ملخص
يجد الجسم الصحافي الأردني نفسه اليوم أمام مفترق طرق مع هذا التشريع الجديد الذي ولد من رحم الجدل، إذ تصفه نقابة الصحافيين بأنه "خطوة تنظيمية" طال انتظارها لضبط فوضى السوق، ويراه ناشرون وصحافيون مستقلون بمثابة رصاصة رحمة ستطلق على ما تبقى من استقلالية اقتصادية ومهنية للمنصات الرقمية.
خلال وقت يكافح فيه الإعلام الأردني للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، أعلنت الحكومة عن "نظام تنظيم الإعلام الرقمي لعام 2026" تاركة خلفها عاصفة من الجدل لم تهدأ شرارتها بعد.
فبينما ترى فيه الجهات الرسمية إجراء تنظيمياً لحماية سوق الإعلان من الفوضى والابتذال، يراه ناشرون وصحافيون "مقصلة قانونية" مغلفة ببنود إدارية، تهدف إلى تجفيف منابع تمويل المنصات المستقلة وإخضاع الفضاء الرقمي لسطوة "الضابطة العدلية".
تنظيم أم رصاصة رحمة
يجد الجسم الصحافي الأردني نفسه اليوم أمام مفترق طرق مع هذا التشريع الجديد الذي وُلد من رحم الجدل، إذ تصفه نقابة الصحافيين بأنه "خطوة تنظيمية" طال انتظارها لضبط فوضى السوق، ويراه ناشرون وصحافيون مستقلون بمثابة رصاصة رحمة ستطلق على ما تبقى من استقلالية اقتصادية ومهنية للمنصات الرقمية.
ويرى مراقبون أنه لا يمكن قراءة هذا النظام بمعزل عن الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بالمؤسسات الإعلامية الأردنية. فوفقاً لتقديرات غير رسمية، يستحوذ عمالقة التكنولوجيا على غرار "ميتا" و"غوغل" على حصة الأسد من سوق الإعلان الرقمي في الأردن بنسبة تتجاوز 75 في المئة، بينما تقتات المواقع الإخبارية المحلية على ما تبقى من فتات الموازنات الإعلانية.
وتعاني سوق الإعلان الأردني بطبيعة الحال خللاً هيكلياً حاداً. فبينما تشير التقديرات إلى أن حجم الإنفاق الإعلاني الرقمي في المملكة يصل إلى عشرات الملايين كل عام، تذهب الحصة العظمى منها إلى شركات التكنولوجيا العالمية، وهو ما يدفع المتحمسين للنظام إلى فرض ضوابط مالية تضمن أن يكون للمواقع المحلية المرخصة الأولوية في السوق الوطنية.
وضمن السياق ذاته، يرى متخصصون في الاقتصاد الإعلامي أن النظام قد يخلق احتكاراً للخبر والمعلومة لمصلحة المؤسسات الكبرى التي تملك الملاءة المالية لدفع الرسوم، بينما ستختفي المنصات المستقلة التي تمثل تنوع الآراء في المجتمع.
دخلاء على المهنة
وفي هذا السياق، جاء بيان لجنة الحريات في نقابة الصحافيين ليؤكد أن النظام يهدف إلى خلق بيئة تنافسية عادلة، وترى اللجنة أن مأسسة الترخيص ستحمي المواقع الملتزمة مهنياً من "الدخلاء" و"المبتذلين" الذين يسيئون للمهنة ويستحوذون على حصص إعلانية من دون وجه حق.
وتنطلق المقاربة الرسمية، المدعومة برؤية لجنة الحريات في نقابة الصحافيين، من فرضية مفادها أن الفضاء الرقمي الأردني تحول إلى غابة مفتوحة تفتقر إلى الحد الأدنى من القواعد التنظيمية.
وترى النقابة أن النظام الجديد ليس "أداة قمعية" بل "مظلة حماية" للمؤسسات الصحافية الملتزمة القانون، فالهدف الأساس هو التمييز بين الصحافي المهني الذي يخضع لميثاق شرف وضوابط قانونية، والدخلاء على المهنة الذين يستغلون الفراغ التشريعي لبث محتوى يفتقر للصدقية أو يمارس الابتزاز الإلكتروني تحت لافتة الإعلام.
وتؤكد النقابة في دفاعها عن النظام أنه يأتي استجابة لمطالب قديمة بضرورة "توطين" الإعلام الرقمي وإخضاعه لمنظومة تراخيص واضحة، تضمن حقوق العاملين فيه.
هواجس "الضابطة العدلية"
النقطة الأكثر سخونة وجدلاً في المسودة هي منح صفة "الضابطة العدلية" لموظفي هيئة الإعلام، إذ يرى معارضون أن هذه الصلاحية لغم قانوني، فمن الناحية النظرية يحق لهؤلاء الموظفين مداهمة مكاتب المواقع الإلكترونية ومصادرة السيرفرات أو الأجهزة تحت ذريعة "التفتيش التنظيمي".
وعلى رغم أن لجنة الحريات طالبت بوضوح بحصر هذه الصلاحيات في المخالفات ذات الطابع التجاري والإجرائي فحسب، تكمن مخاوف الصحافيين في "مطاطية" التفسير. ويتضمن النظام فرض رسوم مقابل منح التراخيص أو تجديدها، وهو ما عده ناشرون "جباية مقنعة" تهدف إلى تصفية المواقع الصغيرة التي لا تملك تدفقاً مالياً كبيراً. بينما عدت النقابة الرسوم بمثابة بدل خدمات رمزي ولن تمس المؤسسات المرخصة سابقاً إلا طوعياً.
ويرتفع صوت المعارضين محذراً من بند "الضابطة العدلية" الممنوحة لموظفي هيئة الإعلام، وهي النقطة التي يراها ناشرون بمثابة تهديد لاستقلالية العمل الصحافي. وعلى رغم مطالبات النقابة بحصر هذه الصلاحيات في الجوانب التجارية، فإن غياب النصوص القاطعة التي تمنع المساس بالمحتوى الإعلامي يترك الباب موارباً أمام تأويلات قد تؤدي إلى تكميم الأفواه بأدوات ناعمة.
الذكاء الاصطناعي مرصود
على الزاوية الأخرى تبرز رواية الناشرين والمتضررين من النظام الجديد الذين يعتقدون أن أية كلفة إضافية في ظل تراجع الدخل تُعد محاولة لـ"خنق" المنصات المستقلة ودفعها نحو الإغلاق، مما يعني تأميماً غير مباشر للفضاء الرقمي وحصر الإعلام في المؤسسات الكبرى.
إضافة إلى ذلك يطرق التشريع الأردني باب "الذكاء الاصطناعي" في الإعلام للمرة الأولى، ويسعى إلى وضع أطر قانونية لاستخدام هذه التقنيات باعتباره سلاحاً ذا حدين، مع الخشية من أن يستخدم لتقييد الإبداع الرقمي أو محاسبة المواقع على محتوى جرى توليده آلياً من دون قصد التضليل.
وما بين أطراف النزاع وهذا النظام يبرز سؤال من يملك الحقيقة؟ مع وجود ثلاث قوى فاعلة في هذا الملف المثير للجدل، أولاها الحكومة التي تسعى إلى فرض هيبة القانون وتوطين الإعلان الرقمي وجني عوائد تنظيمية.
إضافة إلى نقابة الصحافيين التي تحاول لعب دور "الوسيط" لكنها تواجه انتقادات داخلية، فضلاً عن تنسيقية المواقع الإلكترونية التي ترى في النظام "قانون مطبوعات جديداً" لكن بصيغة رقمية أكثر تشدداً.
ما بين هذا وذاك يدور تساؤل حول مدى قدرة نظام الإعلام الرقمي على إنقاذ السوق المحلية من الفوضى وتغول المنصات العالمية، أم أن الأردن يتجه نحو إغلاق الفضاء الذي كان يوماً متنفساً للجميع.
لا استهداف لحرية التعبير
يؤكد نقيب الصحافيين طارق المومني أن نظام تنظيم الإعلام الرقمي لم يمس حرية التعبير، لأنها مكفولة بالدستور ولم تكن يوماً محل خلاف بين نقابة الصحافيين وهيئة الإعلام.
وأوضح المومني أن النظام يتعامل مع كل من ينصب نفسه فاعلاً أو ناشطاً ويمارس دور الصحافي أو المؤسسة الإعلامية أو غيرها من المهن من دون سند قانوني، بما ينسجم مع دور النقابة في تنظيم المهنة وملاحقة منتحلي الصفة الذين يمارسونها خلافاً لأحكام القانون.
قضية سياسية بامتياز
أما المتخصص في التشريعات الإعلامية يحيى شقير فيقول إن ثمة فجوة عميقة في القراءات تلامس جوهر العلاقة بين السلطة ووسائل الإعلام في العصر الرقمي، محولاً ملف "التنظيم" إلى قضية سياسية بامتياز تتعلق بالولاية العامة على المعلومة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مكمن الخطر وفق شقير متمثل في منح صفة "الضابطة العدلية" لموظفي هيئة الإعلام، وهو البند الذي أثار رعباً مهنياً كبيراً، وإمكانية تحويل هذه الصفة إلى أداة لـ"اقتحام" غرف الأخبار الرقمية ومصادرة السيرفرات تحت غطاء التفتيش على التراخيص بصورة تتجاوز دور القضاء.
ويشير إلى ضبابية التعريفات في النظام بإقحام "الذكاء الاصطناعي" و"المحتوى الرقمي" في نصوص قانونية مطاطة لا تفرق بين "المحتوى الإخباري" و"التعبير الشخصي".
خط فاصل
وفي قراءة تحليلية لهذا المسار، يرى محللون ومتخصصون منهم الأكاديمي الدكتور محمود الرجبي أن التميز الحقيقي في هذا النظام يكمن في الفصل الذكي بين مساري "الترخيص الإلزامي" و"الاعتماد الاختياري"، مطالباً بالحفاظ على الخط الفاصل بين ما هو "عمل إعلامي محترف" وما هو "تعبير شخصي" لا يجوز إخضاعه لمقص الترخيص.
ويؤكد الرجبي أنه "لا يمكن إغفال الجانب الدستوري الذي يكرسه النظام باستثناء الأفراد والحسابات الشخصية من قيد الترخيص، وهو ما ينسجم مع حق التعبير المكفول للجميع. ومع ذلك، نحن أمام تحدٍ تنظيمي جديد يتطلب التمييز بدقة بين الفرد العادي والمؤثر الرقمي الذي يمارس نشاطاً احترافياً واسع التأثير".