ملخص
أصدر أستاذ التاريخ المعاصر والحديث بجامعة أكسفورد المؤرخ البريطاني جيمس مكدوغال كتاباً بعنوان "عوالم الإسلام: تاريخ عالمي"، يستكشف فيه، بحسب ناشره بييك بوكس، "أصول الإسلام وتحولاته التي طرأت عليه بسب تكيف المسلمين مع تغير الأزمنة والظروف، منذ أواخر العصر القديم وحتى العصر الرقمي".
لعل مسلمين كثيرين يرون في الإسلام ديناً نشأ ببعثة محمد، عليه الصلاة والسلام، رسولاً قبل نحو 1500 عام، وإبلاغه الرسالة في بضعة و20 عاماً، ثم رحيله إلى بارئه تاركاً خلفاء أنشأوا على أساس الرسالة، دولة وحضارة، شهدت انتصارات وانكسارات، فتوسعت في أرجاء الأرض، ثم انقسمت على نفسها عقائدياً وسياسياً، فصارت دولاً متعاقبة ومتجاورة، ومتناحرة أحياناً، وتطورت في مسارات مختلفة. وأحسب أن قليلاً من المسلمين هم الذين قد يعلمون أن الإسلام، وفقاً للقرآن نفسه، هو الدين الوحيد الذي بعث الله به رسله، فـ"الدين عند الله الإسلام"، وما اليهودية والمسيحية والحنيفية وغيرها إلا أسماء لتنويعات مختلفة على نغمة التوحيد الواحدة، وما الموسويون والمسيحيون والمحمديون - كما نسمى في بعض الكتابات الغربية - إلا أسماء مختلفة لأمة واحدة، وذلك أيضاً بنص القرآن: "هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"، لكن ما لا يشيع بين المسلمين اليوم كان يقيناً محركاً للمسلمين الأوئل، بحسب ما يقول مؤرخ بريطاني في كتاب حديث صدر له.
تاريخ العالم
أصدر أستاذ التاريخ المعاصر والحديث بجامعة أكسفورد المؤرخ البريطاني جيمس مكدوغال كتاباً بعنوان "عوالم الإسلام: تاريخ عالمي"، يستكشف فيه، بحسب ناشره بييك بوكس، "أصول الإسلام وتحولاته التي طرأت عليه بسب تكيف المسلمين مع تغير الأزمنة والظروف، منذ أواخر العصر القديم وحتى العصر الرقمي". ولا شك أنها مهمة شاقة، تستوجب لا دراسة 1500 عام فقط، بل دراستها في عشرات من بلاد العالم، بما يضاعف هذه السنين مرات لا أعرف قدرها، فضلاً عن دراسة تواريخ أمم أخرى تقاطعت مع تواريخ الإسلام في كل هذه المناطق. فلا غرابة في أن يقول حسين عمر في استعراضه للكتاب (ذي نيو ستيتسمان – الـ21 من يناير/ كانون الثاني 2026) إن "كتاب ’عوالم الإسلام‘ يثبت أن تاريخ الإسلام هو تاريخ العالم".
ينقل عمر عن مكدوغال أن فاسكو دا غاما "حينما رسا على ساحل كلكوتا بالهند عام 1498 بعد اكتشافه الشهير لأول طريق بحري مباشر بين أوروبا وآسيا، كان دليله رجلاً مسلماً من غوجارات، وهو الذي عرفه بمسلمين من تونس يتكلمون إيطالية جنوى، وإسبانية قشتالة" وبمثل هذه القراءة الجديدة، الدقيقة والمثيرة، لـ"التاريخ الذي عادة ما نراه محصوراً ضمن منجزات الغرب، يذكرنا جيمس مكدوغال بأن تاريخ الإسلام، هذا الدين ذا الجوهر الكوزموبوليتاني، هو ببساطة تاريخ العالم".
في مقدمته للكتاب، يكتب مكدوغال أن الإسلام "في السنين التالية لنشأته في شبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي أصبح قوة تاريخية عالمية من وجهين. الأول، أنه امتد جغرافياً على نطاق عالمي. فظهر في العالم القديم عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا، بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي، ليكون له لاحقاً أثر تحويلي عميق في العالم، إذ صاغه صوغاً جديداً على مدار السنين الألف التالية. ويصل من ذلك العالم، براً وبحراً، إلى جميع أركان الأرض. وثانياً، من ناحية ثقافية، إذ جاء برسالة آمن المؤمنون بها أنها ذات أهمية عالمية، لأنهم آمنوا أن النبي محمداً بتعاليمه وقيادته، أكمل وحي الإله الوحيد الحق، وآمنوا بأن طريقة الحياة التي أوصى بها محمد هي ببساطة الطريقة الوحيدة الصحيحة". ويمضي فيقول إن الإسلام في نظر المؤمنين به، شأن المسيحية، "وحي آت من خارج الزمن، صالح لكل زمن، وأن مهمة المؤمنين به هي نقل رسالته إلى العالم كله".
يحدد عمر أربعة مطالب أساسية يطرحها مكدوغال من خلال عدد كبير ومتسع النطاق من الأمثلة، هي "أولاً: أن يبين أن الفهم الأفضل للإسلام قد يأتي من أطرافه في جنوب شرقي آسيا وغرب أفريقيا وسيبريا وأميركا الجنوبية والصين، وليس من قلبه ومركزه في جنوب غربي آسيا وشمال أفريقيا. ثانياً، أن يبين أن الإسلام وصل إلى كل ركن في كوكب الأرض، وأنه بطريقة أو بأخرى بدل كل مكان وصل إليه، ولا يكاد يوجد مكان في العالم لم يقم بتغيير الإسلام بدوره. ثالثاً، يشير مكدوغال إلى أن هوس الغرب بعلاقة الإسلام بالعنف أعماه عن إدراك أن ضحايا عنف المسلمين هم في أكثر الأحيان من المسلمين. ورابعاً وأخيراً، يؤكد أن الإسلام هو ما يقول من يزعمون أنهم المسلمون، إنه الإسلام، سواء وافق النصوص أم لم يوافقها".
أتصور أن كل هذه المطالب - عدا ثالثها - خلافية، أو أن للمسلمين عليها مآخذ، أو أنها في أفضل الحالات، كحال المطلب الأول، بحاجة إلى مزيد من الإيضاح. فلا شك أن المسلمين يقرون أن الإسلام أحدث تغييراً حيثما حل، لكن لا أحسبهم يقبلون أنه تبدل أو أعيد صوغه في المقابل، فثمة جوهر نقي يؤمن المسلمون أنه باق في القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهذا أيضاً ما يدحض المطلب الرابع في نظر المسلمين في الأقل.
كتابة التاريخ الإسلامي
ولا تمنحنا مقالة عمر، وهي الوحيدة المتاحة عن الكتاب، بجانب مقدمته المتاحة في موقع الناشر، ما يكفي لفهم طرح مكدوغال في جميع هذه المطالب، لأن المقالة تركز بطبيعة الحال على بعض جوانب الكتاب من دون بعضها.
يكتب عمر أن "مكدوغال يرفض طريقتين شائعتين في أيامنا لكتابة التاريخ الإسلامي. الأولى التي يؤثرها صقور السياسة والمراكز البحثية ممن يرون في الغالب أن "الإسلام مشكلة لا بد من حلها"، وترى هذه الطريقة الإسلام ديناً متشدداً، ذا طبيعة قانونية غير معتادة، خاضعاً لسيطرة النص وآراء المتشددين في تأويله. والطريقة الثانية شاعت خاصة في الدوائر الليبرالية بعد الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، وحاولت تعريف ’الإسلام الحق‘ من خلال الممارسات الأكثر موافقة للتعددية الثقافية والحرية الدينية، فسعت من خلال التركيز على الدين الشعبي والفكر الصوفي، إلى أن تبرز تعددية ما تعتقد أنه الإسلام وأن تبرز أيضاً أن تطبيق الإسلام نادراً ما توافق مع نظرية الإسلام".
في كتابته لتاريخ الإسلام في العالم "يرفض مكدوغال كلتا الطريقتين، ويقاوم إغراء محاباة التشدد على التجديد، أو العقلانية على الصوفية، بقدر ما يرفض معاملة معتنقي الإسلام الغربيين باعتبارهم أشد أو أقل إسلاماً ممن ولدوا مسلمين. فيتعامل بقدر واحد من الجدية مع تكوينات من قبيل جماعة ’أمة الإسلام‘ في الولايات المتحدة، ويتعامل مع أساطير النشأة التي تتخيل انتساب أسرة حاكمة فيليبينية إلى النبي محمد [صلى الله عليه وسلم]. بمثل جدية تعامله مع اعتقاد ’أمة الإسلام‘ بأن البشر بيض البشرة خلق عارض ناجم عن خطأ في تجربة معملية، وعبر ذلك يبين مكدوغال أن الإسلام هو ما يقول من يصفون أنفسهم بالمسلمين إنه كذلك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"يشير مكدوغال مراراً إلى أن عنف الجماعات الإسلامية المتشددة كثيراً ما يتوجه إلى المسلمين أنفسهم لا إلى خصومهم ’الكفار‘ خلافاً للاعتقاد الشائع، فـ’جهاد‘ تنظيم ’داعش‘، بحسب ما يذكرنا الكاتب، كان في المقام الأول ’حرباً حول الإسلام مع مسلمين آخرين، ولم يكن إلا بصفة ثانوية حرباً من أجل الإسلام ضد غير المسلمين. وقد سعى التنظيم إلى حرب عالمية، وأعلن مسؤوليته عن هجمات إرهابية في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة وكندا وإسرائيل وموزمبيق وأستراليا ونيويلندا والفيليبين، لكن الغالبية العظمى من ضحاياه كانت من المسلمين في بلاد غالبية شعوبها من المسلمين‘".
"ويقتضي الاعتراف بأن الحرب من أجل الإسلام كانت في الغالب حرباً داخل الإسلام نفسه، نوعاً من التواضع الفكري. والتواضع حيال المواضيع التي يدرسها، حاضر في كتاب مكدوغال كله. فهو يذكرنا على سبيل المثال بأن المنتمين إلى مجتمع الجنس الثالث المعروف في إندونيسيا بالـ’بيسو‘، (وثمة اعتقاد بأنهم نسل مخنث لإله القمر وأن لهم قدرات سحرية)، باتوا يعتبرون مهرطقين اعتباراً من ستينيات القرن الـ20 على رغم أنهم يعدون أنفسهم مسلمين. ويبين مكدوغال أن نشأة البيسو سابقة على الإسلام في جنوب آسيا، وبروح التاريخ الكوزموبوليتاني يذكرنا بأن كثيراً مما نفهم أنه ’إسلامي‘ إنما هو ذو مصدر مختلف تماماً".
"ومن أوضح المواضع التي يطرح فيها مكدوغال هذه الرؤية المناقضة للشائع عرضه لقصة نشأة الإسلام، وهذه مسألة حساسة، فالإسلام في نظر كثير من المسلمين نشأ كاملاً مكتملاً في مكة القرن السابع، حتى لو كان متصلاً بمعتقدات كتب المسيحيين واليهود السابقة على الإسلام. والسرعة المذهلة التي تمكن بها أتباع الإسلام من حكم أراض شاسعة، من قلب الصين إلى سواحل الأطلسي في المغرب دليل في ظنهم على العناية الإلهية".
تنقيح روايات المسلمين
"غير أن عدداً من المؤرخين بدءاً من سبعينيات القرن الماضي سعوا إلى تنقيح روايات المسلمين عن نشأة دينهم، فوصموها بالسذاجة ونفوا إمكان الثقة فيها. فأشاروا إلى أن تلك النجاحات العسكرية النادرة غامضة وأن غالب ما نعرفه عن محمد، وفقاً للروايات الإسلامية، يرجع في الواقع إلى ما بعد وفاته بـ100 سنة. وسواء من خلال دراسات أكاديمية معقدة ومثيرة عمداً للجدل لأمثال باترشيا كرون ومايكل كوك اللذين ذهبا إلى أن الإسلام حركة مشيحانية يهودية تركزت على القدس، أو من خلال ضحالة عمل باحث الكلاسيكيات الذي اعتنق المسيحية توم هالاند، فإن زعم هذه الروايات التاريخية التنقيحية حول نشأة الإسلام يقتصر على أن الكتاب المسلمين ليسوا أهلاً للثقة بصفة عامة، وأنهم كانوا يضمرون دوافع سياسية في تعبيرات دينية، وأن طبقاتهم الحاكمة كانت تفتقر إلى النضج الفكري الذي نجده عند شعوب المسيحيين واليهود والزرادشتيين الذين حكموهم".
أما مكدوغال فيضع نشأة الإسلام ضمن شبكة من الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية، فلا هو يهون من النجاحات غير المسبوقة للتوسع الإمبريالي الإسلامي في بداياته، ولا هو يضع نمو الإسلام الإعجازي خارج التاريخ البشري. وإنما يذكرنا بأن المصادر المسيحية المعاصرة تقريباً لحياة محمد [ص]، وهي أساساً باللغة السريانية، تدعم كثيراً من مزاعم الكتاب المسلمين. إذ تؤكد البرديات والنقوش أن التقويم الهجري الإسلامي انتشر بسرعة فائقة، متقدماً بقرن على تبني نظام التأريخ بميلاد المسيح قبل 600 سنة، ولذلك فإن مزاعم المسلمين الأوائل في شأن أنفسهم كانت أشد صدقية بكثير مما يذهب إليه منتقدوهم التنقيحيون المعاصرون".
"أما تنقيحات مكدوغال نفسه فلا تقوم على أساس التعصب، وإنما العكس. فهو عندما يعيد النظر في قصة بدايات الإسلام، فإنه يهدم بهدوء إجماع ما بعد 11 سبتمبر على مفاهيم من قبيل أن ’الجهاد‘ رمز لآخرية الإسلام [أي اختلافه ومنافاته للأنا الغربية]، فإن أصول ’الجهاد‘ ترجع في الواقع إلى كيانات سياسية شديدة المسيحية. وأن سمات ’الجهاد‘ تحددت أول ما تحددت في الفكر السياسي البيزنطي في العقود السابقة مباشرة على ظهور الإسلام، إذ يذكرنا مكدوغال بأن ’هجوم فارس، في نظر البيزنطيين، لم يكن يهدد إرث روما فقط وإنما إمبراطورية المسيح على الأرض. وللمرة الأولى، أعلنوا حرباً مقدسة للدفاع عن العقيدة الحقة، واعدين كل من يسقط صريعاً في الكفاح بإكليل الشهادة والدخول الفوري إلى الفردوس‘".
وينبه عمر إلى أن مكدوغال يرمي بهذا التفكيك إلى نفي آخرية الإسلام، وهو أمر شديد الأهمية لأن "الكتابات الأنغلوفونية عن المسلمين تقوم على افتراضات مسبقة باختلاف هذا الدين وأتباعه، (وهي افتراضات ساذجة أحياناً ومتعصبة كثيراً)". كما أن تفكيكات مكدوغال "تبين كيف ولماذا تفشل جهود التصوير الكاريكاتوري المرفوض للإسلام لدى بعض كتاب أوروبا وأميركا الشمالية"، فالاستشراقية لا تصور الإسلام وحده نمطياً، متجانساً وثابتاً جوهرياً، ولكنها تخلع هذه النمطية على فكرة "الغرب" أيضاً. ويضرب عمر مثلاً بهذا التفكيك في سرد مكدوغال لقصة نشأة الدولة العلمانية في العالم الإسلامي في القرن الـ19، إذ يضعها جنباً إلى جنب مع قصة "الدولة العلمانية" في الغرب التي يعيد النظر فيها. "ومن خلال إعادة كتابة تاريخ الاثنتين، يبين مكدوغال أن قصة ’الفشل الإسلامي‘ هي في الحقيقة وهم تفاؤلي، إذ يكتب مكدوغال:
"لم تكن المساواة الدينية للجميع، وحياد الدولة العلمانية في المجال الديني، راسخة في أوروبا. فالتحرر الكاثوليكي لم يحدث في بريطانيا إلا في عام 1829، والمساواة المذهبية لم تكن واقعاً في أيرلندا في ظل الحكم البريطاني. وفي ألمانيا، يخاض ’الصراع الثقافي‘ على الحياة السياسية وولاء الكاثوليك الألمان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الـ19. والفصل الرسمي بين الكنيسة والدولة بقي أشد الصراعات إثارة للجدل في فرنسا حتى تم ترسيخه قانوناً عام 1905. وأصدرت روسيا أصخب جلبة لها في شأن الحاجة إلى حماية شعوبها المسيحية من غارات العثمانيين، لكن يهود روسيا كانوا يتعرضون للمذابح والمسلمين يتعرضون التهجير بالآلاف من القرم والقوقاز، فلم تكن المساواة الدينية في الأراضي العثمانية آنذاك تتعلق باللحاق بركب أوروبا الأكثر استنارة".
يشير عمر أخيراً إلى أنه لا يمكن لكتاب واحد، وإن يكن أفضل وأدق عرضاً للإسلام، أن يغلب النزعات الاستشراقية التي سيطرت ولا تزال تسيطر على الكتابات التي تتناول الإسلام، إذ يجب في رأيه أن تستهدف الكتابة أيضاً التاريخ والأوهام المضللة التي يقوم عليها فهمنا لما يعرف بـ"الغرب". "فالغرب هو الكيان الذي يقاس عليه الإسلام فيعد قاصراً. ومثلما يبين مكدوغال ببراعة، ومن المفارقة أيضاً، أن إعادة كتابة تاريخ تاريخ الإسلام تعني نقض أعز افتراضاتنا عن الغرب. فليس الأمر أن تاريخ الإسلام هو تاريخ العالم، كما يبين كتاب عوالم الإسلام، ولكن كتابة تاريخ الإسلام تستوجب نقض كثير مما نحسب أننا نعرفه عن العالم".
العنوان: Worlds of Islam: A Global History
تأليف: James McDougall
الناشر: Basic Books