ملخص
عندما سمعت الرئيس دونالد ترمب يصف، في مؤتمر دافوس، غرينلاند بـ"قطعة جليدية باردة"، خطر في بالي للفور سؤال: هل هناك أدب غرينلاندي؟ من هم أدباء هذه البقعة الباردة من شمال الأرض؟ ,
في المكتبة العربية لم أجد أي كتاب من غرينلاند مترجماً إلى لغة الضاد، وكان عليَّ، أنا الذي يجهل هذا الأدب تمام الجهل، أن أعود إلى المواقع الأدبية الفرنسية التي تُعنى بـ"أدب الشعوب"، فأحصيت أكثر من 200 كتاب مترجم من اللغة الغرينلاندية، التي تعد اللغة الرسمية منذ عام 1979 بعدما رافقتها اللغة الدانماركية عقوداً. هذه الكتب المترجمة تتوزع بين الرواية والقصة والشعر والتاريخ والسياسة والجغرافيا والسياحة الثلجية، وقد صدرت في دور فرنسية مهمة مثل غاليمار وسوي وأكت سود وسواها، عطفأ على دور اخرى في الدول الفرنكونية مثل كندا وسويسرا وبلجيكا...
علماً أن غرينلاند التي تعني باللغة الأصلية "أرض الناس" وبالدنماركية "الخضراء"، والتي تعد ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا، لا تضم سوى 65 ألف مواطن. غرينلاند إقليم دنماركي يتمتع بالحكم الذاتي، يقع بين شمال المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي. يغطي الجليد جزءاً كبيراً من سطحها، بينما تعيش غالبية سكانها على امتداد السواحل الخالية من الجليد والمطلة على المضايق، ولا سيما في الجنوب الغربي.
الصراع على غرينلاند في رواية
بالطبع، لست هنا لأبحث في تاريخ غرينلاند وجغرافيتها والصراع الأممي عليها، فهذا من شأن الباحثين. وبالصدفة وقعت على رواية بوليسية بعنوان "غرينلاند البلاد التي لم تكن للبيع" (دار سوي) كتبها روائي يدعى مو مالو، هو اسم مستعار لروائي فرنسي يُدعى فردريك مارس، ينحاز إلى شعب غرينلاند، وخصص أدبه وحياته في سبيله. تنطلق الرواية من إنذار وُجِّه إلى حكومة غرينلاند مدته خمس ساعات كحد أقصى، مُنحت لطرح بلد وشعب في مزاد علني: غرينلاند. تبرز في قلب اللعبة أربع دول: الولايات المتحدة والصين وروسيا والدنمارك. وأمام أنظار ملايين المشاهدين المذهولين في العالم، يعطي رئيس وزراء غرينلاند فريديريك كارلسن إشارة الانطلاق. خيانة؟ لا. إنه مكبل إلى كرسيه بالأصفاد. محتجز في زاوية بعيدة، زوجته وابنته رهينتان، معلقتان على كابل فولاذي، فوق الجليد القطبي. تمثل هذا الرواية البوليسية المأزق الذي تعيشه غرينلاند اليوم، إزاء إصرار الولايات المتحدة على ضمها، وسط صراع عميق مع أوروبا وروسيا خصوصاً.
لا شك في أن الأدب الغرينلاندي، على رغم صغر عدد الشعب، يحتل مكانة خاصة في خريطة الآداب العالمية، لا يمكن تجاهلها. هذا الأدب نشأ طوال حقبات في إطار الإرث الشفهي، ويتكئ مثل آداب الشعوب النائية على الأساطير والحكايات التي تداولتها جماعة الإنويت الأصلية (شبيهة جماعة الإسكيمو)، قبل أن يشرع الكتّاب في جعله يتحول تدريجاً إلى أدب مكتوب يسعى إلى الانصهار والتكامل اللغوي. ومعروف أن هذا الأدب تتقاطع فيه قضايا اللغة والاستعمار والهوية والحداثة.
أما اللغة الأساس التي يُكتب الأدب بها فهي الغرينلاندية (الكالاليسوت)، ويكتب أحياناً بالدنماركية وبالإنجليزية، ويعكس التاريخ المعقد لإقليم غرينلاند، الإقليم القطبي الذي تشكلت ثقافته عند تخوم التقاليد العريقة والتأثيرات الأوروبية.
التقليد الشفهي
قامت الثقافة الغرينلاندية على تقليد شفهي غني للغاية مثل بقية الثقافات العريقة. فقد كانت أساطير شعب الإنويت تروي نشأة العالم، وأصل الحيوانات، وقوى الطبيعة الخفية، والعلاقات بين البشر والأرواح. ولم تكن هذه الحكايات مجرد سرد خيالي، بل كانت تؤدي دوراً تربوياً واجتماعياً أساسياً، فتنظم رؤية العالم وتنقل القيم وتعلم مهارات البقاء في بيئة ثلجية وجليدية.
ويُقال إن الأغاني شكلت جزءاً مركزياً من هذا التراث الشفهي. فقد استخدمت في الطقوس، وفي السرد، وأحياناً في السخرية وتسوية النزاعات داخل الجماعة. وترك هذا الإرث الشفهي أثراً عميقاً في الأدب المكتوب لاحقاً، من حيث الإيقاع والبنية الدائرية للسرد وكثافة الرموز المستمدة من الطبيعة.
من المعروف تاريخياً أن الكتابة دخلت إلى غرينلاند خلال القرن الـ18 مع المبشرين الدنماركيين والألمان، وكان هدفهم الأساس دينياً يتمثل في ترجمة الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية إلى اللغة الغرينلاندية. وأسهمت هذه الترجمات الأولى في تثبيت شكل اللغة المكتوبة ووضع أسسها.
ثم بدأ الغرينلانديون أنفسهم خلال القرن الـ19 باستخدام الكتابة للتعبير عن حياتهم وتجاربهم. فظهرت نصوص تاريخية وسير ذاتية وقصائد، متأثرة بالنماذج الأوروبية ولكن مشبعة بموضوعات محلية. وهكذا تحول الأدب إلى مساحة حوار بين الثقافة الإنويتية والثقافة الغربية. ثم ما لبث أن برز وعي وطني غرينلاندي مع بدايات القرن الـ20، وسعى الأدباء إلى تأكيد هوية ثقافية مستقلة عن الدنمارك. وأصبحت اللغة الغرينلاندية في قلب هذا المشروع، وغدا اختيار الكتابة بها فعلاً ثقافياً وسياسياً.
بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت غرينلاند تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، شملت التمدن والتعليم باللغة الدنماركية وسياسات تحديث واسعة. وتركت هذه التحولات أثراً بالغاً في الأدب. فانشغل الكتاب بقضايا فقدان المرجعيات الثقافية والاغتراب اللغوي، والآثار النفسية للاستعمار. وأصبح الأدب فضاءً نقدياً يعبر فيه عن الإحساس بالاقتلاع الداخلي والسعي إلى ترميم هوية مجروحة.
الشعر القديم والحديث
يحتل الشعر مكانة محورية في الأدب الغرينلاندي المعاصر، لما يتيحه من تعبير مباشر ومكثف، وغالباً ملتزم. ويبرز الشاعر والموسيقي أقالوك لينغه (مواليد 1947) بوصفه صوتاً ثقافياً وسياسياً بارزاً، إذ تدافع قصائده عن حقوق الشعوب الأصلية وتحتفي بالعلاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة القطبية.
ويعمد الشعر الحديث إلى استعادة عناصر من الشفاهة القديمة، مثل الإيقاع التكراري والصور الطبيعية القوية، محققاً استمرارية جمالية بين الماضي والحاضر. أما السرد الغرينلاندي المعاصر فيتميز بتنوع في الأشكال والموضوعات. فهو يعالج الصدمات الفردية مثل العنف والإدمان والوحدة، إلى جانب القضايا الجماعية المرتبطة بالتاريخ الاستعماري والسعي إلى الحكم الذاتي.
تعد مسألة الترجمة من أبرز التحديات التي تواجه الأدب الغرينلاندي، نظراً إلى كونه مكتوباً بلغة محدودة الانتشار. وتزداد صعوبة الترجمة بسبب الطبيعة التركيبية المعقدة للغة الغرينلاندية وخصوصياتها الثقافية. ومع ذلك، شهدت الأعوام الأخيرة اهتماماً متزايداً بترجمة هذا الأدب إلى الدنماركية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، مما أسهم في توسيع دائرة قرائه عالمياً.
ولا غرابة في أن تحتل القضايا البيئية والمناخية محوراً أساساً في الأدب الغرينلاندي المعاصر. فذوبان الجليد وتحول المناظر الطبيعية وتهديد أنماط العيش التقليدية ليست مجرد خلفية سردية، بل تجربة وجودية مباشرة. ويتناول الكتاب هذه التحولات من منظور معيشي، فالطبيعة لا تفصل عن الإنسان بل تعد ذاكرة ولغة وشريكاً في البقاء. وتمنح هذه الرؤية الأدب الغرينلاندي طابعاً إيكولوجياً مميزاً، مختلفاً عن كثير من الأدبيات البيئية الغربية. ويعد الكاتب ماتياس ستورش (1883–1957) من أبرز الرواد، ولا سيما بروايته Singnagtugaq الصادرة عام 1914، وتعد غالباً أول رواية غرينلاندية، وتعالج الرواية تحولات المجتمع الإنويتي في مواجهة الحداثة والاستعمار، وتكشف التوتر بين التقاليد القديمة ومتطلبات التقدم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أدب الآداب
ظل الأدب الغرينلاندي طوال حقبة على هامش المشهد الأدبي العالمي، لكنه بدأ يحظى باهتمام متزايد بفضل الترجمة والمهرجانات الأدبية والدراسات الأكاديمية. وتكمن أهميته في قدرته على ربط تجربة محلية قصوى بقضايا إنسانية كونية، مثل الهيمنة الثقافية وأزمة الهوية والعلاقة مع الطبيعة، والعولمة. ومن هذا المنظور يدخل في حوار مع آداب الشعوب الأصلية الأخرى، كآداب السكان الأصليين في كندا أو أستراليا.
يقدم الأدب الغرينلاندي اليوم مختبراً ثقافياً وأدبياً مهماً. فهو أدب متجذر في شفاهة إنويتية ضاربة في القدم، وموسوم بتجربة استعمارية عميقة، ومنفتح خلال الوقت نفسه على أكثر الأشكال المعاصرة حداثة. وهو يشكل مفتاحاً أساساً لفهم تحولات العالم القطبي، ولتأمل قضايا الهوية واللغة والعلاقة مع المكان في زمن العولمة. ومن حيث غناه الجمالي والرمزي، يمكن اعتباره واحداً من الآداب الكبرى خلال القرن الـ21.
روائيون وروايات
,اليوم، يقدم الأدب الغرينلاندي مزيجاً فريداً من الأصوات التقليدية والمعاصرة، عاكساً تحول هوية الأمة. ويتناول قضايا اجتماعية متنوعة، منها تغير المناخ وثقافة الشباب وهوية الجندر، والهشاشة النفسية. وخلال الوقت نفسه، تظل الطبيعة عنصراً جوهرياً، بوصفها مسرح الأحداث ورمزاً لنمط الحياة الغرينلاندي المتغير. وتعد نيفياك كورنيليوسن (مواليد 1990) من أبرز أصوات الجيل الجديد. ففي روايتها Homo sapienne (2014) تتناول قضايا الهوية الجنسية والشباب والتواصل الرقمي في المجتمع الغرينلاندي الحديث، مستخدمة أسلوباً تفكيكياً متعدد الأصوات يضع الأدب الغرينلاندي في قلب الحداثة العالمية. وتُرجمت روايتها إلى لغات عدة منها الفرنسية.
ومن الروائيين أيضاً ماتياس ستورشورش صاحب رواية "حلم غرينلاندي". صدرت الرواية عام 1914، وهي أول رواية وطنية، تدرس في الثانويات وفي جامعة غرينلاند. وماتياس ستورش (1883–1957)، قس تقدمي وأحد أوائل كبار الساسة في البلاد، ناضل من أجل تعميم التعليم. تسرد الرواية حياة شاب إنويتي في قرية مجاورة لمستعمرة دنماركية، يحلم بمجتمع متساوٍ يعيش فيه الغرينلانديون والدنماركيون في وئام. تساعد الرواية القارئ المعاصر في إعادة النظر في العالم الإنويتي عبر صوت صادر من الداخل. وثمة رواية عنوانها "بعد 300 عام" للكاتب أوغو لينغه، رواية ذات رؤية استشرافية كُتبت عام 1931، وتدور أحداثها عام 2021، أي بعد 300 عام على بدء الاستعمار الدنماركي. وترسم، على خلفية نقد اجتماعي، بلداً يدفع قسراً نحو التقدم التقني. كثير من استبصارات أوغو لينغه، المعروضة ضمن حبكة بوليسية بين قرى متشبثة بحواف صخرية وبياض لا نهائي لغطاء جليدي داخلي، تحقق فعلاً بعد زمن طويل من صدور الرواية.
وكذلك رواية "أغمض عيني لأغطي الظلام " للكاتبة كيللي بيرثيلسن. وعلى خلاف المخيال الشمالي/القطبي الذي صاغته قرون من الثقافات الأوروبية والأميركية الشمالية، تأتي أقوال كاتبة غرينلاندي ملحة عن بلده، تتوالى في هذه المجموعة القصصية القاتمة (2001) أحوال اليأس والكحول والمخدرات، وأعلن التمرد على مستقبل غرينلاند وتسخر منه. وتبقى رواية "مغامرة في غرينلاند" للكاتب فليمنغ جنسن مارتن. البطل معلم دنماركي في الـ40 يبحث عن معنى، يطلب نقله إلى غرينلاند. يتسلم عمله في موقع يبعد أكثر من 500 كيلومتر شمال الدائرة القطبية. هناك يكتشف مجتمعاً متضامناً فينظم حياته وفق الطبيعة المحيطة. رواية إنسانية تدين خراب الاستعمار، وتمثل نشيداً للتسامح، مشحوناً بروح دعابة لا تقاوم.