Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من الانتداب البريطاني إلى ترمب... الأكراد بين الوعد والخيانة

شكّل تصريح توم براك في مطلع الأسبوع أول دليل ملموس على إعادة ضبط واشنطن لاستراتيجيتها في سوريا

تصدى أكرادُ سوريا للحرب ضد تنظيم داعش قبل أكثر من عقد (أ ف ب)

ملخص

منذ أكثر من قرن من الزمان، وفي كل مرة يتجدد فيها الحلم الكردي في إقامة حكم مستقل، ظلت قضيتهم رهينة لمصالح القوى الكبرى، حيث ينظر إلى الأكراد كحلفاء موقتين أكثر من كونهم شركاء استراتيجيين دائمين.

كان الشيخ الكردي الذي يتمتع بنفوذ اجتماعي كزعيم ديني وقيادي عشائري هو الحليف الذي وجد فيه البريطانيون الوارثون لأراضي الدولة العثمانية التي سقطت لتوِّها الدعم الكافي لإدارة شمال العراق بعد الحرب العالمية الأولى. فأسند الانتداب البريطاني حكم منطقة السليمانية للشيخ محمود البرزنجي في محاولة لاستمالة الزعامات المحلية وضبط المناطق الكردية تحت سلطتهم. غير أن هذه العلاقة سرعان ما توترت عندما تصاعدت مطالب البرزنجي بحكم ذاتي كردي حقيقي، وتم نفيه إلى الهند عام 1919، قبل أن يعيده البريطانيين لاحقاً لإعادة توظيف نفوذه لموازنة التهديدات الإقليمية، بخاصة من تركيا عام 1922. ومجدداً وقع الصدام مع إعلان البرزنجي "مملكة كردستان" في العام نفسه، ورفضه الخضوع لسلطة الدولة العراقية، لكن بريطانيا رأت أن الدولة المركزية تخدم مصالحها الاستراتيجية، ومن ثم قررت التخلي عن خيار الحكم الكردي المستقل. 

وكانت بريطانيا وراء إجهاض جمهورية مهاباد الكردية في مهدها عندما تم تأسيسها شمال غربي إيران عام 1946. فعقب الحرب العالمية الثانية أصبحت إيران ساحة تنافس بين السوفيات والبريطانيين. وفيما كان الاتحاد السوفياتي الداعم الدولي الرئيس لجمهورية مهاباد، فإن البريطانيين عارضوا أي مشروع انفصالي قد يزعزع استقرار البلاد، وسعوا إلى دعم وحدة الدولة الإيرانية ضمن توازنات الحرب الباردة الناشئة. وبالتنسيق السياسي مع الولايات المتحدة مارست بريطانيا ضغوطاً دبلوماسية على موسكو للانسحاب من شمال إيران، مما أدى إلى فقدان جمهورية الكرد مظلتها الدولية الأساسية. ومضت بريطانيا في دعم جهود الحكومة الإيرانية لإعادة بسط سيطرتها في الإقليم، معتبرة أن قيام كيان كردي مستقل قد يشجع حركات مماثلة في العراق الخاضع سابقاً للنفوذ البريطاني، ويهدد استقرار المنطقة ومصالح الطاقة والنفوذ. ومع انسحاب الدعم السوفياتي وتراجع الحماية الدولية، تمكن الجيش الإيراني من إسقاط الجمهورية بحلول نهاية العام نفسه. 

الأكراد حليف موقت

وما أشبه اليوم بالبارحة، فما إن صدق الأكراد مجدداً أن الغرب يمكن أن يكون حليفاً موثوقاً لهم في سعيهم إلى تحقيق حلم طال انتظاره حتى باغتتهم الضربة الأميركية بتخلٍّ معلن على لسان المبعوث الأميركي المثير للجدال توم براك. فطيلة أكثر من عقد كان الأكراد أقرب حلفاء الولايات المتحدة في سوريا، يقاتلون تنظيم "داعش" ويحرسون القواعد الأميركية ويديرون معسكرات احتجاز وسجوناً ضمت عشرات الآلاف من الجهاديين وعائلاتهم، لكن على غرار بريطانيا في العراق، فقد أدارت الولايات المتحدة ظهرها لحلفائها القدامى في سوريا، مفضلة دعم الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فمن دون الدعم الأميركي تراجعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهي قوة يقودها الأكراد، وبدأت بالانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها خلال العقد الماضي، مع تقدم قوات الحكومة إلى شمال شرقي سوريا، منهية حال جمود استمرت منذ تولي الشرع السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024. وهو ما أكدته قائدة وحدات حماية المرأة الكردية في سوريا نسرين عبدالله، التي تحدثت في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت الخميس، مشيرة إلى غياب الدعم الأميركي، في حين رفضت التصريح صراحة بخيانة. 

ويواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات داخلية واسعة من الكونغرس والإعلام الأميركي في شأن تخليه عن الأكراد. وتقول صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، إنه بالنسبة إلى قوات سوريا الديمقراطية وأنصارها، بمن فيهم مسؤولون أميركيون عملوا من كثب مع المجموعة، يبدو الأمر بمثابة خيانة لمن قاتلوا بإخلاص إلى جانب الولايات المتحدة وخسروا آلاف المقاتلين في سبيل ذلك.

وقد أوضحت إلهام أحمد القيادية البارزة في الإدارة المدنية التي يقودها الأكراد في شمال شرقي سوريا مدى قتامة موقف قوات سوريا الديمقراطية، عندما ناشدت في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي الولايات المتحدة الكف عن التلاعب بالطرفين واتخاذ موقف واضح لوقف الهجوم الذي تشنه قوات الحكومة السورية على مواقعها. وقالت عن الموقف الأميركي من هجوم الحكومة "إذا لم يكن هناك رد فعل، فمن السهل افتراض أنهم أعطوا الضوء الأخضر. عليهم اتخاذ موقف واضح".

وفي مقابلة مع مجلة "نيوزويك" بعد إعلان هدنة موقتة الثلاثاء الماضي قالت أحمد إن الأكراد يجب أن يكافحوا الآن من أجل البقاء، مضيفة "لا يزال لدينا مهمة حماية شعبنا لأن الجيش السوري لا يزال يتألف من فصائل متطرفة ومتشددة لا يمكن لأي أحد في سوريا الثقة بها حتى الآن، حتى من الدروز أو العلويين أو المسيحيين، ولا حتى السنة، يمكنهم الوثوق بهذه الفصائل أو هذا الجيش، وما زلنا نشعر بقلق كبير من احتمال تعرض شعبنا لمجازر كما حدث في مدن سورية أخرى". وأوضحت أن "مهمتنا تتطلب دعم الدول التي دافعنا وحمينا أمنها خلال المعارك ضد (داعش)، وتحملنا مسؤولية حراسة أسر ومقاتلي (داعش) لسنوات نيابة عنهم". وأضافت "الآن، نطالب بدعمهم، ونحتاج إلى ضمانات دولية قوية لحماية الشعب الكردي في مناطقنا، وهذا يمكن أن تقوم به دول عدة، أو الأمم المتحدة، أو أي جهة دولية يمكنها ضمان حماية وأمن شعبنا".

مغامرة توم براك

وجهت صحيفة "وول ستريت جورنال" انتقادات لاذعة للمبعوث الأميركي لسوريا، قائلة إن مغامرة توم براك غير موفقة، فتخليه عن الأكراد يعرض مهمة مكافحة تنظيم "داعش" للخطر. وأضافت الصحيفة في افتتاحيتها الخميس أن قوات سوريا الديمقراطية كانت مستعدة للتضحية بآلاف المقاتلين في المعركة ضد "داعش" كي لا تضطر الولايات المتحدة إلى ذلك. ومنذ ذلك الحين استجابت لطلبات واشنطن في شأن النفط واحتجزت آلاف مقاتلي "داعش"، مما أعفى دولاً أخرى، خصوصاً الأوروبية، من عبء إعادتهم إلى أوطانهم... "باختصار، الأكراد كانوا يقومون بالأعمال القذرة بدلاً عنا. فهل سنخونهم الآن؟". 

وتقول الصحيفة إن براك هو من يقود السياسة الأميركية في الوقت الحالي، إذ يشغل منصب السفير الأميركي لدى تركيا ويستمر في أداء مهام المبعوث الأميركي إلى سوريا. وبينما تعتبر تركيا القضاء على القوات الكردية أولوية، فإن الولايات المتحدة اليوم تراهن على حياة الأكراد ومصالحها الأمنية في مواجهة "داعش"، وهو ما يشكل سبباً كافياً لوقف أي هجوم خاطف من قبل الشرع. فتركيا تسعى إلى سحق أكراد قوات سوريا الديمقراطية بسرعة، لكن لا ينبغي للولايات المتحدة المساعدة في ذلك.

تغير المشهد وتحول سياسي

أثار بيان براك في شأن موقف أكراد سوريا قبل يومين انتقادات واسعة عندما قال إن المشهد في سوريا غير من مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، "إذ إن الغاية الأصلية لـ(قسد) بوصفها القوة الأساسية على الأرض لمكافحة (داعش) قد انتهت صلاحيتها إلى حد كبير، بعدما أصبحت دمشق الآن راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مرافق احتجاز (داعش) والمخيمات. وتظهر التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة تعمل بنشاط على تيسير هذا الانتقال، بدل إطالة أمد دور منفصل لـ(قسد)"، داعياً إلى الاندماج في الحكومة السورية الجديدة. 

ويقول مراقبون إن الميل الأميركي نحو دمشق يمثل أحدث سلسلة من التحولات السياسية الأميركية خلال 15 عاماً من الصراع في سوريا. فمنذ وصول الشرع إلى السلطة قبل أسابيع من تولي الرئيس ترمب الحكم، تغيرت الحسابات الأميركية، حيث فضل البيت الأبيض قبول ماضي الشرع الميليشياوي لإقامة شراكة جديدة في المنطقة. هذه الشراكة صمدت حتى مع تقارير سابقة عن استهداف القوات السورية للأقليات، بمن في ذلك الأكراد والدروز والعلويون، فيما تعهد الشرع صياغة رؤية وطنية شاملة وموحدة. وفي الوقت نفسه، حافظ "البنتاغون" إلى حد كبير على موقفه بأن علاقته مع قوات سوريا الديمقراطية لم تتغير، على رغم أن تصريح براك خلال تجدد العنف في مطلع الأسبوع شكَّل أول دليل ملموس على إعادة ضبط واشنطن لاستراتيجيتها.

المزيد من تقارير