Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرأة التي تقف بين دونالد ترمب وغرينلاند

"نيويورك تايمز" تنشر مقابلة نادرة مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن تتناول صداماتها الحادة مع الرئيس الأميركي

رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن (أ ف ب)

ملخص

الاستراتيجية الدفاعية التي صاغتها رئيسة وزراء الدنمارك بعناية ودقة أسهمت في منع من الاستيلاء على غرينلاند بسهولة، فعلى مدى أشهر، رسمت فريدريكسن خطوطاً حمراء عدة، لإيصال رسالة واضحة لترمب مفادها المحافظة على سيادة الدنمارك.

اعتادت ميته فريدريكسن بغض المتنمرين منذ طفولتها، ففي المرحلة الثانوية تصدت لمجموعة من الطلاب الذين يسخرون من الأطفال المهاجرين، لكنها تلقت إثر ذلك لكمة في الوجه. بعدما أصبحت رئيسة لوزراء الدنمارك، مثلت المواجهة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكبر تحد لها، لكنها حتى الآن تمكنت من تفادي لكمة أخرى، ولو موقتاً، كانت ستؤدي إلى خسارة بلادها لإقليم غرينلاند، أكبر جزيرة غير قارية بمساحة مليوني كيلومتر مربع.

منذ أن عاد ترمب إلى البيت الأبيض وهو يجند أوراقه السياسية والخطابية للاستيلاء في الإقليم الدنماركي الشاسع أو شرائه، لكن هذه المحاولات اصطدمت بالموقف الأوروبي الرافض. وعلى رغم تصاعد تهديداته، فإن ترمب أخذ خطوة إلى الوراء فيما يبدو، بحسب "نيويورك تايمز"، ففي الخطاب الذي ألقاه أمام منتدى "دافوس، استبعد الرئيس الأميركي استخدام القوة، قبل أن يقول إنه توصل إلى إطار لصفقة محتملة مع قادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" من شأنها إرضاء الجميع.

تقول "نيويورك تايمز" إن عوامل عدة أسهمت في تراجع ترمب منها تنامي المعارضة داخل الكونغرس الأميركي، وتراجع الأسواق المالية، لكن ما لا شك حياله هو أن الاستراتيجية الدفاعية التي صاغتها رئيسة وزراء الدنمارك بعناية ودقة أسهمت في منع من الاستيلاء على غرينلاند بسهولة، فعلى مدى أشهر، رسمت فريدريكسن خطوطاً حمراء عدة، لإيصال رسالة واضحة لترمب ترفض طلبه بالاستحواذ على غرينلاند، من دون أن تستفزه إلى العودة للتهديدات، كما رفضت إحدى صور التسوية المقترحة المتمثلة في فرض السيادة الأميركية على القواعد العسكرية في الإقليم الدنماركي.

تهدئة غير مستدامة

في منزل قديم يطل على البحر في غرينلاند، سألت الصحيفة الأميركية رئيسة الوزراء الدنماركية عما إذا كانت تعتقد أن ترمب "يتصرف كمتنمر"، فأجابت قائلة، إنه "قادر على التعبير عن نفسه بوضوح شديد، وأنا كذلك". هذا الموقف المتمسك بسيادة غرينلاند أسهم بتعزيز شعبية فريدريكسن، إذ تظهر استطلاعات الرأي في الدنمارك تقدماً لافتاً لحزبها، ومع قرب الانتخابات في وقت لاحق من هذا العام، تشير المؤشرات إلى أنها في طريقها للفوز بولاية ثالثة.

لكن التهدئة الحالية لا تعني نهاية مطامع ترمب في غرينلاند، التي تعبر عن هوس متجذر تاريخياً، ومدفوع بحسابات المنافسة مع الصين، فترمب ليس أول رئيس يضع عينه على هذه الجزيرة، إذ سبقه هاري ترومان الذي عرض 100 مليون دولار لشرائها، وإذا ما تمكن ترمب انتزاعها، فسيكون ذلك أكبر توسع إقليمي في تاريخ الولايات المتحدة.

أما الأسباب فكثيرة، إذ تمتاز غرينلاند بموقع استراتيجي عسكري لكونها نقطة وصل بين أميركا الشمالية وأوروبا، وتتمتع بثروة هائلة من المعادن الأرضية النادرة والضرورية في سياق المنافسة بين واشنطن وبكين، وبحسب معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، فإن أهمية الجزيرة لصناعات التكنولوجيا المتقدمة تكمن في احتوائها على ثاني أكبر رواسب في العالم، ناهيك عن الاحتياطات الضخمة من النفط والغاز الطبيعي التي يحظر استخراجها لأسباب بيئية.

أما بالنسبة إلى فريدريكسن، التي وصلت إلى السلطة عام 2019 كأصغر رئيسة وزراء في تاريخ الدنمارك، فإن النزاع يحمل طابعاً وجودياً لا لبس فيه، إذ يهدد هوية بلادها وتركيبتها ومكانتها على الساحة الدولية. وفي ظل هذا النزاع، يبدو مستقبل سكان غرينلاند البالغ نحو 56 ألف نسمة أكثر غموضاً وتعقيداً من ذي قبل، فعلى رغم أن الإقليم يتمتع بحكم ذاتي، فإنه يسعى نحو الاستقلال، وهو حلم تراجع في قائمة الأولويات بسبب مطامع ترمب التي دفعت المسؤولين في غرينلاند والدنمارك إلى التقارب وتأجيل مساعي الاستقلال.

التكتيكات الدنماركية 

سلط ترمب كل سياطه الخطابية على أوروبا في سبيل الاستيلاء على غرينلاند، فبعد خسارته جائزة نوبل، قال إنه سيتخلى عن مساعي السلام ويمضي قدماً في ملف غرينلاند. ربما لم تستطع الدنمارك مجاراته خطابياً، لكنها اتخذت إجراءات لتعقيد مهمته، حركت أوروبا للتعبير علناً عن دعمها لسيادة الدنمارك، كما استقبلت جنوداً من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وآيسلندا تحت غطاء التدريب في القطب الشمالي.

تلفت "نيويورك تايمز" نقلاً عن المعلق السياسي الدنماركي بينت فينتر إلى أن استراتيجية فريدريكسن محفوفة بالأخطار لأنها شملت استدعاء قوات عسكرية وأمنية أجنبية وإن كانت بأعداد محدودة لا تتجاوز بضع عشرات، لكن أهميتها تكمن في أنها حملت رسالة واضحة بأن أي عمل عسكري قد يقدم عليه ترمب "سيكون قبيحاً ووحشياً للغاية"، وكان مغزى الرسالة، كما قال فينتر، هو، "إذا أردت الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، فعليك أن تكبل ضباطاً بريطانيين وفرنسيين وألمان بالأصفاد".

 

مثل استدعاء الجنود الأجانب ذروة التأهب في الدنمارك لأي خطوة ترمبية، بعد أسبوعين من العملية الأميركية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأظهرت استعداد الرئيس الأميركي لاستخدام القوة، لكن رئيس الوزراء الدنماركية ليست حديثة عهد بتهديدات ترمب، فبعد أسابيع من توليها المنصب 2019، دخلت في مواجهات كلامية مع ترمب، وعندما اقترح ترمب شراء غرينلاند خلال ولايته الأولى، رفضت فريدريكسن الفكرة ووصفتها بأنها "سخيفة" مما دفع ترمب إلى إلغاء زيارته إلى كوبنهاغن. 

وفي السابع من يناير (كانون الثاني) 2025، أي قبل تنصيبه، لمح ترمب إلى اللجوء للقوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند، وفي اليوم نفسه، أجرى نجله البكر زيارة خاطفة إلى عاصمة غرينلاند، قيل إنها لأغراض تجارية، وضمت رحلته مجموعة من مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي المؤيدين لترمب، الذي حملوا الأعلام الأميركية، ووزعوا أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار، ما أثار استياء كثير من سكان غرينلاند.

 

في الأسبوع التالي أجرت فريدريكسن اتصالاً هاتفياً مع ترمب، وبدلاً من أن يفهم الطرفان بعضهما، تحولت المكالمة إلى مشادة محتدمة، وتعرضت رئيسة الوزراء الدنماركية إلى توبيخ من ترمب لمدة 45 دقيقة وفقاً لمسؤولين أوروبيين. في المقابلة الأخيرة رفضت فريدريكسن التفصيل في فحوى ذلك الاتصال، واكتفت بالقول إنها "مكالمة هاتفية بين زميلين ويجب معاملتها هكذا".

خلفيتها السياسية

في استعراضها للمقابلة تصور "نيويورك تايمز" ثقة رئيسة الوزراء وهدوءها كعامل حاسم في المواجهة الدنماركية مع ترمب، وهي سمات ورثتها من والدها فليمنغ فريدريكسن، الذي كان زعيماً نقابياً وعضواً ناشطاً في الحزب الاشتراكي الديمقراطي وفق مؤلف سيرتها الذاتية السيد فينتر. وقالت فريدريكسن خلال اللقاء: "عندما يسألني الناس: متى بدأت الاهتمام بالسياسة؟ لا أعرف ماذا أقول. لا أستطيع أن أتذكر وقتاً لم أكن فيه مهتمة بالسياسة". وأشارت إلى أنها كانت خجولة، لكنها في الوقت نفسه صلبة وحادة.

انضمت في بداياتها السياسية إلى الجناح الشبابي للمؤتمر الوطني الأفريقي، ثم حققت صعوداً سريعاً في صفوف الجناح الشبابي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، وفازت بعمر الرابعة والعشرين بمقعد في البرلمان الدنماركي عام 2001، حيث عملت بثقة استثنائية، يصفها فينتر بقوله، "تلك الثقة التي لا يشعر بها الإنسان إلا عندما يكون شاباً جداً". وبالتوازي مع ملابسها غير الرسمية وشعرها الأشعث آنذاك، سرعان ما اكتسبت سمعة كمتحدثة عامة قوية، لا تخشى مواجهة القيادات الحزبية المخضرمة.

 

اتسمت فترة حكم فريدريكسن بالأزمات، فخلال جائحة كورونا، أصدرت حكومتها قراراً مفاجئاً بإعدام الملايين من حيوانات المنك، خوفاً من انتقال الفيروس من خلالها، وهو قرار مثير للجدل، أدى إلى استقالات عدة من مناصب عليا، لكنها تجاوزت تداعيات ذلك القرار، وفي النهاية نسب إليها الفضل في الإبقاء على معدلات إصابة منخفضة نسبياً، مع استمرار الخدمات العامة.

وبعدما شنت روسيا الحرب على أوكرانيا، دعت فريدريكسن إلى تحرك أوروبي حازم، وكانت من أوائل القادة في القارة الذين تعهدوا بتزويد الجيش الأوكراني بمقاتلات F-16، وعززت إنتاج الأسلحة دعماً لأوكرانيا.

وفي ملف الهجرة، أقرت بعضاً من أشد سياسات اللجوء صرامة في أوروبا، من بينها استخدام مراكز إيواء خارج البلاد وفصل العائلات، وتعرضت هذه الإجراءات لانتقادات منظمات حقوق الإنسان، لكنها أسهمت في تقليص أعداد الوافدين بصورة حادة، وعززت موقعها سياسياً.

عندما التقت بها "نيويورك تايمز" في سبتمبر (أيلول) 2025 كانت فريدريكسن تزور غرينلاند لتقديم اعتذار عن قيام أطباء دنماركيين بإجبار نساء من غرينلاند على وسائل منع الحمل، في إطار إرث استعماري طويل من الانتهاكات.

 

يشيد معظم المحللين السياسيين في الدنمارك بإدارة فريدريكسن لملف غرينلاند، إذ يقول الأكاديمي المتخصص في شؤون غرينلاند أولريك برام غاد "يصعب عليَّ حقاً أن أجد أخطاءً كبيرة"، مشيراً إلى أن فريدريكسن، أحسنت التنسيق مع المسؤولين الغرينلانديين في وجه تصعيد ترمب، ونجحت في حشد عواصم أوروبية مثل لندن وباريس "لإيصال رسالتنا عبر أصوات الآخرين".

يدرك أهالي غرينلاند حاجة الدنمارك إلى إقليمهم، فبسيادتها عليه، تحل الدنمارك في المرتبة الـ12 في قائمة أكبر دول العالم من حيث المساحة، مما يضمن لها مقعداً في مجلس القطب الشمالي، وهو المنتدى الدولي الأبرز لشؤون المنطقة القطبية، ويحافظ على علاقتها الخاصة والمتوترة حالياً مع الولايات المتحدة، التي تتولى حماية غرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية، وتدير قاعدة عسكرية في أقصى شمال الجزيرة، وفق الصحيفة.

يقول بيلي بروبرغ وهو زعيم حزب سياسي غرينلاندي مناهض للدنمارك "حين لا تعود غرينلاند جزءاً منها، ستفقد الدنمارك 98 في المئة من مساحتها، لذلك الأمر بسيط جداً. هم مهمون ما داموا يملكوننا". وفي ضوء مطالب أهالي غرينلاند، أكدت فريدريكسن دعمها لاستقلال الإقليم، وقالت، "مستقبل غرينلاند ملك لشعب غرينلاند". مضيفة، "نحن أقرب اليوم إلى شراكة بين بلدين يعملان معاً، لا إلى علاقة مستعمر قديم بكل ما تحمله من إرث".

وخلال مقابلة استمرت خمسين دقيقة، تحدثت فريدريكسن عن السياسة الخارجية، وأوضحت أن أولويتها الحفاظ على تحالف أوروبا مع أميركا قوياً أو في الأقل قائماً. وقالت، "أنا أؤمن حقاً بأن كل شيء كان سيسير على نحو كارثي في أوروبا لولا إنزال النورماندي، والدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة في إنهاء الحرب العالمية الثانية"، وأضافت مخاطبة الأميركيين، "أنتم أنقذتمونا. وبالمناسبة، فعلتم ذلك مراراً وتكراراً"، مؤكدة أن ستفعل كل ما بوسعها لإبقاء الشراكة الدنماركية – الأميركية، وحل الصراع.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات