ملخص
يسعى الجيش الأردني من خلال الهيكلة الجديدة إلى مواجهة مزيج فتاك يجمع بين الروبوتات والمسيّرات وحروب العصابات والاختراقات السيبرانية.
في وقت يمر الشرق الأوسط بمرحلة هي الأكثر تعقيداً في تاريخه الحديث مع تنامي التهديدات الإقليمية، جاء إعلان العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني خطة شاملة لإعادة هيكلة القوات المسلحة.
وفي دولة تقع في قلب منطقة ملتهبة يقول مراقبون إن قرار إعادة الهيكلة جاء استجابة لواقع جيوسياسي جديد فرضته التحولات على الحدود الشمالية والشرقية للمملكة، بخاصة مع تصاعد التهديد الذي تمثله شبكات التهريب المنظمة والطائرات المسيّرة والعصابات العابرة للحدود.
رشاقة إستراتيجية
ويصف خبراء ومحللون قرار العاهل الأردني بأنه بمثابة رشاقة إستراتيجية للجيش بغية زيادة قدرته على التحرك السريع والربط التقني بين الوحدات وامتلاك المبادرة، إذ ترتكز عملية إعادة الهيكلة، وفق إعلان العاهل الأردني، على ركائز ثلاث وهي تكثيف التدريب النوعي والدمج والترشيد، مما يوفر موارد مالية ضخمة يمكن توجيهها لتطوير التسليح النوعي وتوطين التكنولوجيا، إذ يجري التركيز على سلاح الجو المسيّر ووحدات الأمن السيبراني ومنظومات الرصد الإلكتروني، وهنا يشير مراقبون إلى مركز (JODDB) الأردني الذي سيكون معنياً بالهيكلة وتحويل الجيش من مستهلك للسلاح إلى مطور له لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ولا يرى المراقبون في إعادة هيكلة الجيش الأردني مجرد تغيير في المسميات أو الرتب، بل محاولة التوازن بين إرث عسكري يمتد لـ 100 عام، ومتطلبات أمنية تفرضها تكنولوجيا القرن الـ21، إذ يواجه الجيش الأردني تحديات هجينة مثل تهريب المخدرات والأسلحة عبر طائرات مسيّرة متطورة، إضافة الى الإرهاب السيبراني.
وكان مجلس النواب الأردني أقر العام الماضي إعادة العمل بـ "قانون الخدمة العسكرية الإلزامية للذكور" بعد وقف العمل به 30 عاماً، ستبدأ الدفعة الأولى تدريبها داخل معسكر القوات المسلحة الأردنية في الأول من فبراير (شباط) المقبل.
رسائل سياسية
يتحدث الكاتب والمحلل السياسي حسين الرواشدة عن توجيه رسائل سياسية مهمة من خلال قرار هيكلة الجيش، فبينما تنشغل المنطقة بضجيج الصراعات يتحرك الأردن بهدوء لترتيب بيته الداخلي، مضيفاً أن "رسالة الملك عبدالله الثاني لإعادة هيكلة الجيش لم تكن مجرد خطة عسكرية تقنية، بل كانت صافرة إنذار سياسية تعلن انتقال الدولة إلى مرحلة الاعتماد الكامل على الذات في مواجهة قادم مجهول الملامح"، مؤكداً أن إعادة هيكلة الجيش تأتي كاستجابة لملفات متفجرة تحاصر المملكة من جهاتها الأربع، الأولى من الضفة الغربية حيث شبح تصفية القضية ومخططات التهجير التي تهدد الأمن القومي مباشرة، والثانية الجبهة الشمالية والشرقية حيث ضغوط الجنوب السوري، والثالثة عودة نشاط "داعش" في العراق، وصولاً إلى طبول الحرب الإقليمية مع إيران التي أوشكت على الانفجار.
ويرى الرواشدة أن قرار الهيكلة يحمل رسالة للأردنيين مفادها بأن الاستدارة نحو الداخل وتغيير السلوك والأدوات السياسية كلها ضرورية لضبط البوصلة الوطنية، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة تغييرات في مواقع القرار وحسم ملفات عالقة واتخاذ تدابير تشريعية استثنائية، أما خارجياً فستكون هناك مراجعة للتحالفات مع العواصم الكبرى بما يضمن بناء معادلات توازن جديدة توافر الحماية للأردن، وسط انهيار الأنظمة الإقليمية القديمة.
تحديث العقيدة القتالية
ويرى المحلل والخبير العسكري نضال أبو زيد في إعادة هيكلة الجيش محاولة مواكبة التطور والتحديث للعقائد القتالية، إذ انتقلت معظم الجيوش من العقائد القتالية الكلاسيكية التقليدية إلى العقائد القتالية الحديثة التي تعتمد على حروب الجيل السادس، مضيفاً أن "الغاية قد انتفت من العمليات العسكرية البرية التقليدية التي تعتمد على الحشد الكبير والحشد المكلف وفاتورة الكُلف الباهظة إلى الحشد الصغير ضمن مبدأ ما يعرف بالقوات الرشيقة والمرنة التي تحقق الهدف والغاية بأسرع وقت".
وفي تفسير حديث العاهل الأردني عن الردع الإستراتيجي يوضح أبو زيد أنه يريد تطوير الردع بما يتماشى مع التحدي والتهديد وتطبيق مبادئ الحروب الحديثة وحماية مراكز الثقل الإستراتيجي والعملياتي ومواكبة التطور، بخاصة العمليات السيبرانية، والاعتماد على أدوات الجيل السادس من الحروب.
يذكر أن الأردن يمتلك واحدة من أفضل مدارس العمليات الخاصة في العالم، وهو مركز الملك عبدالله الثاني للتدريب، مما يعني أن الأردن سيعتمد عليها كقوة تدخل سريع خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
القوة الضاربة بالأرقام
ويعود تاريخ تأسيس القوات المسلحة الأردنية لعام 1920، فقد خاض الجيش الأردني حروباً عدة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، منها حرب "عام 1948" و"حرب الأيام الستة" وكذلك "حرب الاستنزاف" و"معركة الكرامة"، ويتكون الجيش الأردني من القوات البرية والقوات الخاصة والحرس الملكي وسلاح الصيانة وسلاح المشاة والدروع والمدفعية، مع الدفاع الجوي والهندسة وسلاح الجو والقوة البحرية، ويحتل المرتبة الـ 74 عالمياً لعام 2026 من بين 145 دولة ضمن مؤشر (Global Firepower)، أما في التصنيف العربي فيحافظ الأردن على مكانه ضمن أقوى 10 جيوش عربية في المركز التاسع، ويبلغ إجمال الأفراد العسكريين نحو 200 ألف فرد بين عامل واحتياط، إذ يبلغ القوات الفاعلة منها قرابة 100 ألف عسكري، فيما تقدر قوات الاحتياط بنحو 65 ألف فرد جاهزين للاستدعاء.
ويمتلك الأردن ترسانة تركز على "الدفاع المتحرك" والقدرة على حماية الحدود الطويلة قوامها القوة البرية مع أكثر من 800 دبابة قتالية متطورة، إضافة إلى ترسانة ضخمة تضم 25 ألف مركبة مدرعة بين ناقلات جنود ومركبات قتالية، أما القوة الجوية فتضم 279 طائرة ومروحية بينها 44 طائرة مقاتلة، رأس الحربة فيها طائرات (F-16)، في حين يمتلك الجيش الأردني 159 مروحية 44 منها هجومية.
وعلى رغم التحديات الاقتصادية لكن الأردن يضع الأمن القومي كأولوية قصوى، إذ بلغت موازنة الدفاع لعام (2025 - 2026) ما بين 2.3 و 2.6 مليار دولار أميركي، وأيضاً شهدت موازنة عام 2026 زيادة في مخصصات الرواتب العسكرية والتقاعد لتصل إلى مستويات قياسية.
دروس غزة وإيران
ويتحدث الباحث والمحلل السياسي محمد أبو رمان عن تحول بنيوي في العقيدة العسكرية الأردنية نتيجة مراجعة إستراتيجية شاملة لنتائج حروب "الجيل الجديد" التي هزت المنطقة والعالم خلال الفترة الأخيرة، فقد أثبتت أحداث غزة وما تبعها من مواجهات مثل حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هما أساس وركيزة المعارك، وفق أبو رمان، ولذلك يسعى الجيش الأردني من خلال الهيكلة الجديدة إلى مواجهة مزيج فتاك يجمع بين الروبوتات والمسيّرات وحروب العصابات والاختراقات السيبرانية.
ويشير الباحث الى إستراتيجية الأعوام الثلاثة التي تحدث عنها العاهل الأردني، والتي تتضمن خطة لربط مراكز الأبحاث والدراسات والصناعات الدفاعية المحلية مباشرة بحاجات الجيش، إضافة إلى إعادة تفعيل وتعزيز قوات الاحتياط لتكون رديفاً مرناً قادراً على الاستجابة السريعة، بخاصة مع انتقال العالم من الأحادية القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب.