ملخص
من الواضح أن هذا الوضع الساكن شبه المسرحي، يتيح لهمينغوي أن يحوّل الزمن الخارجي إلى مساحة تأمل جواني حيث تتدفق ذكرياته غير المكتوبة على صورة شذرات من حياة كان يفترض بها، وبصورة طبيعية، أن تتحول إلى أعمال أدبية، والحقيقة أن عنوان القصة نفسه يحمل منذ البداية دلالة جوهرية، فـ"ثلوج كليمنجارو"، ذلك الجبل الأفريقي الذي تعلو الثلوج قمته على رغم قربه من خط الاستواء، ترمز إلى النقاء المطلق، وإلى مثال أعلى عسير المنال.
حتى وإن بدت الأمور على غير ما يمكننا أن نقترح هنا، من المؤكد أن إرنست همينغوي يكاد يكون الأكثر ذاتية بين الأدباء "الشعبيين"، أي الأكثر مقروئية على صعيد العالم كله وفي شتى الفئات والثقافات، بين مجمل كتّاب العالم الذين يحتلون مكانة متقدمة مريحة بين الأدب الجماهيري الذي غالباً ما يتسم بدرجات متفاوتة من السطحية، والأدب النخبوي الذي من طبيعته ألا يقرأ إلا في صفوف جمهرة من القراء محدودة العدد سامية الثقافة، وهو يحتل في مكانته تلك حيزاً يشاركه فيه كتاب كبار آخرون (غراهام غرين أو ألبرتو مورافيا أو حتى أندريه مالرو) ليس من الضروري أن يكونوا تجريبيين أو ذوي أساليب ولغات شديدة الخصوصية.
فبعد كل شيء يمكننا أن نقول إن همينغوي، وفي هذه الفئة بالذات من الكتّاب، نادراً ما كتب خارج إطار تجاربه الحياتية الخاصة بحيث قد ينطبق عليه ما قاله يوماً زميل فرنسي له، هو الآن روب غرييه الذي، بعدما عاش وكتب طوال ما يقرب من ثلثي قرن اعتبر خلالها كاتباً تشييئياً بامتياز، طلع قبل رحيله بأعوام قليلة بكتاب مذكرات، كان أهم ما أعلن فيه أنه في حقيقة الأمر لم يكتب إلا عن ذاته، بيد أن همينغوي لم يكن في حاجة إلى مثل ذلك الإعلان، فهو لم يخفِ أبداً ارتباط كتابته وعشرات النصوص التي كتبها، بحياته وتجاربه وحتى بمغامراته الخاصة.
النص الأكثر ذاتية، غير أن هذا شيء، وشيء آخر، أن يذهب في واحد من نصوصه وبالتحديد في قصته الطويلة، وكان هو يفضل أن يقال، في روايته القصيرة، "ثلوج كليمنجارو" إلى "أبعد" و"أعلى" ما يمكن لكاتب "متحضر" أن يتوغل فيه ليستدعي كتابته نصاً سيبدو لاحقاً الأكثر ذاتية بين كل ما كتبه، فأمر يحتاج إلى وقفة حقيقية تغمرها علامات التعجب والاستفهام، ففي الواقع تعتبر "ثلوج كليمنجارو" (1936)، واحدة من نصوص هذا الكاتب الأميركي الكبير، الأكثر كثافة من ناحية البعد الوجودي الذي تطل عليه، ومن ثم القصة الأكثر انفتاحاً على سيرة الكاتب نفسه من بين كل ما كتب. فهي في نهاية المطاف، ليست كما قد تلوح للوهلة الأولى، مجرد حكاية عن رجل يحتضر في مجاهل السافانا الأفريقية، بل نص اعترافي قاس عن الفشل والموهبة المهدورة، والخيانة التي يرتكبها الكاتب حين يساوم على صوته الداخلي مقابل الراحة أو التسلق الاجتماعي.
وتدور القصة من حول كاتب أميركي أصيب بالغرغرينا أثناء رحلة صيد يقوم بها في أفريقيا وجد نفسه ممدداً قرب خيمته في انتظار طائرة قد تأتي لإنقاذه أو لا تأتي، لكنه ليس وحده بل هناك إلى جانبه زوجته الثرية هيلين التي تحاول التخفيف عنه في وقت يدرك هو، بوضوح لا لبس فيه، أن موته يقترب.
ومن الواضح أن هذا الوضع الساكن شبه المسرحي، يتيح لهمينغوي أن يحوّل الزمن الخارجي إلى مساحة تأمل جواني حيث تتدفق ذكرياته غير المكتوبة على صورة شذرات من حياة كان يفترض بها، وبصورة طبيعية، أن تتحول إلى أعمال أدبية، والحقيقة أن عنوان القصة نفسه يحمل منذ البداية دلالة جوهرية، فـ"ثلوج كليمنجارو"، ذلك الجبل الأفريقي الذي تعلو الثلوج قمته على رغم قربه من خط الاستواء، ترمز إلى النقاء المطلق، وإلى مثال أعلى عسير المنال.
قمة بيت الإله ونحن على أية حال، ومنذ مفتتح القصة، نقرأ الإشارة إلى أن قمة الجبل تسمى عادة "بيت الإله" في توصيف يمنح الثلج معاني الطهارة والسمو، في مقابل الجسد المعفن للكاتب هاري، الممدد في أسفل السفح، وهنا يقوم التضاد الأساس بين ما كان يمكن أن يكون، وما آلت إليه الحال في واقع الأمر.
ومهما يكن من أمر نحن ندرك منذ البداية أن هاري ليس نادراً لأنه سيموت موتاً أكيداً، لكنه نادم على أشياء لم يكتبها طوال حياته الماضية وها هنا يكمن الجوهر المأسوي في القصة، فلقد عاش هاري تجارب استثنائية خلال خوضه الحروب وحياة الفقر والجوع والحب، وطاف في المدن الأوروبية لكنه حتى حين كانت تأتيه الأفكار لكي ينقلها إلى الورق، أجّل النقل دائماً متذرعاً بأنه "حتماً سيفعل لاحقاً"، لكن تلك الوعود لم تتحقق أبداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من هنا يتحول موته الآن إلى لحظة حساب نهائي لا مع الذات الأخلاقية وحدها بل مع الذات الإبداعية كذلك، ولنضف إلى هذا هنا أن هيلين، الزوجة الثرية، لا تقدم في القصة كامرأة شريرة كما قد تبدو الأمور عليه للوهلة الأولى، بل هي امرأة تحب زوجها وتحنو عليه وتريد حقاً إنقاذه، ومع ذلك ها هو هاري يحملها مسؤولية الانحراف الذي يراه في خلفية الحياة التي عاشها مؤجلاً كل وعد فيها إلى زمن لاحق. فبسببها، كما يفكر ويقول، انتهى به الأمر إلى أن يستبدل بالعيش الصعب الذي كان من شأنه أن يغذي الكتابة، حياة غاية في السهولة والراحة إلى درجة أنها قتلت أحاسيسه، وهنا يلمس همينغوي فكرة بالغة الخطورة: فكرة مفادها بأن استكانة المبدع إلى الراحة قد تكون عدوة للإبداع، وأن الكاتب الذي يهادن العالم إنما يخون تجربته.
تحليل نفسي قسري في الأحوال كافة لا بد من القول إن هذه القصة صالحة لأن تقرأ بوصفها نصاً نفسياً بامتياز، إذ يتحول الاحتضار الجسدي، إلى عملية كشف جواني أشبه بجلسة تحليل نفسي قسرية، يجبر فيها البطل على مواجهة ذاته العميقة من دون أقنعة ومن دون مواربة، فالكاتب هاري المحتضر، لا يصارع هنا الموت بقدر ما يصارع ذاكرته، وذاكرته هنا ليست خزاناً للحنين، بل مسرحاً لتوجيه الاتهام، ومن منظور نفسي فإن الغرغرينا التي تنهش في جسد هاري ليست مجرد عارض جسدي، بل هي رمز لتعفن داخلي أقدم: تعفن رغبة الكاتب في الكتابة، وتآكل علاقته بذاته الإبداعية، فالجسم يقول هنا ما حاول الوعي دائماً إنكاره.
هاري كما أهمل جرحه الصغير حتى استشرى، أهمل أيضاً موهبته وتركها بلا ممارسة، بلا كتابة، حتى ماتت قبل موته بل مهّدت لذلك الموت. ولعل من اللافت هنا أن هاري الذي سبق أن أشرنا قبل سطور إلى أنه ليس خائفاً من الموت، لا يشعر في نهاية الأمر إلا بمرارة هي لديه أقسى من الموت، ذلك لأنها مرتبطة بماضيه ولا تعني شيئاً لا بالنسبة إلى حاضره ولا طبعاً بالنسبة إلى مستقبله.
ففي النهاية تقول لنا الرواية إن الخوف يكون عادة مرتبطاً بالمستقبل والخوف منه وعليه، بينما المرارة مرتبطة بما مضى. هاري يعيش في زمن نفسي مغلق حيث لا وجود فيه لأي غد، بل فقط لذكريات غير منجزة، ومن هنا تعمل الذاكرة في هذه القصة، بوصفها لا وعياً متفجراً يفرض حضوره حين يسقط القناع عن وجه الحياة اليومية بفعل عامل خارجي - داخلي في الوقت نفسه، هو في هذه القصة القاسية الغرغرينا المزدوجة التي تقتل الكاتب بمعنيي القتل، المادي والمعنوي، فهل علينا بعد هذا كله أن ندهش لكون كاتب هذه القصة قد مات انتحاراً؟