ماذا حدث للسلام والهدوء؟ البحث عن السكون في عالم من الضوضاء

أندي مارتن يقول إنه حان الوقت لإحياء صوت الصمت

إحدى المكتبات العامة في بريطانيا (الإندبندنت)

كنتُ جالساً في المكتبة المحلية في شارع تشيرش في لندن، محاولاً التركيز بالطريقة المعهودة. هناك أشخاص يقرأون ويكتبون ويأخذون الكتب من على الأرفف ويقرأون الصحف. هناك أيضاً شخصان، رجل وامرأة، يجريان مكالمات هاتفية. أتصور أنها مكالمة عبر تطبيق الـ "واتس أب" أو "سكايب" عن طريق خدمة الـ "واي فاي" الجيدة الخاصة بالمكتبة. يخفّض الرجل صوته قليلاً (يتحدث ربما عن صفقة تجارية)، بينما المرأة تتحدث بصوت أعلى من المعتاد. يبدو أنها مستاءة بسبب شيء ما يتعلق بطردها لشريكها من المنزل بسبب إفراطه في تناول المشروبات الكحولية أو شيء من هذا القبيل. في كلتي الحالتين، إنها قصة حزينة.

 لكن ما أريد أن أعرفه حقاً هو: ماذا حدث لتلك اللافتات المعلقة في المكتبات والتي تقول: "الصمت من فضلك" أو "الصمت يعني الصمت"؟ متى أصبحت المكتبات مناطق خالية من الصمت؟ يأتي المتصلون بهواتفهم هنا خصيصاً لكسر الصمت. وأصبحت المكتبة بمثابة قِبلة لمستخدمي الهواتف المحمولة الذين لا يستطيعون الحصول على إشارة إنترنت جيدة في الشارع.

الضجيج

كنت مؤخراً في رحلة قطار من لندن إلى بريستول، لمدة ساعة أو ساعتين. كنت قد حجزت مقعدًا في "العربة الهادئة". القطار ليس مكتبة (على الرغم من أن هذه ليست فكرة سيئة). ولكن يبدو منطقياً أن تكون هناك حجرة واحدة على الأقل مخصصة للأشخاص الذين يرغبون بالهدوء لفترة من الوقت. هناك لافتات مهذبة (لا يقرأها الجميع) تطلب من الركاب الامتناع (تماماً مثل المكتبات) عن إجراء مكالمات هاتفية. لكن ماذا عن المحادثات الجارية بصوت عال؟ هل هناك بروتوكول خاص بهذا الموضوع؟ إمرأتان تجلسان في مقاعد متقابلة، تواصلان حواراً ، يتخلّله الضحك، طيلة الطريق إلى بريستول. ربما إنهما صديقتان قديمتان لم تتقابلا منذ سنوات. لكنني أشعر - بغض النظر عن المحتوى العلني للحديث - أنّ كل ما تقولانه هو احتجاج، وثورة ضد السلام والهدوء القمعيين.

ستجدني غالباً أثناء سيري في الشارع (أو حتى عند جلوسي في المكتبات أو في العربات الهادئة) أرتدي زوجاً من السماعات الكبيرة التي تغطي منطقة الأذنين تماماً. يمكنك بالطبع أن تنقر على كتفي وتقول: "ألست أنت ذلك الشخص الغريب دائم الشكوى من الضجيج، لكن ها أنت هنا تضع السماعات وتستمع إلى الموسيقى. أليس هناك نوع من التناقض هنا الذي يكاد أن يقترب من حافة النفاق؟" (أو كلمات بمثل هذا المعنى). وقد أردّ عليك - ربما من دون التفوه بأي كلمة - بأن أنزع  سمّاعاتي وأدعوك للاستماع إلى... صوت الصمت. أنا أرتدي السماعات حتى أضمن أن تبقى الموسيقى بعيدة عن أذناي.

لكن على أي حال، حتى لو كنت أستمع إلى تلك الأغنية القديمة لفرقة "سايمون إند غارفانكل" (والتي تغنيها الآن - في نسخة أكثر صخباً من قبل - فرقة تسمى" ديستيربد")، فإن هناك فرقاً كبيراً بين الاستماع بإرادتك وموافقتك وبين الاستماع رغماً عنك. خذ على سبيل المثال الصالة الرياضية في منطقة سكني. ومرة أخرى، إن الصالة الرياضية ليست مكتبة أو عربة قطار هادئة. فأنت تتوقع أن تسمع فيها أصواتاً عالية من زفير وتأوه وتأفف، ناهيك عن أصوات المدربين المحفّزة وصوت آلات التجديف والأوزان الحديدية وهي تصطدم بالأرض. ومع ذلك، هل أنا مضطر للاستماع أيضاً إلى أنغام المطرب إد شيران؟ في الواقع، إن معظم "الأغاني" في صالة الألعاب الرياضية ليست أغانٍ على الإطلاق بل أشبه ببرامج موسيقى ديسكو تحتوي على أرتام إلكترونية متكررة إلى ما لا نهاية.  تماماً مثل الاستاتيكي، ولكن بشكل غير منتظم بما فيه الكفاية لاعتباره ضجيج أبيض.

لقد راسلت الإدارة الخاصة بصالة الألعاب الرياضية لأسجل اعتراضي على ذلك العلف السمعي الذي يجبرونني عليه، في محاولة لإقناعهم بتغيير قائمة الأغاني الخاصة بهم، ولكن قيل لي أنهم يشترون "الموسيقى" كباقة كاملة من أحد مقدمي الخدمة المجهولين، لذلك لا يمكن تعديلها، وتُعتبر مناسبة لهدف ممارسة الرياضة، على أي حال. أتعجب كيف يمكن لشخص أن يدفع المال مقابل هذه القمامة؟ أنا مستعد لدفع المال حتى لا أستمع إليها.

أتساءل، هل تحتاج الحياة إلى موسيقى تصويرية مصاحبة بشكل دائم، كما لو كانت فيلماً سينمائياً، مع ألحان تدل على وجود أسماك القرش أو الأطباق الطائرة أو الرومانسية؟ هل تحتاج إلى تعليقات على أحداثها، كما لو كانت مباراة مهمّة أو ملاكمة كبرى؟ نحن نعيش في عصر من الضوضاء القصوى، مما دفعني إلى أحضان كتاب جديد بعنوان تاريخ الصمت، للمؤرخ الفرنسي آلان كوربن، الذي صدرت له كتب رائعة عن تاريخ الأجراس، الشواطئ والروائح (وحتى عن تاريخ الطقس). كانت معظمها الكتب صوتية. وبما أنه لم يكن هناك الكثير من النسخ (لم يكن هناك الكثير من الأشخاص القادرين على قراءتها كذلك) فقد كانت تتم قراءتها بصوت عال إلى الحشد المجمّع. وفقط في العصر الذي حل منذ غوتنبرغ وكاكستون، أصبح النص ملازماً  للتأمل الهادئ، وفرصةً لإجراء محادثة صامتة تدور في رأسك. ويمكن لـ شكسبير أن يكتب: "تعال واختر ما تريد من مكتبتي والتهي عن بؤسك". إن كتاب  تاريخ الصمت هو بالتأكيد آسر، مثل واحة من السكينة وسط دوامة عنيفة.

أذكر أن والدي كان على مقربة كافية من انفجار قنبلة مما أفقده 50 في المئة من حاسة السمع. لكنني أريد أن أضع جانباً أعمال الحرب وأركز على ما يمكن أن نطلق عليه أعمال السلام - رغبة في استخدام مصطلح أفضل. وربما كانت أقل بيئة سلمية تعرضت لها على الإطلاق هي مصنع للمعادن. كانت وظيفتي تغذية وتنظيف الآلات التي كانت تتخلص من البراغي والصواميل بلا توقف. ربما يوفرون حامي للأذن هذه الأيام، لكن عندها تكون لوحدك. وكانت المطاحن المظلمة الشيطانية التي يكاد ضجيجها يقطع الأذن، تُعتبر المكافئ السمعي للجحيم نفسه، حيث لا يمكنك حتى الاستماع إلى أفكارك. لم أستمر طويلاً في تلك الوظيفة النشاز، لأنني اعتقدت في الأساس أنها ستلحق بي ضرراً دماغياً مستديماً، تماماً مثل الدخول إلى حلبة القتال ضد ملاكم وزن ثقيل لجولة تلو الأخرى من العقاب. إنهم يقلقون بشأن لاعبي كرة القدم الذين يضربون الكرة برأسهم، لكن ماذا لو كانت الكرة تضرب رأسك مراراً طوال اليوم؟

وبمناسبة الحديث عن ضرب الرأس، أليس هذا هو الهدف من حفلة موسيقى الروك؟ هل كان ذلك في "آيل أوف وايت" أو في "سافولك" - مهرجان لاتيتيود - حين وجدت نفسي محشوراً قرب أحد مكبرات الصوت؟ لا يزال عقلي يترنح بشدة من التجربة، لكي أتذكر ما حصل بالضبط. من السخرية بمكان أنه حتى الموسيقيين يحتاجون إلى وضع سدادات للأذن، وهو الأمر الذي لم يحدث للموسيقار باخ. أنا أعلم أن بيتهوفن قد أصيب بالصمم، ولكن ربما ليس نتيجة صوت موسيقى بيانو مضخّمة أكثر من اللازم.

ما زلت لا أفهم كيف يمكن أن يكتب ستيفن كينغ (وفقا لكتابه عن الكتابة) أثناء الاستماع إلى موسيقى الروك الصاخبة (وتعد فرقة ميتاليكا واحدة من فرقه المفضلة). أو ربما يفسر ذلك لماذا لم يستطيع الممثل جاك نيكلسون منع نفسه من التقاط الفأس ضمن أحداث فيلم ذي شاينينغ. وعلى النقيض من ذلك ، احتاج بروست إلى غرفة نوم مبطنة بالفلين ليقوم بالكتابة فيها، بل حتى أنه قد قام برشوة البنائين اللذين كانوا يعملون في الشقة أعلاه لوقف العمل حتى يتمكن من إنهاء كتابة جملة ما.

واعتُبر نهوض الرومانسية السامية، وتمجيدها للحياة في الطبيعة، في جزء منه تبايناً لنهوض الرأسمالية الصناعية. فالتجول وحيداً كسحابة يأخذك بعيداً عن الحشود، نحو الغابة الخضراء للاستماع إلى غناء العصافير. عندما يقف ووردزوورث على جسر ويستمنستر وينظر إلى لندن (في عام 1802) ، فإنه يتأكد من أن ذلك يحدث قبل أن يستيقظ الجميع ويقومون بأي حركة:  "هذه المدينة الآن، ترتدي مثل الثوب جمال الصباح؛ حيث الصمت، السفن الخالية، الأبراج القباب، المسارح والمعابد الجاثمة، المفتوحة على الحقول وإلى السماء. كلها مشرقة ومتألقة في هواء بلا دخان ".

حتى في المشهد ما بعد الصناعي، حيث أن صخب وجلبة المصانع أفسحا الطريق للثرثرة المستمرة بالهواتف المحمولة ونغمات رناتها المزعجة، ما زلنا نبحث عن العزلة في المساحات النائية، مثل الغابة أو الصحراء أو الجبل. نحن نريد الابتعاد عن المجتمع من أجل التغيير. إغلاق كل الإشعارات. ترك رسالة "في إجازة" على البريد الإلكتروني. تماماً مثل أجهزة التليسكوب المثبتة على قمم الجزرالنائية أو في صحراء أتاكاما للابتعاد عن الضوء الاصطناعي. أنت لا تستثني الضوء برمته تماماً، أنت فقط تحاول التركيز على نقطة معينة. كذلك نحن نسعى إلى الهروب من الضجيج مع انطباع ما بأننا سنتتلقى إشارة أوضح من الفضاء الأكبر. أتخيل حتى أن موظفي المراقبة في جي سي إتش كيو GCHQ ينزعون في نهاية المطاف سماعات الرأس ويتوقفون عن الاستماع إلى كل تلك المحادثات التي لا تعد ولا تحصى والتي تجري في كل دقيقة من اليوم، سواء كانت سرية أم لا.

 بالنظر إلى تاريخ الكون، فإن الانفجار الكبير كان بالفعل أكثر الأحداث سلمية على الإطلاق (وهنا سأضطر للابتعاد عن الصفحة الأخيرة من كتاب آلان كوربين التي حيّا فيها "ضجيج" الانفجار الكبير). كما لم يكن هناك أحد يستمع إلى ذلك بكل الأحوال. وكما كان شعار فيلم إيليين Alien يقول : "في الفضاء ، لا يمكن لأحد أن يسمع صراخك".

ويمكن للمرء أن يحكم لصالح موسيقى الأفلاك. فإن كل الوقت وكامل الفضاء يهتزان بموجات جاذبية يمكن سماعها، لذا فإن الصمت في هذا الإطار مجرد وهم. لكن الضوضاء تُعتبر تخصصاً بشرياً أكثر من أي شئ آخر، وقد ارتفعت معها الرغبة في السكينة بشكل موازي. لقد سمعت للتو على الراديو -  ربما كان يجب عليّ إغلاقه؟ - نيكي كامبل يندد بقرار طلاب جامعة مانشستر حظر التصفيق والتشجيع بالصراخ واصفاً إياه بالمثير للشفقة. وأنا أتفهم ذلك. إن الأمر شبيه بانطلاق صوفيين إلى البرية في رحلة بحث عن الإلهية. لم يحظروا الجعة حتى الآن.

لديّ صديقة ثرثارة قد انضمت الى مجموعة الثرثارين المجهولين للتعافي. أظن أنها تتعافى بشكل جيد، حيث لم أسمع منها أي شئ منذ فترة طويلة. إن الشعار الجذاب المتكررفي روايات لي تشايلد "ريتشر لا يقول شيئاً" هو شهادة صامتة على إحساسنا، بأنه في مرحلة معينة، عليك إغلاق الصنبور ووضع حد لكل الحزلقات والتفذلكات من نوعية خطابات بوريس جونسون.

لكني أفهم الخوف من الصمت. "البقية هي الصمت". إنها النهاية المأساوية للفصل الخامس. إنه شعور مثل "فليرقد في سلام". الصمت مخيف. حتى باسكال المفكر العميق، الذي كان يفتخر بكونه قادراً على الاستراحة في غرفة، كان ينظر إلى سماء الليل ويخشى "الصمت الأبدي لتلك الفراغات اللامتناهية". لم أتمكن من أن أسجل اسمي كراهب ترابيست. حتى الذهاب إلى واحدة من تلك الخلوات الصامتة كان سيختبر قدرتي على التحمل حتى نقطة الانهيار. إلى متى كان يمكنني التحمل؟ إن اللغة لا غنى عنها للصحة العقلية كما هو الماء بالنسبة للمادة. و في البداية كانت الكلمة.

أستطيع أن أفكر في رجل واحد كان قد اعتاد أن ينغمس في الصمت، أحياناً لعدة أيام، كبديل لخصام ملتهب. أنا لا ألوم زوجته على تركه. الصمت القسري يُمكنه أن يكون في بعض الأحيان موازياً للتعدي على شخص من قبل عدد كبير من وحدات الـ ديسيبيل.

لكن يجب أن يكون هناك مجال للصمت الطوعي والتوافقي. عرّف نيتشه ذات مرة الزواج بأنه "محادثة طويلة"، وهو أمر جيد ، لكن يجب أن تكون هناك أوقات (يستلقي الزوجان أمام المدفئة أو يسيران متاشبكا الأذرع في الشارع) تتوقف فيها المحادثة ويحل الصمت عليهما مثل النعمة، بلا أدنى صوت مثل تساقط الثلوج. الصمت (اهمس بالكلمة) هو لغة الحب. أو كما قال ويتغينستاين بأناقة: "عندما لا يستطيع المرء أن يتكلم، يجب عليه أن يبقى صامتاً".

آندي مارتن هو مؤلف كتاب 'ريتشر لم يقل شيئاً: لي تشايلد وصناعة ميك مي'. يُدرّس في جامعة كامبريدج. كتاب تاريخ الصمت للكاتب آلان كوربن تنشره دار بوليتي.

© The Independent

المزيد من ثقافة