحت ضغط الاستجابة السريعة. وبالطبع فإن الحديث يدور هنا من بيئة تزيد الضغط، لا عن تهمة أخلاقية جاهزة ضد السكان.

في مدينة كبيرة كباريس، تناول تقرير اعتمد خرائط تربط بين الضوضاء وتلوث الهواء، مسألة التعرض المشترك على مستوى السكان، وأشار إلى أن نحو 9.7 مليون شخص، أي نحو 80 في المئة من سكان العاصمة الفرنسية ومنطقتها التي تحيط بها، يتعرضون في الوقت ذاته لمستويات من الضوضاء وتلوث الهواء تتجاوز توصيات منظمة الصحة العالمية، التي تعرف في مقاربتها المؤسساتية الضوضاء ليس بوصفها "إزعاجاً" فقط، بل وعاملاً قد يرتبط بنتائج صحية ورفاهية السكان، وبالتالي بالكلفة الصحية التي تتحملها المجتمعات وبالتالي الكلفة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاجية والرعاية الصحية والكلفة الاجتماعية التي تتقاطع مع جودة الحياة والعدالة البيئية، لأن الفئات الأفقر غالباً ما تعيش قرب مصادر التلوث والضوضاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إجراءات عملية بدل الشعارات

بما أن الضوضاء وتلوث الهواء يرتبطان بالبنية الحضرية وحركة النقل ونمط الاستخدام اليومي للمدينة، فإن أدوات التخفيف تكون مرتبطة بالسياسات نفسها، أي التخطيط والنقل والتنظيم والشفافية.

فعلى مستوى التخطيط، بدأت المدن الحديثة والمستقبلية التي توضع مخططاتها اليوم، تعمل على الحد من اختراق الطرق السريعة للأحياء السكنية قدر الإمكان، أو تصميم حلول عزل والتقليل من الطرق الواسعة والكبير وتوسيع المساحات الخضراء على الأرض وفي الخرائط التصميمية، لتحسين البيئة الحضرية وتخفيف بعض الأثر البيئي السلبي في المحال العام، وتحسين جودة الحياة. وأكدت دراسات عدة أن المدن التي تخفض السرعات في مناطق السكن غالباً ما تخفض مستويات الضغط النفسي اليومي على السكان.

وبات تطوير نقل عام فعال يقلل الاعتماد على السيارات الخاصة.

التلوث الحضري مرتبط إلى حد كبير بإيجاد حلول للتلوث المزدوج، وكل سياسة تخفف عدد السيارات الفعلي تملك فرصة لتخفيف تلوث الهواء والضوضاء معاً. واعتمدت بعض المدن الأوروبية سياسات تحد من دخول المركبات الأكثر تلويثاً إلى مناطق محددة، كجزء من إدارة الهواء ودعم المشي واستخدام الدراجات للتنقل وتجهيز البنية التحتية لذلك.

على سبيل المثال، أفادت تقارير تناولت تراجع الملوثات في مدينة لندن بعد توسعة منطقة الانبعاثات المنخفضة جداً ULEZ، مع الإشارة إلى أن التأثير بدا أكثر وضوحاً قرب الطرق المزدحمة وفي مناطق مزدحمة.

أما على مستوى الحياة اليومية والتنظيم المحلي، فقد بدأ العمل على تحسين العزل الصوتي في المباني الحساسة مثل المدارس قدر الإمكان، وقد لجأت بعض المدن إلى تنظيم أعمال البناء وساعات الضجيج مع أوقات العمل والدراسة بطريقة متناسبة، خصوصاً وأن المدينة لا يمكن أن تتوقف عن الصيانة.

وصارت الشفافية في بيانات جودة الهواء متاحة وواضحة، فصار التعامل معها أسهل ضمن سياسات الصحية والبلدية الحديثة، وبات السكان أكثر قدرة على فهم ما يحدث بدل الاعتماد على الانطباعات.

هذه الإجراءات لم تلغ المشكلة بالكامل، لكنها أثبتت أن الضوضاء والتلوث ليسا قدراً ثابتاً، وأن إدارات المدن جزء أساس من إدارة جودة العيش داخلها.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة