ملخص
غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تواجه إرثاً مظلماً من سياسات دنماركية قسرية كمنع الحمل وخطف الأطفال، وسط أطماع أميركية متجددة للاستحواذ عليها بقيادة ترمب، فيما يتمسك سكانها بخيار الاستقلال التدريجي وتقرير المصير على رغم التحديات الاقتصادية والاعتماد على كوبنهاغن.
تتجه أنظار الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمجتمع الدولي حالياً نحو غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، والتي تحولت على رغم ضآلة سكانها البالغ عددهم 57 ألف نسمة إلى بؤرة مشتعلة للتجاذبات الجيوسياسية، في صراعٍ بات أكثر حدة وخطورة في أعقاب العملية العسكرية الأميركية الأخيرة في فنزويلا.
ولم يخفِ الرئيس الأميركي ترمب طويلاً رغبته في "شراء" غرينلاند، ولم يستبعد اللجوء إلى القوة العسكرية للحصول عليها، على رغم أن ذلك سيتسبب بضرر جسيم لحلف "الناتو". فالجزيرة وعلى مدار قرون ظلت جزءاً من مملكة الدنمارك، وهي عضو في هذا الحلف، وبالتحديد منذ وصول المبشر النرويجي-الدنماركي هانز إيغيده Hans Egede عام 1721.
المبشر هانز إيغيده الذي يُخلد ذكراه نصب تذكاري مثير للجدل موجود في عاصمة غرينلاند "نوك" بات يُنظر إليه على أنه رمز للهيمنة الاستعمارية. فهو ليس إلا حلقة في سلسلة طويلة من تاريخ معقد وقاتم يربط الدنمارك بغرينلاند، تاريخ أثقلته مظالم عمرها قرون وفضائح لا تزال حية في ذاكرة الأجيال المعاصرة.
وعلى رغم أن إدارة ترمب قد ترى في كراهية سكان غرينلاند للدنمارك وقوداً لإذكاء حملة "لنجعل غرينلاند عظيمة مجدداً"، إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة. فالسكان المحليون يتوجسون خيفةً من مجرد استبدال قوة أجنبية متسلطة بأخرى مماثلة. ولعل صورة دونالد ترمب الابن وهو يقف مبتسماً أمام تمثال هانز إيغيده برفقة مرافقيه، خلال زيارته "السياحية" قبل تنصيب والده عام 2025، لا شك تُعزز هذا القلق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بالنسبة إلى غالبية سكان الجزيرة فإن الاستقلال التام هو الخيار الأول إذ كشف استطلاع للرأي أُجري في عام 2025 أن 56 في المئة من السكان سيصوتون بـ"نعم" في حال إجراء استفتاء. وقد دخلت المغنية الأيسلندية بيورك على خط الأزمة مطلع الأسبوع الماضي وقالت في منشور لها على "إنستغرام" إنها تتمنى "لكل أهل غرينلاند التوفيق في نضالهم من أجل الاستقلال"، مضيفة أن "الاستعمار أثار قشعريرة رعب مرات عديدة، واحتمال انتقال أهل الجزيرة من مستعمر قسري إلى آخر هو احتمال وحشي لا يمكن حتى تصوره".
وعلى رغم المسافة الشاسعة التي تفصل بين العاصمتين بنحو 3500 كيلومتر، تربط غرينلاند بالدنمارك علاقة تمتد لألف عام منذ استقرار المهاجرين النورسيين Norse [أو النورديين أسلاف الإسكندنافيين] في الجزيرة مطلع الألفية الأولى. وبقيت مستعمرة دنماركية حتى 1953 حين أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الدولة الدنماركية، ثم بعد ربع قرن فقط حصلت على حكم ذاتي عبر استفتاء شعبي منحها السيادة على شؤونها الداخلية.
وفي 2009 منحت قوانين حكم ذاتي جديدة استقلالية أوسع (مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن الخارجية والدفاع). وتحولت اللغة الرسمية أيضاً من الدنماركية إلى الكالاليسوت الإينويتية (أو الغريلاندية). وفي إطار القوانين الجديدة، يحق لغرينلاند الاستقلال الكامل إذا صوت شعبها له في استفتاء (بموافقة البرلمان الدنماركي أيضاً).
لطالما دأبت الدنمارك على رسم صورة نمطية لنفسها كـ"مستعمر رحيم"، إلا أن سلسلة من الحقائق الصادمة بدأت تطفو على السطح حديثاً محت هذه الصورة المثالية إلى الأبد. ففي أواخر العقد الماضي، فُتحت واحدة من أكثر الصفحات قتامة في التاريخ المشترك بين الدنمارك وغرينلاند، حين بدأت النساء في غرينلاند كسر حاجز الصمت حيال مأساتهن وما تعرضن له من عمليات زرع قسرية "للولب الرحمي" على يد أطباء دنماركيين.
وخلال حقبتي الستينيات والسبعينيات، خضعت آلاف النساء والفتيات في غرينلاند، بعضهن لم يتجاوز الـ12 من العمر، لعمليات زرع "لولب رحمي" دون علمهن أو موافقتهن. لم تكن هذه الممارسة طبية بقدر ما كانت سياسة ديموغرافية قسرية تهدف إلى كبح النمو السكاني في الجزيرة، التي كانت تسجل آنذاك أحد أعلى معدلات المواليد في العالم، وذلك في محاولة من كوبنهاغن لتخفيف الأعباء المالية عن كاهل الدولة الدنماركية. وتشير التقديرات إلى أن هذه الحملة طاولت نحو نصف النساء في سن الإنجاب بين عامي 1966 و1970.
وعاشت نساء كثيرات تحت وطأة الصدمة، فيما كابدت أخريات مرارة الألم والنزيف والعدوى، وصولاً إلى مضاعفات صحية مزمنة، بل إن بعضهن واجهن عجزاً عن الإنجاب لاحقاً، دون أن يدركن أن "لولباً" قد زُرع في أرحامهن خفية. وتروي ناجا ليبيرث، التي خضعت لهذا الإجراء وهي في الـ14 وكانت أول من كسر حاجز الصمت، قائلة "كان بإمكاني رؤية الأدوات بوضوح، بدت ضخمة جداً على جسدي الطفولي، ولم أدرك حينها أنها مخصصة للنساء البالغات. لقد كان الأمر أشبه بالتعذيب.. بل كان بمثابة اغتصاب".
وصف رئيس وزراء غرينلاند السابق، مُوته إيغيده Múte Egede، هذا البرنامج بأنه "إبادة جماعية صريحة ارتكبتها الدولة الدنماركية بحق سكان الجزيرة". وكانت هيئة الإذاعة الدنماركية "دي آر" (DR) قد بثت سلسلة وثائقية عام 2022 حول هذه الفضيحة، تبعها اعتذار رسمي من رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، في عام 2025، حيث قالت "أعتذر للفتيات والنساء اللواتي تعرضن لتمييز ممنهج لكونهن من غرينلاند، ولما كابدنه من أذى جسدي ونفسي، ولأننا خذلناهن".
فضيحة أخرى أثارت اعتذاراً متأخراً هي تجربة "الدنماركيين الصغار" في الخمسينيات عندما أرسلت الحكومة الدنماركية 22 طفلاً إينويتياً من غرينلاند للعيش مع عائلات دنماركية ليتعلموا اللغة والحياة الدنماركية، ثم يعودوا لوطنهم محملين بهذه القيم والتقاليد. كانت بالطبع سياسة مشبعة بأفكار استعمارية تهدف لخلق "طبقة حاكمة جديدة في غرينلاند" ذات ثقافة دنماركية في الأساس.
كان يُفترض أن يكون المشاركون أيتاماً، لكن بعضهم أُخذوا فعلياً من عائلاتهم. ستة منهم تبنتهم عائلات دنماركية، أما الباقون وعددهم 16 فعند عودتهم لغرينلاند وُضِعوا في دور أيتام وأجبرُوا على مواصلة التحدث بالدنماركية.
لم يعد معظمهم يوماً للعيش مع عائلاتهم البيولوجية، إذ عانى نحو نصف الأطفال المشاركين في تلك "التجربة" لاحقاً من اضطرابات نفسية، وإدمان للمواد المخدرة، ومحاولات انتحار. وفي عام 2020، قدمت رئيسة الوزراء فريدريكسن اعتذاراً رسمياً للناجين، معترفةً بقولها "لا يمكننا تغيير ما حدث، لكن بمقدورنا تحمل المسؤولية والاعتذار لأولئك الذين كان يجب علينا رعايتهم، لكننا خذلناهم".
ولكن، بعد تلك "التجربة"، حصل جدل جديد حول إجراء اختبارات "كفاءة الأبوة" المعروفة اختصاراً بـ"إف كيه يو" (FKU)، على عائلات غرينلاندية مقيمة في الدنمارك. ولطالما جادل الناشطون بعدم عدالة تقييم أهلية الوالدين الغرينلانديين بناءً على معايير وقيم دنماركية، وبلغة دنماركية بدلاً من لغتهم الأم (الـ"كالاليسوت"). وبحسب أحد التقارير، فإن احتمالية انتزاع الأطفال من والديهم الغرينلانديين في الدنمارك ووضعهم تحت الرعاية تزيد بمقدار خمسة أضعاف مقارنة بغيرهم.
لا يُنظر إلى الدنمارك كشريك فحسب، بل كدولة اتخذت تاريخياً قرارات انتهكت خصوصية سكان غرينلاند الجسدية والعائلية أوريليان كولسون
يرى أوريليان كولسون، أستاذ العلوم السياسية في المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية(ESSEC) في فرنسا، أن برنامج وسائل منع الحمل القسرية و"ممارسات رعاية الطفل المثيرة للجدل" ليست مجرد "هوامش تاريخية"، بل هي "قرارات تدخلية فُرضت من الخارج". ويضيف كولسون أن هذه الأحداث تكتسب أهميتها من كونها تُغذي سردية المظالم الاستعمارية، إذ لا يُنظر إلى الدنمارك كشريك فحسب، بل كدولة اتخذت تاريخياً قرارات انتهكت خصوصية سكان غرينلاند الجسدية والعائلية. ويؤكد أن هذه الفضائح "عززت القناعة بأن مستقبل غرينلاند يجب أن يُقرر في نوك، لا في أي مكان آخر، وبالتأكيد ليس في واشنطن".
غير أن الدنمارك بادرت هذا العام إلى حظر استخدام اختبارات "كفاءة الأبوة" (إف كيه يو) على العائلات الغرينلاندية، وهو قرار جاء بعد وقت قصير من بدء ترمب في التلويح بخطط للاستحواذ على الجزيرة. وقد أثار هذا التوقيت تساؤلات حتمية، حيث يرى بعض الغرينلانديين أن هذا التحول المفاجئ والسريع في السياسة تجاه مظلمة طال أمدها، ينبع من مخاوف الدنمارك من التدخل الأميركي. وفي تصريح لصحيفة "الغارديان" في يناير (كانون الثاني) 2025، أشارت السياسيّة الغرينلاندية ناجا ناثانيلسن إلى أن أطماع ترمب كانت بمثابة "ناقوس خطر لكوبنهاغن".
ليس ترمب أول رئيس أميركي يحاول الاستحواذ على غرينلاند، ففي ستينيات القرن الـ19، طرحت إدارة أندرو جونسون فكرة شرائها، ومع بداية الحرب الباردة، قدم هاري ترومان عرضاً سرياً للدنمارك بقيمة 100 مليون دولار للجزيرة التي آمن بأهميتها الاستراتيجية (وتجدر الإشارة هنا إلى أن للأميركيين وجوداً عسكرياً في غرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية).
لكن الرئيس الـ47 هو الأشد إصراراً بلا منازع، ففي عام 2019، أعرب عن رغبته في شراء الجزيرة، زاعماً أنها "ليست سوى صفقة عقارية ضخمة"، إلا أن عرضـه قوبل برفض دنماركي قاطع، حيث وصفت رئيسة الوزراء الفكرة آنذاك بـ"العبثية". أما خلال ولايته الثانية، فقد تحول الأمر لديه إلى ما يشبه الهوس.
لماذا يبدو ترمب مهووساً بفكرة غرس "العلم الأميركي" فوق أراضي غرينلاند؟ قد يكمن جزء كبير من الإجابة في ثرواتها الطبيعية الهائلة، فخلف طبقات الجليد تقع مكامن العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة الهواتف الذكية والبطاريات والتقنيات الخضراء، فضلاً عن مواد خام ثمينة مثل الليثيوم والغرافيت والنحاس. وتشير التقديرات إلى وجود احتياطيات ضخمة من الوقود الأحفوري غير مستغلة.
وإضافة إلى ذلك، كرر الرئيس مزاعمه أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند "من منظور الأمن القومي"، وصرح على متن طائرة الرئاسة مطلع الأسبوع الماضي، مؤكداً على أهمية "موقعها الاستراتيجي". فموقع الجزيرة على طول الممر البحري بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة، يجعلها نقطة ارتكاز حيوية لمراقبة الملاحة في شمال المحيط الأطلسي، فضلاً عن كونها موقعاً مثالياً لمنظومات الإنذار المبكر ضد الهجمات الصاروخية.
وعلى رغم كل المحاولات الأميركية لحشد التأييد، بما في ذلك زيارة "حملة التودد" التي قام بها نائب الرئيس جي دي فانس وزوجته أوشا وقوبلت بفتور واضح، فإن سكان غرينلاند لم يستسيغوا فكرة استبدال الدنمارك بالولايات المتحدة. فقد أظهر استطلاع للرأي العام الماضي أن 85 في المئة يعارضون انضمام غرينلاند لأميركا، مقابل ستة في المئة فقط يؤيدون الأمر.
ويرى بعض السياسيين أن أطماع ترمب قد تؤدي لنتيجة عكسية وهي تسريع الانفصال عن الدنمارك وتحقيق الاستقلال المنشود. وفي هذا الصدد، قال النائب جونو بيرثيلسن مطلع هذا الأسبوع: "ثمة فرصة سانحة أمامنا الآن للدخول في حوار حول خطوات ملموسة لتحسين حياة شعبنا".
ويلخص كولسون المزاج العام للجزيرة بأنه يتجه نحو "تقليص دور كوبنهاغن بمرور الوقت، وبالتأكيد ليس استبدالها بواشنطن"، مع رغبة جامحة في "فرض سيادة غرينلاندية كاملة بمجرد أن يصبح ذلك قابلاً للتطبيق اقتصادياً". لكن يظل السؤال الجوهري هو "متى يتحقق ذلك؟".
وكما يشير كولسون، فإن اقتصاد غرينلاند "صغير ويعتمد بشكل مفرط على صيد الأسماك"، فضلاً عن استمراره في تلقي منحة سنوية من الدنمارك تُعرف بـ"الكتلة النقدية" (Block Grant)، وهي تمثل أكثر من نصف الميزانية العامة وتُسهم في دعم قطاعات حيوية كالتعليم والرعاية الصحية، وفي هذا السياق، تتحمل الدنمارك أيضاً تكاليف علاج المرضى الغرينلانديين الذين يحتاجون إلى رعاية طبية في المستشفيات الدنماركية الكبرى.
والواقع أن استطلاع الرأي نفسه الذي أُجري عام 2025 وأظهر تأييد 56 في المئة للاستقلال، كشف أيضاً أن 45 في المئة سيعارضون هذه الخطوة إذا أدت إلى تدهور مستويات معيشتهم. وبدلاً من التحول المفاجئ، يبدو أن معظم سكان غرينلاند يفضلون تحركاً بطيئاً ومدروساً للابتعاد عن عباءة الدنمارك، فالاستقلال كما يراه كولسون "ممكن، لكنه ليس وشيكاً". ويضيف أن المضي نحو السيادة الكاملة "سيستغرق أعواماً، وربما عقداً أو أكثر، وسيتطلب موارد دخل جديدة، مثل قطاع التعدين، أو نمو السياحة، أو توسيع نطاق الصيد، أو حتى نوع من الترتيبات الانتقالية".
قد تقدم أيسلندا نموذجاً ملهماً لمسار غرينلاند نحو المستقبل، فبعدما كانت جزءاً من المملكة الدنماركية، نالت استقلالها الكامل رسمياً عام 1944 عقب استفتاء شعبي، بعدما نالت تدريجياً قدراً كبيراً من الحكم الذاتي خلال عقود من الانتقال السلس. وكما هي حال غرينلاند، تزخر أيسلندا بالموارد الطبيعية، حيث أثبتت الطاقة الحرارية الأرضية أهميتها الحيوية للاقتصاد، وهو ما قد يتكرر مع جارتها القطبية.
ومهما كان ما يخبئه القدر لغرينلاند، فإن شعبها وساستها يتمسكون حالياً بشعار واحد لا يتزعزع هو: أرضنا ليست للبيع.
© The Independent